في الذكرى الـ16 على وفاته، يوم الخميس 8 يناير 2004، نشر موقع “إخوان أون لاين” ملفًا عن المستشار الراحل مأمون الهضيبي، المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين الأسبق، تناول فيه نشأته ودراسته والتحاقه بالقضاء والإخوان، وأبرز المواقف التي تعرض لها في حياته.

ولد محمد المأمون حسن إسماعيل الهضيبي فى قرية الشواولة بمحافظة سوهاج بصعيد مصر فى 28 مايو 1924م، حيث كان الأستاذ حسن الهضيبي– عليه رحمة الله- يعمل محاميا بمحافظة سوهاج فور تخرجه في كليه الحقوق، فولد له خلال فترة عمله بسوهاج أكبر أبنائه المستشار محمد المأمون، وكانت الأسرة أصلها من قرية عرب الصوالحة– مركز شبين القناطر– محافظة القليوبية، وتنقلت أسرته فى أماكن متعددة حيث عمل والده قاضيًا بوزارة العدل المصرية، حتى استقال من منصبه القضائي ليتفرغ للدعوة عام 1951.

وأصبح المرشد الثاني لجماعة الإخوان المسلمين، في الفترة من 1951 حتى وفاته في الثالث عشر من نوفمبر عام 1973م.

ويقول المستشار المأمون عن البيت الذى نشأ فيه: “البيت كان في غاية الانضباط.. ولكن في الوقت نفسه في غاية الرحمة والأدب والشورى.. وكان الأب يسمح لكل واحد أن يدلي برأيه، والأم كانت مثالاً للأدب والأخلاق وكان الوالد يحترمها احترامًا كبيرًا أورثنا أن نكون دائماً تحت أرجلها.. كانت العلاقة بينهما متينة جدا”.

ولم تكن قد أكملت تعليمها رحمها الله.. فحصلت على التعليم الأولي، ولكنها أكملت تعليم نفسها بل تعلمت اللغة الفرنسية.. ووالدها يرحمه الله هو الشيخ محمد خطاب أحد علماء الأزهر.. لقد ارتقت بنفسها كثيراً.. كانت تتحدث الفرنسية.. وفي الوقت ذاته تقرأ القرطبي وابن حزم وكتب التفسير”.

التحق المستشار المأمون الهضيبى بمراحل التعليم المختلفة حتى تخرج في كلية الحقوق جامعة الإسكندرية، وكان ترتيبه العاشر على دفعته، وعين وكيلا للنيابة وتدرج فى سلمه الوظيفى فى القضاء حتى أصبح رئيسا لمحكمة استئناف القاهرة .

شارك المستشار المأمون فى أعمال المقاومة الشعبية خلال العدوان الثلاثى على مصر عام 1956م، وكان ذلك أثناء عمله مستشارًا لمحكمة غزة – حيث تولى محكمة غزة عام 1954م، وقد نصحه أحد رجال المخابرات بعدم النزول للقاهرة حتى لا يعتقل، وكان له موقفه المشرف، وقد اعتقله جيش الاحتلال الإسرائيلي حيث رفض الخضوع والخنوع للمحتل الصهيونى، بخلاف ما قام به الفريق الدجوى– وقع فى الأسر أيضا فكان يبكى كالأطفال- الذى أرشد المحتل على البنية التحتية للدولة والجيش وسب مصر وقادتها وقد علم عبد الناصر بذلك فكافأ المستشار الهضيبي باعتقاله فى محنة 1965م، وكافأ الدجوى بأن ولاه رئاسة المحكمة التى حكمت على سيد قطب وإخوانه بالإعدام، وظل بالمعتقل حتى عام 1971م حين أفرج عنه السادات بعد وفاة عبد الناصر.

سافر للعمل بالسعودية وظل بها حتى عاد وتفرغ للعمل الدعوى داخل جماعة الإخوان المسلمين .

في قافلة الإخوان

ولد المستشار المأمون فى بيت ملىء بالإيمان، حيث اعتنى والده المستشار حسن الهضيبي بتربية أبنائه تربية إسلامية، والتحق المستشار المأمون بدعوة الإخوان بعد العدوان الثلاثى على مصر عام 1956 م- حيث كان من المشاركين فى التصدى لهذا العدوان- وشارك أهله المحنة حتى كان أحد ضحاياها عام 1965م، فاعتقل وقد أقيل إثر ذلك من منصبه القضائي. وقدم إلى المحاكمة العسكرية وحكم عليه بالحبس ثلاث سنوات. وجدد اعتقاله .

