في سنوات ما بعد الانقلاب مباشرة، كان يخرج المئات للاحتفال بذكرى 30 يونيو 2013، في ميدان التحرير أو القائد إبراهيم في الإسكندرية، هم عادة يتّسمون بالخفة والبلاهة وتدني المستويات التعليمية، فتراهم يرقصون ويغنون بطريقة مهينة، حتى رُصد أحدهم يضع بيادة فوق رأسه تعبيرًا عن مدى العبودية والإذلال، كما تم رصد مئات الفضائح لأمثال هؤلاء، كفيلة بفضح مصر لعقود طويلة أمام شعوب العالم.  

ثم بدأ العدد مع مرور السنوات يتراجع إلى العشرات، ثم بدت الشوارع والميادين خاوية على عروشها مع الذكرى السادسة للانقلاب، فما الذي دفع السيساوية إلى عدم النزول والاحتفال مع كبيرهم الذي كرّس الظلم والاستبداد وجعل الشعب الواحد شعبين متنافرين، مرسخًا أكبر انقسام في تاريخ مصر كله؟.

احتفالات هذه السنة كانت رسمية صرفة ومن أموال الموازنة العامة للدولة، حيث بادر كل محافظ إلى إقامة احتفال للموظفين وديوان المحافظة ونشر عدة أعلام نفاقًا وتزلفًا للنظام، أما الشعب نفسه- بمؤيديه ومعارضيه ورافضيه- فقد اختفى من المشهد تمامًا، وترك العسكر وحدهم يحتفلون، والفاتورة من جيب الشعب المسكين.

ربما يجادل بعض مرتزقة العسكر بأنَّ خلو الشوارع والميادين يعد دليلا على الاستقرار وفرض النظام سيطرته، وربما يكون لهم الحق في ذلك، لكن الشوارع خلت من الرافضين للعسكر بسبب القمع المفرط والوحشية غير المسبوقة، ولو أمِن هؤلاء لامتلأت الميادين بعشرات الملايين؛ لكن لماذا خلت الشوارع والميادين أيضا من أنصار النظام وهم مرحب بهم ومحل تقدير ولا ضير عليهم إذا احتفلوا وأبدوا حفاوة بذكرى 30 يونيو أو 3 يوليو؟ لماذا التزم هؤلاء بيوتهم؟ ولماذا خلت الشوارع والميادين منهم؟ ألا يعد ذلك برهانا على انفضاض الشعب كله عن نظام العسكر حتى من مؤيديه الذين باتوا يجدون حرجًا من الاحتفال بذكرى تأسيسه وانقلابه؟.

 «6» أسباب

أول أسباب عدم احتفال هؤلاء هو الوعي، فقد أدرك الكثير من المخدوعين في منتصف 2013، أنهم كانوا أسرى أكبر عملية خداع وتضليل جرت لعقول المواطنين، استُخدمت فيها أبشع الوسائل القذرة والدنيئة من كذب وافتراءات وشائعات، ورغم خروج الملايين في آلاف التظاهرات عقب الانقلاب للتحذير من عواقب الانقلاب على المسار الديمقراطي، وأن ذلك لن يحقق أمنًا ولا استقرارًا ولا تقدمًا، إلا أن أنصار السيسي كانوا يوجهوننا في المظاهرات رافعين علامة "النصر" لاستفزازنا.

ومع مرر السنوات أدرك جل هؤلاء أن نظام العسكر ما جاء إلا للسطو على الحكم بقوة السلاح، وفي سبيل ذلك انقلبوا على الرئيس المدني المنتخب وسفكوا دماء الآلاف من أنبل وأطهر شباب مصر، ولم يحققوا نهضة ولا تقدما ولا تحسنا في مستويات المعيشة، ومع موجات الغلاء الفاحش وتفشي مظاهر الفقر والحرمان وسيطرة النخبة العسكرية على مفاصل المال والسلطة، أدرك هؤلاء كم تعرضوا للخديعة والمؤامرة، فانفضوا عن النظام الذي يتسم بأعلى درجات الفاشية والعنصرية ويمارس أبشع صور القمع بحق معارضيه.

ثانيا، لم يحقق جنرال الانقلاب وعسكره أي تقدم في أي ملف من الأزمات التي تسبب فيها نظام مبارك، حيث تفاقمت هذه الأزمات، وضربت المشكلات جميع مناحي الحياة، فارتفعت معدلات الجريمة تحت قسوة الظروف المعيشية، وارتفعت معها معدلات الانتحار لأسباب اقتصادية، ووصلت الأسعار لمعدلات قياسية تجاوزت قدرة المواطنين على التجاوب معها. هذا فضلا عن الانتهاكات الحقوقية وتراجع الحريات العامة، في وقت باتت فيه الأنباء عن مقتل جنود مصريين على أيدي مسلحين في سيناء أخبارا اعتيادية يعايشها المصريون بشكل شبه يومي، من دون أن تتم محاسبة أيٍّ من المسئولين.

