ستبقى مذبحة رابعة والنهضة التي نفذتها مليشيات من الجيش والشرطة محفورة في ذاكرة الشعب المصري لقرون طويلة؛ ذلك أن الجيوش تكتسب شرفها من الدفاع عن أوطانها وحمايتها من أي عدوان خارجي، وحينما يصوب جيش سلاحه من صدور العدو إلى صدور شعبه فإنه يفقد شرفه ويتحول من جيش وطني إلى مليشيات ومرتزقة ترتكب أبشع الجرائم لحساب الطغاة حتى لو كان ذلك على حساب الوطن والمجتمع ويهدد وحدة البلاد واستقراراها.

اليوم وبعد سبع سنوات من أكبر مذبحة جماعية عرفتها مصر طوال تاريخها كله، بات الوعي بأبعاد القضية أكبر مما كان عليه الوضع في صيف 2013م، فقد انزاحت الأكاذيب وبقيت الحقيقة المجردة، الحقيقة التي عبر عنها اللواء أحمد وصفي للمذيع الانقلابي عمرو أديب عندما وصف ما جرى بأنه ليس انقلابا، مبرهنا على ذلك بأن الفريق عبدالفتاح السيسي وزير الدفاع وقتها لم يحصل على أي ترقية ولم يحصل على أي منصب.

وبعدها بشهور قليلة بات السيسي رئيسا رسميا رغم أنه كان يمارس دور الرئيس من وراء ستار خلال سنة حكم عدلي منصور. ثم غير الدستور لييبقى مؤبدا في الحكم. وهيمن على جميع مفاصل الدولة من الألف إلى الياء. فما رأي اللواء أحمد وصفي اليوم؟

دعك من بروباجندا النظام وآلته الإعلامية التي تحترف الكذب البواح؛ فقد استبان الحق ولم يعد أحد ينكر أنه انقلاب وحشي دمر مصر لعقود طويلة، ومزق نسيجها الاجتماعي كما لم يحدث من قبل، وأغرقها في بحار من الديون التي تكبل الأجبال المقبلة لخمسين سنة على الأقل، وتحولت مصر كلها إلى سجن كبير، لا صوت فيها يعلو على صوت السجان، فقد بنى السيسي خلال السنوات السبع الماضية 26 سجنا في معظم محافظات الجمهورية.

هل باتت العدالة مستحيلة؟

في مذبحتي رابعة والنهضة، فقد أكثر من ألف شخص حياتهم برصاص قناصة الجيش والشرطة، ورأى ملايين الناس ذلك رأي العين بثا مباشرا كان القائمون على الاعتصام حريصين عليه باستمرار، بينما كان أكابر المجرمين في الجيش والشرطة حريصين أشد الحرص على وقف بث الاعتصام على شاشات التلفاز بشكل مباشر؛ حتى يتموا جريمتهم الكبرى بعيدا عن عدسات المصورين وكاميرات التلفاز؛ ولعل هذا يفسر أسباب قتل المصور الصحفي أحمد عاصم الذي كان يمارس عمله كصحفي في جريدة الحرية والعدالة والذي وثق لحظة استشهادة في مشهد نادر الحدوث على مستوى العالم.

ورغم توقيق الجريمة بجميع أشكال وصور التوثيق، إلا أن العدالة تبقى حاليا بعيدة المنال لاعتبارات عدة: أولا، لا يزال نظام الانقلاب هو الحاكم الفعلي للبلاد بعيدا عن معنى وجوهر الشرعية، فهو نظام منعدم الشرعية الدستورية والأخلاقية لكنه يحكم بالفعل؛ تماما مثل الكيان الصهيوني، فهو كيان قائم بالفعل وله دولة تسمى "إسرائيل"، رغم أن هذا الكيان بلا شرعية قانونية أو أخلاقية، لكنه يفرض وجود بالقوة وسطوة الحديد والنار.

ثانيا، يرى القائمون على هذا النظام الدموي أن من قتلوا في رابعة والنهضة هم إرهابيون وبالتالي فلا حقوق لإرهابيين لأن شرعية نظام السيسي إنما تقوم على الانقلاب والإطاحة بالرئيس المنتخب من الشعب، وبالتالي فإن إقرار النظام بحقوق هؤلاء الضحايا حتى لو كانت كل الأدلة والبراهين لصالحهم إنما هو نسف لشرعية النظام التي قامت على إرهاب الشعب وتنفيذه عشرات المذابح للسيطرة على الحكم. ولعل هذه الرؤية من جانب النظام تفسر أسباب عدم ترجمة النص الدستوري الخاص بالعدالة الانتقالية حتى اليوم وضرورة إجراء مصالحة مجتمعية، فقد بات مستحيلا في ظل وجود نظام السيسي الذي تقوم شرعيته على القتل وسفك الدماء وحماية مصالح الكيان الصهيوني وإمارات الخليج الثرية.

Facebook Comments