وتم الإفراج عنه أول يوليو عام 1971 م. ويقول فى كيفية اعتقاله : “حدث أمر جعل الأمن يشتبه في أنني أخفي شيئاً في بيتي والذي حدث هو أن زوجتي عندما علمت من الإذاعة بقضية الشهيد سيد قطب قامت بإخفاء كتبه التي كانت بمكتبتي أخفتها في حوش المنزل، في تلك الآونة كان الأمن يرصد البيت فاشتبهوا في أن “أسلحة” كان يتم إخفاؤها فداهموا البيت وفتشوه أكثر من مرة، وعسكروا في البيت أكثر من يوم فلم يجدوا إلا الكتب اقتادوني إلى إدارة المباحث ثم نقلوني إلى سجن أبي زعبل، وهناك مارسوا عملياتهم التي كانوا يمارسونها مع المعتقلين: التعليق.. الضرب والمحمصة وغيره ثم نقلوني إلى طرة ثم السجن الحربي حتى أنهوا التحقيقات، وأصدروا الحكم بالسجن ثم نقلوني مرة أخرى إلى سجن أبي زعبل حتى عام 1967 م، ثم نقلونا إلى سجن طرة ومكثنا به حتى مات جمال عبد الناصر ، وفي عهد السادات بدأت الإفراجات وخرجت مع الدفعات التي خرجت من طرة”.

وبعد اعتقاله طلب منه تقديم استقالته من القضاء فقدمها مكرها، وبعد خروجه سافر الى السعودية للحج حيث التحق بالعمل في قسم الحقوق العامة وقسم الحقوق الخاصة بوزارة الداخلية السعودية ، والعمل فيهما عمل قضائي بحت وفيه جانب شرعي، ولم يكن له أية علاقة بأية إدارة أخرى بالوزارة. وفى ذلك يقول المستشار المأمون الهضيبى: “وظل هذا الوضع فترة طويلة حتى قضت محكمة النقض ببطلان الاستقالة وعودتي للعمل، وكانت درجتي قد وصلت إلى نائب رئيس محكمة استئناف، وبعد صدور الحكم عدت إلى مصر واستكملت عملي لفترة بسيطة، ولم تكن السلطات مرحبة بعملي في القاهرة فصدرت تعليمات بانتدابي إلى السعودية حيث عدت مرة أخرى إلى هناك حتى أوشك سني على بلوغ الستين وجاء دوري لأكون رئيس محكمة استئناف القاهرة .. وقبلها أصبحت خلال السفر في درجة رئيس محكمة استئناف الإسكندرية.

وصدر قرار جمهوري بالفعل من الرئيس مبارك بتعييني رئيساً لمحكمة استئناف القاهرة بناءً على قرار مجلس القضاء الأعلى، وعلى اعتبار أنني منتدب في الخارج، فقطعت سفري وعدت وتسلمت عملي لأيام ثم صدر قرار إحالتي للتقاعد.. لكن وزير العدل في ذلك الوقت أراد أن يعبر عن أحاسيسه فحاول أن يكتب في قرار الإحالة بأنني رئيس محكمة استئناف الإسكندرية بدرجة رئيس محكمة استئناف القاهرة (استئناف القاهرة أعلى درجات محاكم الاستئناف) لكن عندما قدمت القرار الجمهوري اضطروا لتعديل البيانات، عدت مرة أخرى إلى السعودية لمواصلة عملي حتى زار الأستاذ عمر التلمساني مرشد الإخوان في ذلك الوقت السعودية للحج في منتصف الثمانينيات وقابلته وطلب مني النزول إلى القاهرة “.

خاض انتخابات مجلس الشعب عام 1987 م على قائمة حزب العمل وفاز بالمقعد فى دائرة الدقى وأصبح رئيسا للكتلة البرلمانية للإخوان داخل مجلس الشعب ، ولقد شهدت هذه الدورة نشاطا ملحوظا بسبب الاستجوابات التى تقدم بها الإخوان للمجلس، ولقد فاز الإخوان بما يقرب من 38 مقعدًا، ولقد ركز الإخوان على قضايا الحريات السياسية وما يمس مصلحة الشعب والشريعة.

