ليس من كلام أكثر انطباقًا على الوضع في تركيا من كلام داعمي الانقلاب في تركيا من معسكر الثورة المضادة عربيًّا، حيث زعم “مرصد الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الإعلامي” أن الانقلاب مدبرٌ من قبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ولكنهم صدقوا تعبيرًا لما قالوا إنه وبعد ثلاث سنوات من الانقلاب فإن أردوغان استفاد من الانقلاب التركي، ومن أهم مكاسبه “كسب تعاطف الشعب التركي وإزاحة خصومه السياسيين عن المشهد”، وأنه “بدلا من كونه رئيس حكومةٍ أصبح زعيمًا وسلطانًا للأتراك”.

ولهذا انتظر الأتراك خطاب السلطان أردوغان في الذكرى الثالثة لإفشال محاولة الانقلاب، كما انتظروه يخطب مجددًا مساء ليلة 15 يوليو 2016، فقال اليوم الإثنين: “طالما لدينا مؤسسات تدافع عن مكتسبات الديمقراطية التركية باستماتة فلن يستطيع أحد تركيع شعبنا تركيا.. لن تجرؤ أي قوة أبدًا على القيام بمحاولة مشابهة لـ15 يوليو 2016 ما دام جنودنا وشرطتنا واستخباراتنا مخلصين لشعبنا ودولتنا تركيا.. نتخذ كافة التدابير من أجل منع تعرض الشعب التركي لخيانات شبيهة بمحاولة 15 تموز الانقلابية تركيا”.

اختار أردوغان خطابه ليحمل دلالة ما، حيث جاء ذلك في كلمة ألقاها بمناسبة افتتاح مبنى جديد لمديرية أمن العاصمة أنقرة، في مكان ومؤسسة الشرطة التي اعتبرها محللون حجر عثرة أمام نجاح الانقلاب، ليقول: إن منع تغلغل أعضاء منظمة جولن وأتباع المنظمات الإرهابية إلى مؤسسات الدولة، مهم بنفس قدر تطهير المؤسسات من هذه المنظمات، مؤكدا أن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، وأنه كان لدينا أوجه قصور وأخطاء في الماضي، لكن اعتبارا من عام 2010.

وقال الصحفي قطب العربي المقيم بإسطنبول، في ذكرى اندحار الانقلاب العسكري في تركيا: “كانت مقاومة الانقلاب شاملة للشعب ونخبه السياسية والثقافية، وبعض قواته الأمنية والعسكرية، المهم أن اندحار الانقلاب أنقذ تركيا من مصير أسود، وحافظ لها على مدنية الحكم، بعيدًا عن بيانات العسكر الذين يبلون بلاءً حسنًا في ثكناتهم وثغورها وخطوط المواجهة”.

استجوابات مستمرة

وشنت قوات الأمن التركية حملة أمنية مكبرة، ألقت خلالها القبض على 176 من العاملين الإداريين في القوات المسلحة التركية بتهمة الانتماء لحركة الخدمة.

وبحسب البيان الصادر عن النيابة العامة في إسطنبول، فقد صدر قرار بإلقاء القبض على مجموعة أشخاص، بينهم عقيد ومقدمان، و5 رواد و7 نقباء و100 ملازم أول، و18 ملازما، و43 ضابط صف في صفوف القوات المسلحة، مشيرة إلى أن 100 منهم في صفوف القوات البرية، و33 في صفوف القوات الجوية، و37 في صفوف القوات البحرية، و6 تابعين لقيادة قوات خفر السواحل.

المرصد الذي اعتبر الانقلاب مدبرًا، أشار إلى استجوابات طالت 30 ألف من العاملين بالقوات المسلحة من الإداريين والضباط، فضلا عن اعتقال المئات من الصحفيين والخصوم السياسيين.

فيما يرد محللون بأن إجراء الاستجواب لا عار فيه إلا إذا استخدم القمع والتعذيب، وأن احتجاز الصحفيين المعبرين عن النظام هو حق للمواطن أن يقاضي فيه النظام، وأنه إلى الآن لم تغلق الصحف المعبرة عن العسكريين مثل صحيفة “ملليت تركي”، أو صحيفة الزمان المعبرة عن حركة الخدمة وعبدالله جولن.. وشتان ما بين مواجهة الانقلاب التركي الذي اعتبره سفير تركيا في واشنطن الأكثر دموية في تاريخ البلاد، وبين ما يقوم به قادة الثورة المضادة السيسي وابن زايد وابن سلمان دون انقلابات.

