في ذكرى استشهاده .. "عمر المختار" أسد صحراء "بنغازي" و"طرابلس" يقاتل "فاجنر"

رمزية شيخ المجاهدين معلم القرآن عمر المختار في ذكرى استشهاده التاسعة والثمانين بمنصة الإعدام على يد المحتل، يبدو أنها أكبر من ليبيا بحد ذاتها رغم كرامته المحسوبة لليبيين، لدرجة أن معمر القذافي نفسه وقبل خلعه كان واضعا صورته ويحيى ذكراه دوما على أنه منتم لنهجه، حتى إنه موّل الفيلم الشهير الذي مثله أنتوني كوين وأخرجه السوري مصطفى السباعي، أيضا ثوار 17 فبراير 2011، كان المختار ذا حضور رمزي في ثورتهم ضد "معمر"، واسمه كان كلمة سر الصمود بوجه قمع "القذافي" وإعداماته في الشوارع.

ويدرك الليبيون من شرقه وغربه وجنوبه لا شك أن أمرين لا خلاف عليهما الأول "المختار" وعلم الثورة الذي يرفعه كلا الجانبين المتصارعين اليوم في بنغازي وطرابلس –بغض النظر عن أحقية أي منهما- فكلاهما يرمزان لشهداء التصدي للعدوان الإيطالي على ليبيا في ثلاثينيات القرن الـ19، وهم بمئات آلاف الرجال والنساء من كل المدن والقرى الليبية.
حتى إن في وفاة عبدالرازق جلغاف البرعصي، عن عمر يناهز 110 أعوام، وهو آخر رجال المجاهد المسلم عمر المختار ضد المحتل الإيطالي، ولأنه من مدينة البيضاء شرق ليبيا، حاول حفتر بجنازته سرقة جهاد الرجل ضد المحتل. كما حاول أيضا اللواء المتقاعد أن ينسب ابن المجاهد عمر المختار إلى صفه وأنصاره.

تغير لافت
لم تتغير نظرة الغرب إلى ليبيا على مدار السنين وتدوير الشخصيات وتطور الأسلحة والطمع اللافت في الموقع والثروة، ولكن تغيرت نظرة المحيط الإقليمي بعدما كان المصريون يساعدون بشكل غير رسمي المجاهدين وعمر المختار –شيخ الكتاب- بما تيسر من مساعدات عسكرية وتموينية، من وراء ظهر الإنجليز وعملائهم في النظام الملكي وقتئذ، وتقول بعض الوثائق إن الإمام الشهيد حسن البنا كانت له رسائل تواصل مع المختار وطرق لدعمه.
بالمقابل، تغيّر الليبيون في نظرتهم للمحتل الغربي والإقليمي عما حدث قبل نحو 90 عاما، وكان هذا التغير واضحا بشكل أكبر في الجانب الشرقي ولم تحتَط قبائل الشرق لإمكانية تكرار العدوان الأجنبي وتكرار المآسي التي جاء بها العدوان الإيطالي.

حاربه ليبيون
يرى المراقبون أنه لو سئلت أين يقف المختار –إن أحياه الله ليشهد الواقع في 2020- أمع المنقلب خليفة حفتر أم مع رافضي الغزو الفرنسي والروسي والإماراتي والسيسي والتشادي؟!. فستكون الإجابة برأيهم بكل وضوح "لن يقف المختار مع الانقلابيين والمحتلين".
يقول المؤرخون إنه فعلها من قبل، فاعتقال المختار لم يكن وهو يحاول الهرب، بل اعتقل في 11 سبتمبر 1931م، بعد مناوشة بالذخيرة الحية حدثت ما بين المجاهدين تحت قيادته وسرية الصوراي الإيطالية للفرسان التي كان أغلبية جنودها من "الليبيين" الذين عرفوه ووشوا بشخصه لقيادتهم الإيطالية وسريعا نقلوه إلى مقر القوات الإيطالية في سوسة.

واليوم، استعان خليفة حفتر على قتل الليبيين بمرتزقة الفاجرن القادمين من روسيا والتشاديين وشبيحة الأسد من سوريا فضلا عن الجنجويد السودانيين، وتخابر مع المحتل الأكبر في البيت الأبيض وأجهزة مخابراته فصار عميلا محترفا ينال رضا دونالد ترامب، والعميل الأكبر بالمنطقة محمد بن زايد، فسلم رقاب أهالي ليبيا وقبائل الغرب إلى المذابح والقصف والالغام.

واستعرض الكثير من النشطاء انتهاج حفتر وعقيلة صالح والقذافي من قبلهما العمالة بتقربهما للمحتل الغرب ووضعوا أفعالهم أمام كلمات الشيخ المختار البسيطة المحفورة في ذاكرة التاريخ: "إنّني أؤمن بحقي في الحرية، وحق بلادي في الحياة، وهذا الإيمان أقوى من كل سلاح".
أو كلماته للقائد الإيطالي الفاشي "جرتسياني": "إن موتي ليس النهاية؛ سيكون عليكم مواجهة الجيل القادم والأجيال التي تليه؛ أما أنا فإن عمري سيكون أطول من عمر شانقي".
أو كلمته الشعار المقتبس بالفعل من معلم القرآن "نحن لا نستسلم؛ ننتصر أو نموت" وكان ينقصها كلمة "شهداء" ولعله قالها وفشلوا في ترجمتها عنه.