وفى يناير 1996م، نفى أن يكون الإخوان قد خططوا لإنشاء حزب لاستغلاله كواجهة، وكان ذلك فيما أثير من ضجة أثناء تشكيل حزب الوسط.

شغل منصب المتحدث الرسمى لجماعة الإخوان المسلمين فى فترة الأستاذ محمد حامد أبو النصر– المرشد الرابع للإخوان المسلمين والذى تولى من 1986 – 1996 م– ثم اختير نائبا للمرشد العام بعد وفاة الدكتور أحمد الملط فى يونيو 1995 م، وظل نائبا للمرشد العام الأستاذ مصطفى مشهور- والذى تولى من 1996 م – 2002 م – بالإضافة لكونه المتحدث الرسمى للجماعة، وبعد وفاة الأستاذ مصطفى مشهور فى 14 نوفمبر 2002 م ، 10رمضان 1423هـ اختير المستشار الهضيبي لأن يكون مرشدًا للإخوان المسلمين فى مساء يوم الأربعاء 22 من رمضان 1423هـ الموافق 27 من نوفمبر 2002م .

وللمستشار المأمون كتابات عدة منها: الإخوان المسلمون 60 قضية ساخنة الصادر عن دار التوزيع والنشر الإسلامية 1998 م يوضح فيه: ما هو موقف الإخوان المسلمين من القوى والتيارات الإسلامية الموجودة على الساحة سواء تلك التى تتبنى العنف أم تلك التى لا تتبنى السياسة. وماذا عن تجربة النقابات المهنية؟ وماذا عن شعار ((الإسلام هو الحل)) ؟ وما هى رؤية الإخوان المسلمين حول الأقباط وقضايا العالم الإسلامى؟ وماذا عن الانشقاقات التى حدثت داخل الجماعة؟

المستشار مأمون الهضيبي.. بأقلام إخوانه

نموذج فريد

كلمة فضيلة الأستاذ الراحل محمد مهدي عاكف المرشد العام السابق

رحل عنا أخ حبيب ونموذج فريد من الرجال هو أخي الكبير السيد الأستاذ المستشار “محمد المأمون الهضيبي” المرشد العام للإخوان المسلمين.. كان يرحمه الله ملء السمع والبصر، يحمل في قلبه مبادئ الإسلام الواضحة في صدق وإخلاص، ويبشر بها في عزم وقوة.. موازينه الإسلامية واضحة تمام الوضوح أمام عينيه، لم أره في يوم من الأيام حادَ عنها لأي ظرف من الظروف، بل هو الحق الذي ينشده والهدف الذي يبتغيه، ابتغاء مرضاة الله ونيل ثوابه، يعلنه بقوة واحتساب دون المساس بمشاعر أحد، هذا هو المستشار “مأمون الهضيبي” الداعية صاحب الرأي السديد والفكر الثاقب والورع الشديد، نحسبه من الصالحين ولا نُزكي على الله أحدًا.. ما رأيته في يوم الأيام استأثر برأيه، لكنه كان شديدَ الحرص على مشاركة إخوانه في أي قضية مطروحة حتى يصل إلى أفضل ما يمكن، إحاطةً وشمولاً وعمقًا وموضوعيةً.. كان يناقش في إيجابية وينصت في اهتمام ثم يحسم في نهاية الأمر ما اجتمع عليه الرأي.

وإننا إذ ندعو الله سبحانه وتعالى أن يتغمده بواسع رحمته ويجزيه عنا وعن الدعوة وعن الإسلام والأمة الإسلامية جمعاء خير الجزاء، نسأله تعالى أن يفسح له في جناته مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا، كما نرجو الله عز وجل أن يعيننا على استمرار المسيرة على نهج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إمام الأنبياء وخاتم المرسلين.. صلى الله عليه وسلم.

