في الذكرى الثامنة لثورة يناير، يقف الثوار الذين أشعلوا ثورة يناير الأولى على مفترق طرق لأسباب عديدة، منها ما هو مرتبط بممارسات الانقلاب العسكري وقمعه السياسي والقانوني والإجرامي بحق الشعب المصري وبحق الشباب، ومنها ما هو مرتبط بالأيديولوجيات لكل فصيل من القوى المختلفة، فيما يبقى الطريق لإسقاط الانقلاب العسكري هو توحد الصف الثوري.

في هذا السياق، شهدت الساحة السياسية المصرية مؤخرًا طرح عشرات المبادرات للاصطفاف بين القوى الثورية على اختلاف أنواعها، الإسلامية والليبرالية واليسارية والعلمانية والمستقلة، على خلفية قناعة الجميع بأنه لا مناص من التخلص من نظام السيسي بعدما أصبح وجوده يهدد هوية مصر ومكتسباتها التاريخية، ويهدد الاقتصاد بكارثة قد تصل إلى حد المجاعة.

ومقابل قرابة 5 مبادرات لتوحيد الصف الثوري، طرحها مقربون من التيار الإسلامي أو من التيارات التي لا تقصي الإسلاميين، آخرها مبادرة الدكتور أحمد مطر، رئيس المركز العربي للدراسات السياسية، و”بيان المجلس الثوري”، وتعليق نائب المرشد العام للإخوان “إبراهيم منير” على مبادرة السفير “معصوم مرزوق”، طُرحت قرابة 7 مبادرات للاصطفاف من جانب المعارضين للإخوان والإسلاميين من القوى العلمانية المدنية خلال عامي 2017 و2018، آخرها مبادرات حسن نافعة ومحمد محيي ومعصوم مرزوق.

والملمح الإيجابي في هذه المبادرات أنها كلها تقريبًا تدعو إلى الاصطفاف لكل “القوى الثورية”، باستثناء البعض الذي يستثني التيار الإسلامي، أو يطالب بحل جماعة الإخوان المسلمين، بدعاوى أن العسكر والإخوان يقفان عقبة أمام الاصطفاف، وهي مبادرات اعترض عليها أيضا بعض التيار المدني ودعا إلى عدم إقصاء أحد.

معارضة مهلهلة

وزاد من غلبة المؤيدين للاصطفاف بين الجميع وعدم إقصاء أحد، قناعة كثير من المعارضين أن المعارضة مهلهلة، وأنه لولا هلهلتها وانقسامها لانهار نظام السيسي الذي يعتمد على خلافات المعارضين مع بعضهم البعض أكثر من اعتماده على مصادر قوة حقيقية يستند إليها.

فمصر الآن مهلهلة ومقسمة إلى خمس فصائل هي: سلطة حاكمة مستبدة مهيمنة يؤازرها رجال المال (الأعمال)، والمجلس العسكري، ومؤسسات تابعة (برلمان وقضاء وشرطة وأجهزة مخابراتية ورقابية)، والتيار المدني بأحزابه وغالبية أفراده، والتيار الإسلامي بقيادة جماعة الإخوان المسلمين، والكتلة الصلبة (القوات المسلحة) التي تبدو كتيار منفصل منذ انقلاب 3 يوليه.

ويمكن القول إن تيار السلطة والمؤسسات التابعة لها، يواجه التيارين المدني والإسلامي، ويقف بينهما الجيش مناصرا للسلطة رغم محاولات التململ داخله لربط اسمه بالتنازلات عن أراضي (تيران وصنافير) والقمع، والتفريط في الأمن المائي بعد التوقيع على اتفاقية الخرطوم بشأن سد النهضة.

ومشكلة المعارضة (التيارين المدني والإسلامي) أنهما مهلهلان، وكل تيار منقسم على نفسه داخليا، والتيار المدني أكثر تهلهلا وانقساما، لهذا ليس أمامهما سوى التوحد والاصطفاف واستبعاد الأصوات التي تقصي أي فريق معارض منهما، طالما أن الكتلة الصلبة للمعارضة تعتبر الاصطفاف مسألة حياة أو موت، وتؤجل أي اختلافات وصراعات لما بعد التخلص من حكم السيسي، وفق دراسة نشرها “الشارع السياسي” في سبتمبر الماضي.