جهاد طويل
مجاهدو "ليبيا العشرينيات" إن صح التعبير، كما هم اليوم المجاهدون المدافعون عن ثورة الحرية ورفض الانقلاب الدموي، في كل ليبيا شرقها وغربها، يحكي المجاهد محمد علي حسين بومليحه الشلوفى، والذي توفي في 2014، عن عمر يناهز (110) أعوام، وهو ابن مدينة المرج الليبية، وأحد رفاق شيخ الشهداء عمر المختار فيقول إن الشيخ عمر قاد العديد من المعارك ضد الغزاة الطليان من بينها "غوط ساس" و"المطيميس" و"شهداء بوعرق" و"وادي الكوف" و"زاوية القصور" و"الابيار" ومعركة "السانية" التي سقطت فيها نظارته.
واستطاع المختار قيادة المجاهدين لمدة 15 عاما، ببراعة ضد القوات الإيطالية، فقد كان العقل المفكر للمجاهدين في برقة، حيث قام بحشد وتدريب بالإضافة إلى تنظيم وقيادة المجاهدين بكل مهارة ورباطة جأش وعزيمة قوية لم تعرف الاستسلام.
وكان المختار من أنشط المجاهدين ضد القوات الإيطالية بعد أن احتلت إيطاليا بنغازي، حيث كان يقوم بحث القبائل العربية على الجهاد وتدريب رجالها على السلاح، بالإضافة إلى أنه كان قد رفض عقد أية اتفاقيات من شأنها الخضوع للحكومة الإيطالية.
وحاول في يونيه عام 1922م تكوين تحالف إسلامي مع الزعماء الوطنيين بإقليم طرابلس من أجل محاربة القوات الإيطالية.

20 عاما مقاتلا
لم ينكر عمر المختار أنه قاتل الطليان بل أسماها حرب التحرير والجهاد منذ أعلنت إيطاليا الحرب على تركيا في 29 سبتمبر 1911م، وبدأت البارجات الحربية بصب قذائفها على مدن الساحل الليبي، درنة وطرابلس ثم طبرق وبنغازي والخمس، وكان عمر المختار في تلك الأثناء مقيما في جالو بعد عودته من الكفرة، حيث قابل السيد أحمد الشريف، وعندما علم بالغزو الإيطالي سارع إلى مراكز تجمع المجاهدين، حيث أسهم في تأسيس دور بنينه وتنظيم حركة الجهاد والمقاومة إلى أن وصل السيد أحمد الشريف قادمًا من الكفرة.

وبعد الانقلاب الفاشي في إيطاليا في أكتوبر 1922، وبعد الانتصار الذي تحقق في تلك الحرب إلى الجانب الذي انضمت إليه إيطاليا. تغيرت الأوضاع داخل ليبيا واشتدت الضغوط على السيد محمد إدريس السنوسي، واضطر إلى ترك البلاد عاهدًا بالأعمال العسكرية والسياسية إلى عمر المختار.

وسافر إلى مصر عام 1923م؛ للتشاور مع السيد إدريس فيما يتعلق بأمر البلاد، وبعد عودته نظم أدوار المجاهدين، فجعل حسين الجويفي على دور البراعصة ويوسف بورحيل المسماري على دور العبيدات والفضيل بوعمر على دور الحاسة، وتولى هو القيادة العامة.

فجر الإعدام
وفي فجر يوم الإعدام عندما سمع عمر المؤذن ينادي المسلمين لأداء الصلاة، قام من نومه وتوجه نحو القبلة وأدى الصلاة.
وكان تحدد مصير عمر المختار قد تحدد يوم 15/9/1931 في صالون بالاس ليتوريا بمدينة بنغازي، حيث تم إجراء محاكمة صورية له تم فيها الحكم عليه بالإعدام شنقًا حتى الموت وفي صباح يوم 16/9/1931 كما يورد غراتسياني في كتابه "برقة المهدأة" بقوله: "عند الساعة التاسعة صباحا بالضبط من يوم 16/9/1931وبحضور جميع أعيان القبائل البرقاوية في المعسكرات القريبة من بنغازي تم تنفيذ حكم الإعدام شنقًا في عمر المختار زعيم الثوار المتمردين".

وكان قول "إنا لله وإنا إليه راجعون" آخر ما ردد عمر المختار عندما وقف على منصة المشنقة.

الشيخ الورع
ولد عمر المختار بن فرحات عام 1862، في قرية جنزور بمنطقة دفنة، التي تقع في الجهات الشرقية من برقة التي تقع شرقي ليبيا على الحدود المصرية وينحدر من قبيلة بريدان اشتهرت بالمرابطة.
وتربى يتيما، حيث وافت المنية والده مختار بن عمر بن فرحات وهو في طريقه إلى مكة المكرمة بصحبة زوجته عائشة.

وتلقى تعليمه الأول في زاوية جنزور، ثم سافر إلى الجغبوب القرآنية حيث قضى بها 8 سنوات استطاع بلباقته ومهارته اكتساب ثقة معلميه، مما ساعد على انتقاله إلى الكفرة وأسند إليه منصب شيخ زاوية القصور بها عندما بلغ من العمر 40 عامًا.

وتعلم بالكفرة على يد كبار علماء ومشايخ السنوسية في مقدمتهم الإمام السيد المهدي السنوسى قطب الحركة السنوسية، فدرس اللغة العربية والعلوم الشرعية وحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، ولكنه لم يكمل تعليمه كما تمنى.
وظهرت عليه علامات النبوغ ورزانة العقل، فاستحوذ على اهتمام ورعاية أستاذه وتناولته الألسن بالثناء بين العلماء ومشايخ القبائل وأعيان المدن.
ووهبه الله تعالى ملكات منها جشاشة صوته البدوي وعذوبة لسانه واختياره للألفاظ المؤثرة في فن المخاطبة وجاذبية ساحرة لدرجة السيطرة على مستمعيه وشد انتباههم.

كما امتاز عمر المختار بذكاء متوقد حاضر البديهة، بالإضافة إلى أنه كان مثقفا واسع الاطلاع خاصة في الأمور الدينية.

Facebook Comments