سمت القاضي وروح الداعية

كلمة الأستاذ الراحل أبو الحمد ربيع- عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين

وهكذا تمضي الحياة بالناس.. فلا خلود لأحد.. ولا بقاء لمخلوق، فالكل راحل، إلا أن هناك موتى أحياءً وأحياءً موتى، كما عبر عن ذلك شاعر عربي قائلاً:

ليس من مات فاستراح بميت   إنما الميت ميت الأحياء

إنما الميت من يعيش كئيبًا    كاسفًا باله قليل الرجاء

ومن النوع الأول أستاذنا ومرشدنا المستشار/ محمد المأمون الهضيبي، فهو وإن غيبه الثرى، وطويت صفحة في الدنيا، فهو حي باقٍ في نفوس الكثيرين، ممن عاشروه وشاركوه مسيرة الدعوة المباركة.. إذ رأوا فيه سمت القاضي، وخُلق الداعية، وبعد نظره، في شجاعته تدفعه إلى قبول الرأي الآخر، وإن كان مخالفًا لرأيه التزامًا بمبدأ الشورى؛ ليضرب المثل في القدوة، في ثباتٍ على الحق لا يتزلزل، وصبر على مسيرة الدعوة، رغم وعورة الطريق، وصعوبة المسالك.

إذ كان يذكِّر إخوانه دائمًا بأن طريق الدعوة هذا ليس مفروشًا بالورود والرياحين، ولكنه طريق مفروش بالأشواك.

هذا قضاء الله

كلمة الأستاذ الراحل لاشين أبو شنب – عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين سابقا

جرى قضاء الله على فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين المستشار/ محمد المأمون الهضيبي، بعد حياةٍ حافلة بصور الجهاد في ميادين كثيرة، منها السياسية والاجتماعية والدينية والقانونية. وكان جهاده منصبًّا على دعائم ثابتة، أساسها كتاب الله وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم- والسابقين الأولين من خلفاء النبيِّ- رضوان الله عليهم.

وظل ينافحُ ويكافحُ في بيان ما يجب على كل مسلم إزاءَ دينه ووطنه، ولقي في سبيل ذلك ألوانًا شتَّى من العنَت والادعاءات، لكنه ظل كالطود الراسخ، لا يخشى في الحق لومة لائم في تواضع جمٍّ، بإخلاص متين ومثالية في الخُلُق تجعله قريبًا من كل نفس، مقبولاً من كل إنسان.. وقد تعاملنا معه قبل أن يكون نائبًا للمرشد العام يوم أن كان مستشارًا لوزير الداخلية بالمملكة العربية السعودية، ثم تعاملنا معه نائبًا للمرشد العام في حياة الأستاذ/ محمد حامد أبو النصر، وفي حياة الأستاذ/ مصطفى مشهور- رحمهما الله.

تغيرت ملامح الصورة في أي فترة من الفترات؛ مما كان عليه وما عرف عنه، وكانت غيرته على الحق، وشدته في الأخذ بأقوم المثل من الأمور التي قد يصفها البعض- بناءً عليها- بأنه من المتشددين، لكن خبرتنا به أنه كان رفيقًا، ودودًا، عطوفًا، محبًا لإخوانه، رجاعًا إلى الحق حين تبين له الوجه الصحيح فيه، وكانت خبرته مهمة لكثير منا، وقد بدت هذه الخبرة ولمسناها عن قرب، حين عملنا معه مرشدًا عامًا للإخوان المسلمين.

وكان ذا رأي صائب في أغلب الأحيان في القضايا التي تنشأ نتيجةً للصراعات الداخلية أو الخارجية في المجتمع، كما كان صاحبَ نظرة واعية فاحصة في المشكلات السياسية، سواء ما اتصل منها بأوضاعنا الداخلية أو الخارجية، وكم كات له بصماتٌ غائرة في أوجه الإصلاح المنشودة، حتى ولو بدت على عكس ما يظن الناس في شئون الحكم والسلطان، وكانت شدته في الحق تدفعه دائمًا إلى أن يجاهر برأيه ويسهم بتوجيهاته حتى لأقرب المقربين منه، على أن ذلك كان يقوي المودة، وإذا كانت دعوة الإخوان المسلمين قد تعرضت لقضاء الله فيه فإنها- والحمد لله- دعوة والدعوة لا تُعدم الرجال ولا تهزمها الأحداث، وقد أثبت التاريخ أن ما تعرضت وتتعرض له من نكبات لن يزيدها إلا إيمانًا بالحق واستعلاءً بالإيمان، وبذلاً وتضحيةً في سبيل الله، وإصرارًا على مواصلة الطريق مهما كانت تكاليف العمل ومشقات الصراع.