أما تيار السلطة ومؤسساتها فهي ليست قوية بدون القوات المسلحة والشرطة، وما إن يعلو صوت المعارضة وتتحرك كما فعلت في 25 يناير، ويرى الجيش والشرطة أنهما خاسران، سينحاز الجيش على الأقل لقوى المعارضة، ويسعى لحلول مختلفة كبديل عن السيسي.

طريق الاصطفاف

لتحديد آليات نجاح اصطفاف فعلي وحقيقي، من المهم الإشارة إلى العقبات التي تقف في طريق الاصطفاف، وهي: رفض قوى علمانية ومدنية ثوابت القوى الثورية الإسلامية، وفي القلب منها جماعة الإخوان، والتي تتلخص في إعادة مسار الشرعية إلى مساره الطبيعي بإعادة الرئيس محمد مرسي لحكم مصر كرئيس منتخب شرعي، مع القبول بأن يقرر الرئيس بنفسه التخلي عن سلطاته، بمبادرة منه لنقل سلطاته لحكومة أو مجلس رئاسي يقوم بانتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة، وبالمقابل هناك إصرار تيار كبير في الجماعة على مطلب عودة مرسي والشرعية.

ويختلف التيار المدني مع التيار الإسلامي فيما يخص العفو عن السيسي وقادة الجيش والشرطة الذين تورطوا في الانقلاب وسفكوا دماء آلاف المصريين، حيث يرى تيار عريض من المدنيين أنه يجب إصدار عفو عنهم سواء في صورة عفو عن كل من تولوا الحكم قبل 10 سنوات، كما تطرح مبادرات معصوم مرزوق وحسن نافعة، أو “تحصين الجيش” على طريقة قانون السيسي الأخير.

هناك من يرى أن الاصطفاف ليس متعلقًا فقط بالقوى الداخلية، ولكن أيضا بالقوى الدولية التي دعّمت الانقلاب، ودعت إلى “سحق الإسلاميين” بحسب ما كشف ديفيد كيركباتريك، في كتابه الأخير “في أيدي العسكر”، ومن ثم يجب على الإخوان والتيار الإسلامي إدراك أن الغرب لن يقبل بعودتهم للعمل السياسي وفوزه بالانتخابات مرة أخرى باعتبارهم التيار الأقوى في مصر، وبالمقابل يشدد التيار الإسلامي على أن المعيار هو مصالح الغرب وليس رفض التيار الإسلامي، وأن مصالح مصر أهم، ولا يجب الرضوخ للغرب وإلا أصبح الحديث عن “ثورة” بلا قيمة طالما تقبل بخضوعها للغرب.

تجاوز الخلافات

ويمكن رصد حلول لهذه الخلافات حول الاصطفاف وآلياته لخروج مصر من الآثار الكارثية للانقلاب على النحو التالي:

الاصطفاف الحقيقي والتاريخي الذي يجمع بين كافة معارضي الانقلاب العسكري هو “الاصطفاف على قاعدة ثورية”، حدها الأدنى مطالب ثورة يناير، وحدها الأقصى عودة الرئيس والشرعية كاملة، وإلا أصبح الانقلاب ونبذ وإقصاء الآخرين هو نهج القوى الثورية، وانتقلت لها أمراض الحقبة الانقلابية.

ويرى المراقبون أن الاصطفاف الحقيقي والتاريخي يكون بلا مزايدات أو تخوين أو إقصاء، اصطفاف يعترف بأحقية الجميع كفرقاء وقوى ثورية في الاختلاف الإيجابي المحمود فيما بينهم، بما لا يمنع أن يجتمعوا معا في عمل مشترك وفق ما يتفقون عليه، ويعذر بعضهم بعضا فيما يختلفون عليه، حتى تتحقق أهداف الثورة والحراك، ويسقط حكم العسكر للأبد، ويجري الاحتكام لصناديق الانتخابات.

القاعدة القرآنية والإنسانية تقول، إنه لا يمكن أن يتفق كل البشر على شيء واحد، وأن الاختلاف والتنوع قد يفيد في شحذ أفكار جديدة، لهذا يجب أن يدرك كل فريق أنه لا اصطفاف إلا على الحد الأكبر من المبادئ الثورية الجامعة للكل، والتي تستهدف تحقيق هدف إزالة الانقلاب، وإلا فلا نجاح للثورة أو الانتفاضة طالما سيظل الجميع مختلفين ومتمسكين بما هم مقتنعون به من آراء شخصية لا تخدم الهدف العام.