دور الأمريكان

ولمن لا يذكر، يعي الأتراك الدور الأمريكي المفضوح في الانقلاب على حكم حزب الحرية والعدالة التركي، وإدانتهم الانقلاب بعد عام كامل من وقوعه، فضلا عن حربهم الاقتصادية المدعومة سياسيا من أوروبا على الليرة التركية، وزيادة الأعباء والضرائب على الصادرات التركية، لذلك كرر أردوغان في ذكرى الانقلاب الثالثة تأكيده أمام التهديدات الجديدة من واشنطن: إن بلاده سوف تشارك في إنتاج إس -400 مع روسيا، وإن ذلك سيكون عقب بدء استلامها منظومة «إس-400″ لافتا إلى أن بلاده ستنتهي من استلام المنظومة كاملة بحلول أبريل 2020.

وتابع: “سنغدو من الدول المعدودة في حيازة أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة، والهدف حاليا المشاركة في الإنتاج مع روسيا”. وأعلنت وزارة الدفاع التركية عن وصول أول مجموعة من أجزاء منظومة «إس-400» الروسية إلى أنقرة.

وتعد منظومة «إس-400» واحدة من أكثر منظومات الدفاع الجوي تطوراً بالعالم حالياً، وهي من إنتاج شركة «ألماز-أنتي»، المملوكة للحكومة الروسية.

ودخلت المنظومة الخدمة في الجيش الروسي عام 2007، وتعتبر ترقية لمنظومة الدفاع الجوي «إس-300» التي تم تطويرها في تسعينيات القرن الماضي.

المنزعجون من التجلية

تم تجلية انقلاب تركيا تماما، حيث كشفت “نيويورك تايمز” عن أن السيسي انزعج بشدة من فشل انقلاب تركيا، وكتبت في مايو 2017، أن عبد الفتاح السيسي، قائد الانقلاب العسكري الدموي في مصر، أبدى انزعاجا شديدا بعد فشل محاولة الانقلاب العسكري في تركيا، ونقلت الصحيفة الأمريكية عن بريان كوتيليس، الباحث بمركز “أمريكان بروجريس” الذي يقع مقره بواشنطن، مقتطفات من حوار أجراه الأخير مع السيسي، في يوليو الماضي، في سياق تقرير مقبل عن السياسة الأمريكية في مصر.

ووفقا للباحث، فإن “قلق السيسي يتزايد بشأن تركيا، حيث رأى هزيمة محاولة الانقلاب ضد حكومة أردوغان الإسلامية بمثابة “ميلاد لدولة دينية في أوروبا”.

وفي يونيو من نفس العام، أثبت موقع “إنترسبت” الأمريكي أن رسائل “إيميل” السفير الإماراتي في واشنطن، سعيد العتيبة، تداول مقالا يتهم الإمارات بالمشاركة في محاولة الانقلاب بتركيا.

وكانت مصادر عربية نقلت عن “مصادر رفيعة المستوى” أن المعارض التركي المقيم في ولاية بنسلفانيا بالولايات المتحدة فتح الله جولن، كان قد زار أبوظبي سرًا للقاء محمد دحلان مستشار ولي العهد الإماراتي محمد بن زايد، قبل أسبوع واحد من محاولة الانقلاب الفاشلة ضد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

وحسب ما ذكره موقع “بريتبارت” العبري، في 17 يوليو 2016، فإن اللقاء الذي جمع جولن مع دحلان أحيط بسرية بالغة، كما أنه ليس الأول من نوعه، حيث نشر الموقع تحقيقا صحفيا لـ”آرون كلاين” مدير مكتب الصحيفة بالقدس وكبير محرري التحقيقات الصحفية فيها، أشار فيه إلى أن أنقرة تعتقد بضلوع كل من دولة الإمارات ومصر في مساعي تقويض نظام الحكم في تركيا باعتباره داعما لتيار الإسلام السياسي.

ونسب الموقع العبري إلى نفس المصدر أن  تركيا الآن تتحقّق من المعلومات التي نُشرت حول زيارة جولن لدولة الإمارات لوضع اللمسات الأخيرة على مخطط محاولة الانقلاب الفاشلة، مضيفا أن السلطات التركيّة تستعرض كل الأدلة التي تشير إلى تورط مصر والإمارات في الانقلاب الفاشل.

Facebook Comments