ثالثا، تنازل نظام العسكر برئاسة السيسي عن التراب الوطني، والتفريط في جزيرتي "تيران وصنافير" للسعودية، في اتفاقية مريبة وُقعت في إبريل 2016م، رغم أن الفريق مجدي حتاتة أكد مصرية الجزيرتين في تصريحات سابقة معروفة.

وتولى السيسي حكم مصر عقب الانقلاب العسكري في 2013، ومساحة الدولة المصرية تبلغ مليون كم، ليصل بها في الذكرى السادسة للانقلاب إلى مليون إلا 91 كم، هي إجمالي مساحة الجزيرتين، إذ تبلغ مساحة تيران 61 كم، فيما تبلغ مساحة صنافير 30 كم. كما كان من تداعيات الخطوة التي أقدم عليها السيسي فقدان مصر صلاحياتها المطلقة على مضيق تيران، ليتحول إلى مضيق دولي يقع بين دولتين، بعدما كان يقع بالكامل داخل الدولة المصرية.

وبذلك تعرت المؤسسة العسكرية التي طالما تتغنى بحماية التراب الوطني والدفاع عن الوطن؛ فإذا بها تفرط في جزء عزيز من أرض مصر سالت عليه دماء المصريين دفاعا عنها ضد العدو الصهيوني الجبان. ولم يقف النظام عند خيانة التفريط في الأرض بل أصر عليها بإهدار الأحكام القضائية التي أكدت مصرية الجزيرتين، وتم التنكيل بالقضاء الشرفاء الذين أصدروا هذه الأحكام التاريخية وعلى رأسهم المستشار يحيى دكروري.

رابعا، إهدار مئات المليارات على مشروعات وهمية لم تحقق نهضة ولا تقدما، بل أسهمت في زيادة الدين العام حتى بلغ مستويات مخيفة تعدت الـ5 تريليونات جنيه، حتى إن السيسي نفسه استدان أضعاف ما اقترضه جميع حكام مصر في السابق، فوصلت الأمور إلى حدّ الكارثة، إذ بات الدين العام المحلي 4.108 تريليونات جنيه، بعدما كان 1.4 تريليون جنيه، فيما تجاوز الدين الخارجي 97 مليار دولار، بعدما كان 34 مليار دولار في 2013. 

أضف إلى ذلك، فشل مشروع تفريعة قناة السويس الذي أهدر عليه السيسي أكثر من "100" مليار جنيه، واعترف هو بذلك وبرر فشله بأنه لرفع الروح المعنوية للشعب! ومع تزايد معدلات البطالة والغلاء الفاحش وجنون الأسعار والخدمات من مياه وكهرباء ومواصلات أدرك جميع المصريين أن نظام السيسي جاء ليجعل حياتهم معاناة وفقرا وحرمانا، فانفضوا صابرين حتى يحين يوم الخلاص.

خامسا، على صعيد الحريات، فقد وصلت الأوضاع في مصر إلى الأسوأ في العصر الحديث، حتى وصل عدد السجناء على ذمة قضايا سياسية إلى 60 ألفا من المعارضين، فيما توسّع السيسي في بناء السجون لاستيعاب المعارضين المقبوض عليهم. وبعد أن كانت الآلة الإعلامية التابعة للأجهزة الأمنية تروّج أنه سيتم تأميم الإعلام في عهد مرسي، سيطر جهاز الاستخبارات العامة الذي يترأسه رجل السيسي، عباس كامل، ونجل الرئيس محمود السيسي، وكيل الجهاز، على وسائل الإعلام كافة بعد قيام شركة "إعلام المصريين" بالاستحواذ على القنوات الفضائية كافة، مثل "الحياة" و"النهار" و"سي بي سي" و"دي إم سي"، وكذلك غالبية الصحف اليومية والمواقع الإخبارية، مثل "اليوم السابع" و"الدستور"، و"مبتدأ"، و"صوت الأمة". كما شهدت السنوات الستّ عقب ولاية السيسي غلْق الكثير من وسائل الإعلام، وحجب نحو 150 موقعا إخباريا من دون أي قرارات رسمية، كان آخرها موقع "التحرير" الإخباري، وقبله "مدى مصر"، و"مصر العربية".

سادسا، ولم يكتف السيسي بكل هذه المصائب، بل نفذ ترقيعات دستورية (وسط زفة لم يشارك فيها الشعب على غرار استفتاءات مبارك) تمنحه صلاحيات فرعونية مطلقة، وتجمع فعليا كل السلطات في يده، وتفضي أيضا إلى بقائه في الحكم حتى 2030، وسط تصريحات مقربين له أنه سيتم إعداد دستور جديد بعد 10سنوات، ما يعني بقاء السيسي في الحكم حتى الممات إما بالقتل أو حتف أنفه.

Facebook Comments