حجم التضحيات

كما أن الاصطفاف الحقيقي والتاريخي يجب أن يقدر حجم التضحيات التي يقدمها الجميع، ويتسامح مع كل الأخطاء التي ارتكبها الجميع، ليس كرغبة في النسيان ولكن أملا في تجاوز الماضي بكل تعقيداته، والانطلاق إلى المستقبل الذي يطمح فيه الجميع لبلادنا، والحرية والعدل، أي أهمية تغليب مصلحة الوطن على الرؤى والأفكار والمصالح الشخصية.

الاصطفاف الحقيقي والتاريخي لا يجب أن يسمح لمرتكبي جرائم القتل والتعذيب ومن خانوا الثورة أو انقلبوا عليها، بالإفلات من العقاب، ولا يكرر أخطاء ثورة يناير 2011 في التسامح، ما أعاد رموز نظام مبارك والعسكر وشجعهم على الانقلاب، وأنه يجب القصاص العادل منهم، وعدم السماح لمن رقص على الدماء أن ينجو بجريمته النكراء، ولا من أسهم في إفساد مظاهر الحياة بالعودة مجددا لممارسة دوره المشئوم.

الجيش جزء من النظام العام، مثل الحكومة والقضاء والصحافة وغيرها، وليس على رأسهم ريشة، ومن ثم ينطبق عليهم ما ينطبق على الجميع من قصاص ممن ارتكبوا جرائم وانقلابات عسكرية وعزل الفاسدين ومنع بيزنس جنرالات الجيش وضمه للدولة، ولو في مرحلة ثانية من تمكين الثورة وتصحيح الأوضاع.

كما أنه لا اصطفاف بدون الاتفاق على الحد الأدنى من المطالب، ولأن ما بعد إسقاط الانقلاب يتطلب تحديد المسار الجديد مسبقًا، وهل هو عودة الشرعية والرئيس المنتخب أم البناء على الجديد وتشكيل مجلس ثوري، فمن المهم أن يدرك الجميع أنه يجب أن يقدم قدرًا من التنازلات للوصول إلى موقف وسطي، فبعد مرور 5 أعوام على الانقلاب واغتصاب السيسي الرئاسة مرتين، وإصدار مئات القوانين التي غيرت وجه الحياة السياسية والاقتصادية في مصر، يكون من الصعب على الرئيس الشرعي حال عودته للحكم تصحيح كل هذه الأمور التي تستغرق سنوات، أو استكمال مشروعه الرئاسي لأنه حدثت تغيرات عرقلته، من هنا أهمية طرح القوى الإسلامية خيارا وسطًا بشأن العودة للشرعية ولو بشكل مؤقت، مثل إعادة الرئيس لمنصبه لإعادة الاعتبار للديمقراطية قبل الرئيس نفسه، ثم نقل سلطاته فورا أو بعد أسبوع أو شهر لمجلس رئاسي.

محاولات التقليل

وأيضا من المهم التوقف عن محاولات التقليل من الآخر، والتنبه لمحاولات الانقلاب وشق المعارضة للانفراد بكل تيار على حدة وقمعه، والعمل سويًّا من أجل إنقاذ الوطن أولا، ثم العودة لمناقشة الخلافات لاحقًا، فمن يهاجمون الاصطفاف يفترضون أن كل من نزل في 30 يونيو 2013، هم نسخ من البرادعي وحمدين وغيرهم، ويفترضون أن ملايين المعارضين للانقلاب هم نسخ من قادة الإخوان أو حازم أبو إسماعيل فقط، وكلاهما يقول: “لا يمكنني الاصطفاف مع هؤلاء!” بينما الحقيقة أن هناك أغلبية تعرضت للخداع في 30 يونيو ونزلت وندمت، وقسم كبير من معارضي الانقلاب ليسوا من الإخوان أو التيار الإسلامي، وفي النهاية سيقبل هؤلاء الذين لا مع هذا الفريق أو ذاك، الاصطفاف مع التيارين المتعارضين لإنقاذ مصر، ويرون أن مرحلة اصطفاف المعارضة في مصر ضد السيسي تشبه مرحلة ما قبل سقوط مبارك.

وتبرز حقيقة ثابتة، أن إنقاذ مصر لا يمكن أن يتم بدون اصطفاف أبناء شعبها بعيدًا عن التخندق خلف هواجس طائفية أو مزايدات حزبية أو تطلعات شخصية، ومن المهم قيام كل فريق بلجم أي مزايدات أو تخوين أو هجوم يقوم به أعضاء من فصيل ضد زملائهم في فصيل آخر.

فيسبوك