في يوم الأربعاء 24 يوليو 2013م، خرج قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي على شاشة التلفزيون الرسمي بزيه العسكري، يطلب من شيعته وأنصاره في نبره حازمة  الخروج يوم الجمعة 26 يوليو منحه تفويضا وأمرا بمواجهة ما أسماه بالإرهاب المحتمل؛ والذي كانت أولى نتائجه وكوارثه مذبحة «المنصة» أو «النصب التذكاري»، التي راح ضحيتها أكثر من 200 قتيل و4500 جريح ومصاب.

وكان تحالف دعم الشرعية قد دعا إلى جمعة «الفرقان»، انتصار للرئيس المنتخب المخطوف الدكتور محمد مرسي، وخرجت ملايين المصريين تلبي دعوة التحالف بينما لبت أعداد هزيلة دعوة رئيس الانقلاب؛ الأمر الذي استفز عصابات العسكر ومليشيات الانقلاب فبيتت النية لارتكاب مذبحة كبيرة؛  للحد من سطوة  أنصار الرئيس مرسي على شوارع القاهرة وميادينها؛ خصوصا وأن الحشد الموجه والمدفوع الأجر الذي خرج في سهرة 30 يونيو، وارتشف كراتين العصير التي ألقتها طائرات الجيش؛ ليس من شيمه وسماته أن يضحي من أجل الأفكار والقضايا؛ فهم نائحة مستأجرة همها المال والمنافع، لكن ذلك لا يمنع من خروج الآلاف إلى ميدان التحرير تلبية لدعوة سفاح العسكر.

امتلات شوارع ميدان رابعة العدوية بالمؤيدين للرئيس مرسي والمسار الديمقراطي وثورة 25 يناير، وبدأت حشود مؤيدة للانقلاب تتوافد بعد ظهر الجمعة، في هذه الأثناء، كانت الطائرات الحربية تحلق فوق سماء ميدان التحرير، وسط القاهرة، لتحيي المتظاهرين المؤيدين للسيسي، وانتشرت الدبابات والمدرعات التابعة للجيش لتأمين جميع المداخل والمخارج وبوابات الميدان. كما ألقت مروحيتان تابعتان للجيش المصري، بعد ظهر الجمعة، بطاقات بألوان علم مصر، مكتوب عليها كلمة “شكراً” على المتظاهرين المؤيدين للانقلاب والمحتشدين في ميدان التحرير وأمام “قصر الاتحادية”، شرق القاهرة.

على الجانب الآخر،  فقد خرجت مساء يوم 26 يوليو مسيرة حاشدة من ميدان “رابعة العدوية” في طريقها إلى أول كوبري 6 أكتوبر، وبمجرد وصولها إلى “منطقة النصب التذكاري” قابلتها قوات الأمن ومعها مجموعة من البلطجية والتي كانت ترافقها أمام “جامعة الأزهر” بـ4 مدرعات، وقامت القوات بمحاصرة المتظاهرين من جهتين؛ من شارعي النصر ومبنى أمن الدولة، ثم قاموا بإطلاق الرصاص الحي بكميات كثيفة عن طريق القناصة، وألقوا قنابل الغاز المسيلة للدموع بكثافة شديدة على المسيرة، وكذلك زجاجات المولوتوف على المتظاهرين، ما أسفر عن سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى.

وذكرت هيئة الطب الشرعي يومها، أن القتلى بلغ عددهم نحو 80، بينما وثّقت شهادات بعض الأطباء بالمستشفى الميداني، والذي نقلت عنهم “ويكي ثورة”، ومنهم أستاذ الجراحة بجامعة عين شمس، محمد سليمان، أن المستشفى الميداني استقبل في تلك الليلة أكثر من 50 حالة قنْص في الرأس، و150 حالة إصابات مميتة ونزيف حاد، و50 حالة ماتت في الطريق إلى المستشفيات خارج الميدان، و4000 حالة إصابة ما بين كدمات وخرطوش واختناقات وجروح قطعية وعميقة ورصاص حي وكسور.

استمرت الاشتباكات لأكثر من 10 ساعات، وسعى المتظاهرون إلى الحيلولة دون تقدم قوات الأمن والعربات المصفحة باتجاه منطقة الاعتصام الرئيسة في ميدان رابعة العدوية، وذلك من خلال نصْب المتاريس والحواجز المكونة من حجارة الأرصفة وما قُذف باتجاههم من حجارة على طريق النصر.