فقيدنا سار على الحنفية السمحة

كلمة الدكتور الراحل عبد الحميد الغزالي – أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة القاهرة

نحمد الله ونستهديه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا.

وأشهد أن لا اله ألا الله وحده القائل لرسولنا الكريم- صلى الله عليه وسلم-: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾، والقائل: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾، وبعد..

فلقد رحل عنا فجأةً أستاذنا ومرشدنا فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين الأستاذ/ محمد المأمون الهضيبي، فكان صدمةً شديدةً، وخطبًا جللاً، ولكننا- رغم دمع العين وحزن القلب- لا نملك إلا أن نقول إلا ما يُرضي ربنا سبحانه: ﴿إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.

وعزاؤنا أن راحلنا الحبيب قد أدى الأمانة على أكمل وخير ما يكون بالالتزام الصادق والإيمان الخالص، والعزيمة التي لا تلين، وعلى مدى عمره لم يتغير، ولم يتبدل، طريقه واضح، وخطه مستقيم، من النَّبع الصافي- كتاب ربنا وسنة رسولنا- في سبيل إعلاء كلمة الله ونشر دعوته بالحكمة والموعظة الحسنة بمسئولية إسلامية، وقوام فطري، وحنفية سمحاء، ولا نزكِّيه على الله تعالى، ونسأله- سبحانه- أن يتغمَّده بواسع رحمته.. ويحشره في زمرة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

وإننا- أبناء الصف الإخواني- لنؤكد أننا على الدرب سائرون، ووفق فقه دعوتنا ملتزمون، داعين المولى- عز وجل- أن يحفظ دعوتَنا، ويباركَ في قادتِنا..

وإذ نتذكر إخوتنا الأحبة الذين رحلوا عنا بصالح الدعاء لَنستصحب قول الحق تبارك وتعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ صدق الله العظيم.

مشاهد لها دلالات

كلمة الدكتور سناء أبوزيد – من رموز الإخوان المسلمين

تجمعت لي مواقف للأستاذ الهضيبي- رحمه الله – حكايةً عمن لا أتهمهم في خلقٍ ولا دين:

1- لقطة عبادية: تجمعت لي مواقف للإمام “الهضيبي”- رحمه الله- من حكاية من لا أتهمهم في خلُق ولا دين..

في لقاء حاشد ممتد، وفي يوم حار، والأستاذ “الهضيبي”- رحمه الله- هو الذي يرأَس الاجتماع، ويدير المناقشة، فلما كان المغرب قطع اللقاء للصلاة.. فغذا بأحد الحضور يلاحظه في ركن حجرة أخرى يتناول بعض الطعام على عجل؛ حتى يخرج للمشاركة في صلاة الجماعة، من غير أن يكشف سره هذا أحدٌ من خلق الله، ولم يكن أحد سواه-تقريبًا- صائمًا في ذلك اليوم، فهذه عبادةُ السر، وبها يستمدُّ العبد عونَ الله تعالى، وتوفيقَه.

2- لقطة اجتماعية: بعدما تزوج ابن الأستاذ “الهضيبي”- وهو يقيم معه- قال قريب زوجة الابن ووليها للأستاذ- رحمه الله- ستكون فلانة في خدمة زوجكم الكريمة، شفاها الله.. فإذا به يفاجئُه بقوله: أنا أولى بها..

فانظروا كيف يكون رجل بهذه المسئوليات الجسام والهموم الكبيرة مشمِّرًا إذا رجع إلى بيته في خدمة أهله، وما هذا إلا حال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولا عجب أن يترسم الأستاذ- رحمه الله- خطاه، وهو الذي طالما هتفَ في حياته (الله غايتنا والرسول قدوتنا).

3- لقطة تفكُّرية: كان يجلس- رحمه الله- ذات مرة على شاطئ البحر، فاقترب منه أحد الإخوان وطلب منه خاطرةً جالت في نفسه من المنظر، فقال : استحضرت قول الله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (الكهف:109)، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (لقمان:27).

