مصر تعد الدولة الوحيدة في العالم التي لا تستطيع فيها كمواطن، بحسب اعتراف قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي نفسه، أن تعرف الحقيقة في أي قضية من القضايا التي تطرحها وسائل الإعلام، ثم يغلقها نائب عام الانقلاب المستشار نبيل صادق بقرار صغير هو حظر النشر، وهي كلمة السر في غلق أي ملف يزعج نظام الانقلاب أو يكشف حقيقة دولة الوهم التي يعيش فيها المصريون.

حتى إن المصريين لا يعرفون شيئًا عن مستقبلهم أو ماضيهم أو حاضرهم أو ثرواتهم أو علاقاتهم الخارجية مع دور الجوار، لمجرد أن السيسي يضع شعار “ماتسمعوش حد غيري وإحنا مش بنرضى نقول كل حاجة عشان أهل الشر”.

هكذا وضع نظام عبد الفتاح السيسي هذا الشعر، وأسس لدولة الوهم، بزعم “أهل الشر”، ليعيش المصريون حالة من الضبابية، فشلوا معها في فك أي لوغاريتم من لوغاريتمات القضايا المطروحة على الدولة، بدءا من القضايا الاجتماعية والمعيشية المتعلقة بالاقتصاد المتدهور، مرورا بقضايا القتل والجنايات التي تشوه فيها سمعة المصريين، وانتهاء بمستقبل المصريين من الماء والغذاء والأرض والقوة، بعد توقيع اتفاقيات سرية مثل “اتفاقية المبادئ المتعلقة بسد النهضة”، وتنازلات عن أراض ومواقع استراتيجية مثل “تيران وصنافير”، وتنازلات عن ثروات مثل “آبار الغاز لإسرائيل وقبرص واليونان”.

ميت سلسيل

وكعادة نظام الانقلاب في حظر النشر لأي قضية على الساحة المصرية، من بينها وقائع الفساد في مستشفى السرطان، وقضية مقتل النائب العام، وقضية تيران وصنافير، وقضية الحرب على الإرهاب في سيناء، وآخرها قضية قتل مواطن لطفليه أعلى كوبري فارسكور.

ومع كثرة التحليلات حول قضية مقتل الطفلين، وتعدد السيناريوهات التي تقول بارتكاب الأب للجريمة وأخرى تنفي الجريمة عنه، اضطر الأهالي في ميت سلسيل بمحافظة الدقهلية، للقيام بدور الشرطة، وأجروا بعض عمليات البحث الجنائي، وتفريغ الكاميرات المحيطة بالمنزل ومكان الحادث، للتحقيق في قضية قتل الأب لطفليه، مع كثرة السيناريوهات وغياب الشفافية التي تقوم عليها تحقيقات سلطات الانقلاب لأشياء غامضة.

وشهدت مدينة ميت سلسيل على مدار 8 ساعات، حتى الساعات الأولى من صباح أمس  الأربعاء، حالة من التوتر والقلق، ونشوب حالة من الكر والفر بين عدد من الأهالي وقوات الشرطة، عقب تنظيم مظاهرة احتج الأهالي خلالها على اعترافات «محمود نظمي السيد»، والد الطفلين المتهم بقتلهما في مياه بحر مدينة فارسكور بمحافظة دمياط.

وتظاهر المئات من أهالي مدينة ميت سلسيل، أمام منزل الأب المتهم بقتل نجليه «محمد وريان»، متضامنين معه ومطالبين بإعادة التحقيق مرة أخرى في الاتهامات المنسوبة إليه.

وفضّت قوات الأمن تظاهرة الأهالي باستخدام الغاز المسيل للدموع، بعد أن حاول الأهالي التوجه إلى مركز الشرطة وقطع الطريق الرئيسي.

بداية الأحداث:

بدأت الأحداث عقب صلاة المغرب أول أمس الثلاثاء، بتجمع عدد من الأهالي أمام منزل الوالد المتهم بقتل أبنائه، وبدأ العدد في التزايد مع حلول الليل، مرددين هتافات تطالب بإعادة التحقيقات.

ووفقًا لعدد من الأهالي، أكدوا أن الوقفة كانت بسبب ظهور «توكتوك» و«منتقبة» في عدد من الصور تم تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، أمام منزل والد الطفلين، فضلا عن وقوف الوالد في أحد الصور بصحبة أصدقائه وخلفهم تمثال يشبه التماثيل الفرعونية في أرض زراعية، وتم وضعه على عمارة تحت الإنشاء، وهو ما أكده البعض أنه تمثال ضخم مصنوع من الجبس؛ كديكور فقط، ولكن روج البعض أن «محمود» كان يتاجر في الآثار، وأن وراء مقتل الأطفال مسئولين مستعينين بأقوال محمود الأولى.

ترجع الواقعة إلى أول أيام عيد الأضحى، باتهام الأب بقتل طفليه الاثنين، وخروجه على إعلام الانقلاب لسرد تفاصيل القتل، إلا أن معلومات الأهالي أكدت أن هناك ضغوطا عليه للاعتراف بجريمة لم يرتكبها.

وبثت عفاف محمود، والدة قاتل طفليه، فيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي قالت فيها إن محمود قبل الحادث توجه إليها مع أطفاله لتقديم تهنئة العيد، وأخبرته أن يأخذ «لحمة العيد» إلى منزله، فرفض لذهابه بصحبة أطفاله للتنزه، وبعد ساعة من الزمن؛ اتصلت زوجته تخبرني بأن محمود اتصل يخبرها باختفاء الطفلين.

وتابعت عفاف: «توجهنا ناحية البحر بصحبة الأهالي بالسيارات والموتوسيكلات للبحث عن الأطفال في جميع البلاد المجاورة، وكان محمود -طوال الوقت حتى بحضور الشرطة- يبحث معنا بصحبة زوجته، وفي حالة انهيار، فتوجهت إلى المنزل للجلوس بجوار الهاتف لعل أحد الخاطفين يتصل لطلب فدية مالية، ولكن لم يتصل أحد.

وأضافت: «عرفنا بخبر وفاة الأطفال من الإنترنت؛ فانهار الجميع، وعقب الدفنة انهار والدهم وفوجئنا ثاني يوم الوفاة باختفاء محمود تاركا خلفه رسالة في المنزل كتب عليها: «يجيب حقهم يموت زيهم»، وهذا يدل على أنه مهدد بأسرته، مشيرة إلى أنه لا يتناول المخدرات ولكن فقط «الحشيش».

زوجة المتهم

ودخلت سماح طارق الشافعي، زوجة المتهم، في حالة إعياء شديد منذ وفاة طفليها، وقالت إن زوجها كان بحالة طبيعية يوم العيد، وتابعت: «صومنا يوم وقفة عرفات، وفطرنا مع بعض في بيت والدي، وفي يوم العيد زار أخواته وراح البيت، وحضر بصحبة الأطفال ذبح الأضحية، والأمور فضلت هادية لحد ما جالي تليفون منه الساعة 7:12 مساء يخبرني أنه لا يجد الطفلين».

وأكد أحد الجيران أن محمود كان حسن الخلق ولم يظهر عليه أي اضطراب نفسي أو سلوك عدواني.

ولم تكن قضية هذا الأب وحدها لتثير كل هذا الجدل، بل شهدت أغلب القضايا التي طرحت على الساحة المصرية مثل هذا السجال، وعلى رأسها قضية مقتل النائب العام، ومحاولة اغتيال وزير الداخلية السابق، وإعدام شباب عرب شركس، وغيرها من القضايا التي يغلقها الانقلاب بقرار صغير من النائب العام بحظر النشر.

Facebook Comments