واستمرت الاشتباكات ساعات بالقرب من جامعة الأزهر بطريق النصر، وكذلك عند النصب التذكاري للجندي المجهول في الطريق ذاته، وأفاد شهود عيان حينها أن قوات الأمن ورجال بملابس مدنية استخدموا أيضاً حرم جامعة الأزهر كقاعدة لإطلاق النار عليهم.

ازدادت الأوضاع سوءاً إثر حالة من الكر والفر، ووصلت أول حالة وفاة ناجمة عن الإصابة بطلق ناري حي في الساعة الواحدة والنصف صباحا، واستمرت الاشتباكات حتى العاشرة صباحاً تقريباً من صباح السبت، 27 يوليو 2013.

وكانت الفترة ما بين السادسة والسابعة صباحاً، هي الفترة التي شهدت الإبلاغ عن وقوع أكبر عدد من الإصابات والوفيات، وذلك على إثر زيادة أعداد المتظاهرين، ومحاولة بعضهم منهم التقدم نحو طريق النصر باتجاه كوبري 6 أكتوبر، وردت قوات الأمن حينها بوابل من النيران الكثيفة، وانسحبت قوات الداخلية من أماكن الاشتباكات.

قلب الحقائق

وفي الوقت الذي حاولت فيه السلطات الحكومية تبرئة ساحة الأمن، عبر بيانات متلاحقة من وزارة الصحة والداخلية، تفيد بإطلاق عناصر إخوانية النارَ على قوات الأمن، وأن الداخلية ردت بالغاز المسيل للدموع فقط، قال تقرير “هيئة الطب الشرعي” إن مشرحة زينهم، استقبلت، 80 جثة، وأظهرت نتائج التشريح التي أُجريت على 63 جثة أن سبب الوفاة في 51 منها كان جراء الإصابة بعيارات نارية

كما أُصيبت ثماني جثث أخرى إصابات قاتلة بالخرطوش، فيما تعرضت ثلاث جثث لإصابات بالرصاص والخرطوش معاً، كما توفي رجل جراء إصابته بكسر في عظام الجمجمة، وتضمنت الذخائر المستخرجة من جثامين ثمانية من الضحايا رصاص مسدس من عيار 9 ملم وأظرف طلقات البنادق.

هذا بخلاف ما أعلنه المستشفى الميداني برابعة العدوية عن أن أغلب الحالات المتوفاة كانت نتيجة إصابات بالرصاص الحي في الرأس والصدر.

شهود عيان

وروى أحد شهود العيان الذي كان خلف الشرطة شهادته: “أنا حضرت اعتداءات المنصة من 12:30 صباحاً لـ10 صباحاً وكنت واقفاً خلف الداخلية مع أهالي منطقتي.. الشرطة كانت بتضرب غاز وخرطوش ونار وآلي.. أي حد كان بيصور كانت الضباط بتاخد منه الموبيل تكسره، ولو كاميرا “صحافي” بتاخد كارت الميموري، وشفت بعيني مراسلة أجنبية اتقبض عليها عشان كانت بتغطي الأحداث”.

وأضاف “كان فيه بلطجية.. شباب شكله غلط ومعاهم خرطوش” واقف جنب الداخلية عادي جدا وبيضرب على المؤيدين لمرسي، منهم الملثم ومنهم اللي كان مقضيها عادي من غير.. شباب المنطقة مسكوا كذا واحد من البلطجية بيقلبوا ويكسروا عربيات المؤيدين لمرسي كانت راكنة من بدري ورا الشرطة.. وسلمناهم للشرطة.. بس فجأة عدد البلطجية والبلاك بلوك زاد أوي.. والعربيات مبقاش فيها حاجة تتاخد خلاص وفيه عربيات اتحرقت بعد ما تسرقت”.

واستطرد قائلاً: “حتى 9 صباحا مكانش فيه ولا إصابة من ناحية الداخلية، غير الضابط “السباعي” بس مشوفتوش بعيني”.

توثيق بالصوت والصورة

من جانبه، وثّق موقع “ويكي ثورة” المجزرة في 143 فيديو (بتسلسل الوقائع حتى آثار ما بعد الاشتباكات وفيديوهات للمصابين والضحايا والمشرحة وجنازات).. 18 شهادة فيديو.. 26 شهادة مكتوبة.. مئات الصور.. 11 تقريرا حقوقيا وطبيا.. 9 تقارير أجنبية.. مؤتمر وبيانات صحفية.. إضافة إلى عشرات الأخبار.

Facebook Comments