واستطرد: فانظر إلى هذا التمثيل البلاغي، فمَن مِن البشر يخطُر على بالِه مثلَ هذا، ولا شكَّ أن مظاهر الإعجاز القرآني تتنوع، ولكن من أعجبها مثل هذه المواضع التي لا يتصور أحد أن يصل إليها خيالُ بشر أو إدراكه..

وهذا يؤكد مع سائر صور الإعجاز أنَّه كلامه- عز وجل- الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه..

رحمه الله رحمةً واسعةً، وتقبل جهاده، وأعلى درجته.

“الهضيبي” رجل المواقف الحاسمة

د. عصام العريان – من قيادات الجماعة، المعتقل بسجون الانقلاب

كان لكل من المرشدين الذين عاصرتهم بصمةٌ واضحة على مسيرة الإخوان، أكبر جماعة وهيئة إسلامية، وأقوى قوة سياسية الآن في مصر والعالم العربي، وشارك كلهم في قيادة جموع الإخوان.

لقد تحقق في مسيرة هؤلاء المرشدين من إنجاز ساهم فيه الجميع، وانتقلت الإخوان من مرحلة إلى مرحلة بسلاسة وهدوء، وما زال ينتظر الإخوان الكثير؛ حتى يحققوا أمل العرب والمسلمين في بناء دولة إسلامية مدنية عصرية، تحقق العدل، وتنفذ القانون والمساواة، وتطلق الحريات، وتطبق الشريعة الإسلامية تطبيقًا سليمًا، بعيدًا عن الغلو والإفراط، أو التجزئة والتقسيم، أو التفريط والتساهل.

خرج الإخوان من السجون وقد حسموا قضايا هامة، مثل: الموقف من التكفير، وهذه فتنة حدثت داخل السجون بسبب التعذيب الرهيب، وكان كتاب (دعاة لا قضاة) هو الكلمة الفصل، وكان للـ”هضيبي” الأب (المستشار “حسن”، والابن المستشار “المأمون”) دور كبير في إعداد البحوث، وإخراج الكتاب، وإقناع الإخوان بضرورة الالتزام بما قرره الإمام “البنا”- المؤسس- من قواعد فقهية، وعدم الجري وراء تأويلات خاطئة لكلام الشهيد “سيد قطب”، قام بها بعض الشباب، وأهمية أن يجري تفسير وتأويل كلام “قطب” في ضوء التزامه بجماعة الإخوان طوال حياته، وفصل الإخوان على ذلك مجموعة من الشباب، أصروا على تأويلاتهم ومواقفهم، وعرفوا فيما بعد باسم (القطبيين)، بينما التزم الإخوان الاعتدال.

الموقف من العنف تمَّ حسْمُه بوضوح، وهذا ما سمعته من المرحوم “التلمساني”، وما أوضحه “أبو النصر”، والتزم به “مشهور”، وأعلنه بجلاء “المأمون الهضيبي”، حتى قال عن جرائم العنف في مصر وغيرها: “إنها لا تقرها شريعة ولا خلق، ولا إنسانية ولا عقل”، وبذلك عُرفت جماعة الإخوان بأنها جماعة سلمية؛ تسلك الطرق الشرعية، وتلتزم القانون.

الإصرار على إبقاء الجماعة وتنظيمها ورصِّ صفوفها، وضم شباب جديد إليها، يكون بمثابة دماء تتدفق في شرايينها كان همُّ الإخوان الأول، وهذا ما نشأ بسبب فتنة التأييد داخل السجون ، وهي فتنة تسبب فيها الإيذاء الشديد والضغوط الرهيبة على السجناء، وعلى أسرهم وعوائلهم؛ وهو ما دفع البعض إلى تأييد نظام “عبد الناصر”، والوصول أحيانًا إلى التجسس على إخوانهم، وحرص “عبد الناصر” على استقطاب رموز من كبار الإخوان واستوزرهم، وانطلق البعض من المؤيدين بعد الإفراج عنهم إلى النشاط في إطار جمعيات خيرية، أو أخرى إسلامية، يفرغون فيها طاقاتهم، بينما انسحب غالبية المؤيدين إلى شئونهم الخاصة، وأغلقوا عليهم دورهم، وذابوا في المجتمع؛ وهو ما هدد كيان الجماعة.

حقق الإخوان خلال الثلاثين عامًا الماضية كثيرًا من الإنجازات على مستوى التنظيم، وعلى مستوى الجهد الشعبي، وعلى مستوى النشاط السياسي والفكري، وعلى مستوى الوجود الدولي، وما زال أمامهم إكمال المسيرة؛ لتحقيق بقية أهدافهم على مستوى الحكم والدولة؛ لأن مهمتهم أكبر بكثير من أن يحققها جيل واحد من أجيال هذه الدعوة.

وقد نجح الإخوان في إعادة تنظيم الجماعة في مصر ، وبناء تنظيم دولي مناسب، ونجح الإخوان في صياغة لوائح مناسبة لتنظيم سير العمل وتجديدها مع الوقت؛ لتناسب اتساع العمل وحجم النشاط.

ونجح الإخوان في إزالة ما ألصقه بهم النظام “الناصري” من تهم باطلة، وقدموا الجماعة على أنها جماعة سلمية معتدلة، تقبل بالحوار، وتتعاون مع الآخرين، وتقدم إسلاما يستند إلى القواعد الشرعية القطعية، وفي الوقت نفسه قادرة على التعاطي مع مستجدات العصر.

واستطاع الإخوان جذب آلاف من الشباب إلى صفوف الجماعة، رغم بريق الشهرة الذي كان يحيط بالكثير منهم، وهؤلاء رضوا أن يكونوا جنودًا في جماعة قديرة وكبيرة وعريقة، بدلاً من أن يكونوا زعماء وقادة في جماعات جديدة ينشئونها هم، وكان ذلك قرارًا صائبًا، أثبتت الأحداث صوابه.

واجتهد الإخوان في إشاعة المفاهيم السليمة والصحيحة عن الإسلام ، وإعادة الاعتبار إلى هوية الأمَّة، وانتشر مفهوم “الصحوة الإسلامية” والنهضة الإسلامية على المستوى الشعبي، واستقرت في أذهان غالبية الشعوب حقيقة أن الإسلام نظام للحياة، ودين ودولة، وأن الشريعة الإسلامية صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان، وأنَّ السياسة جزءٌ من الإسلام لابد أن تنضبط بضوابطه.

حقق الإخوان الكثير على المستوى السياسي، فأصبحت أرصدتهم في الشارع السياسي أكبر من أرصدة معظم القوى السياسية الأخرى مجتمعةً، ولولا تزوير الانتخابات لكان هناك اختيار آخر للإخوان على المستوى الحكومي والإداري؛ لأنهم قادرون على المشاركة في حكومات ائتلافية في أكثر من بلد، أو تشكيل حكومة في بلاد أخرى.. لقد ساهمت جموع الإخوان وقادتها ومفكروها ومرشدوها في تحقيق كل تلك الإنجازات، وكان لكل مرشد دوره (1928 م- 2004 م).

ورغم أن المستشار “الهضيبي” خرج من السجون عام 1971 م، ثم انتقل للعمل في السعوية، حتى عاد قبيل وفاة المرحوم “التلمساني” عام 1984 م؛ أي أن دوره كان من عام 1984 م حتى 2004 م، فإنَّ بصمته لم تختلف رغم أنه لم يتولَّ الدور الأول إلا أربعة عشر شهرًا، وكان المتحدث الرسمي للإخوان طوال عهد “أبو النصر”، ثمَّ نائبًا للمرشد في فترة “مشهور”، حتى أصبح مُرشدًا عامًّا في نوفمبر (رمضان) 2002 م، وشغل موقع الناطق باسم كتلة الإخوان في البرلمان المصري (1987 م – 1990 م)؛ أي أنَّ تأثيره امتد من عام 1987 م إلى 2004 م.

الراحل من غير وداع.. شعر د. جابر قميحة

تولَّى المرشدية بعد الأستاذ مشهور، وتوفِّي فجر الخميس 15 من ذي القعدة 1424هـ = الموافق 8 من يناير 2004

وللأسف، أغفلته وسائل الإعلام، ومنع رجالُ الأمن عشراتِ الآلاف من دخول القاهرة للعزاء؛ وذلك بإغلاق مداخلها، ومع ذلك حضر الجنازة قرابة 300 ألف مواطن، وهذه الكلمات أقدِّمها بمناسبة ذكرى وفاته.

Facebook Comments