بقيت سيناء محتلة 9 سنوات بعد حرب أكتوبر 73، فلم يحتفل نظام العسكر بتحريرها إلا في 25 أبريل 1982م عندما غنت الحاجة شادية أغنية “مصر اليوم في عيد”، على مسرح القوات المسلحة بالزمالك، ولم تتحرر طابا إلا بالمفاوضات في 1989م، أي بعد 16 سنة من حرب أكتوبر، وحتى اليوم لا تزال أم الرشراش “إيلات حاليا” محتلة وسط تواطؤ مفضوح من قادة الجيش المصري، الذي يزيفون الوعي بالزعم أن “سينا رجعت كاملة لينا ومصر اليوم في عيد”. فهل عادت سيناء كاملة وهل تم تحريرها بالفعل؟ وهل تمارس مصر عليها سيادتها الكاملة أم أنها سيادة منقوصة وفقا لمذكرة التفاهم الموقعة في 26 مارس 1979م؟

الأكثر خطورة من هذا كله، من الذي حول الجيش المصري إلى عدو لكثير من أهالي سيناء؟ ولماذا يمارس الجيش المصري جميع أشكال الظلم والانتهاكات من قتل واعتقال وتعذيب وتشريد وتهجير قسري وتدمير للمنازل والمساجد والمدارس؟ ولماذا يحرقون أشجار الزيتون؟ هذه الجرائم الوحشية والفشل المتواصل في معالجة ملف سيناء هو ما دفع كاتبا بدرجة رجل أعمال إلى طرح فكرة الحكم الذاتي لسيناء بعيدا عن ظلم العسكر وبيروقراطية مصر العتيقة التي تعيق أي نهضة أو تقدم.

بعد الانقلاب ذهبت تقديرات رسمية إلى أن عدد المسلحين بسيناء يقدرون بالمئات ما بين 500 إلى ألف على أقصى تقدير، واليوم قتل بسيناء الآلاف من المدنيين والمسلحين وعناصر بالجيش والشرطة، واعتقل أكثر من 8 آلاف؛ فلماذا لم يتم القضاء على المسلحين؟ أم أن الظلم الذي يمارسه الجيش في سيناء حول الآلاف من أهالي سيناء إلى موالين للمسلحين من أجل الثأر لأنفسهم وأولادهم الذين قتلوا أو اعتقلوا على يد الجيش أو ثأرا لبيوتهم التي هدمها الجيش ومزارعهم التي جرفها فشردهم وهجرهم ظلما وعدوانا.

وبهذه الجرائم الوحشية حول السيسي سيناء إلى بؤرة عنف وإرهاب هو صانعه لتوظيفه سياسيا على المستوى المحلي بتكريس القمع، وعلى المستوى الإقليمي والدولي بمزيد من ابتزاز المجتمع الدولي وتسويق نفسه باعتباره المحارب الأول ضد الإرهاب في العالم!.

مخططان خبيثان

تصورات الصهاينة والأمريكان حول سيناء تستهدف تحويلها إلى جزء من صفقة القرن الأمريكية وفقا لمخططين:

  1. الأول يتعلق بشمال سيناء وربطه اقتصاديا بغزة، وهو ما طرح في خطة الصفقة الأمريكية في 28 يناير 2020م. واحتلت مصر جزءا من نص الصفقة أو المؤامرة  تحت عنوان “تعزيز التنمية الإقليمية والتكامل”، ورصدت المؤامرة الأمريكية 9.167 مليارات دولار أمريكي للمشروعات المقررة، منها 917 مليون دولار عبارة عن منح، و4.325 مليارات عبارة عن قروض و3.925 مليارات عبارة عن تمويل ذاتي. وتضمن نص «المؤامرة» المقترحة 12 مشروعا اقتصاديا مرتبطة بنظام العسكر في مصر، والتي تمتلك حدودا مع قطاع غزة في فلسطين، وكل هذه المشروعات ترتبط  بالحدود المصرية مع قطاع غزة في شبه جزيرة سيناء وهي المنطقة التي شهدت تجريفا وتهجيرا قسريا لأهاليها خلال سنوات ما بعد انقلاب 30 يونيو2013م.
  2. والثاني يتعلق بضم أجزاء واسعة من جنوب سيناء إلى مشروع “نيوم” السعودي الإسرائيلي، وقد تعهد رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي بضم ألف كم مربع إلى مشروع نيوم الذي يضم أيضا الأردن إلى جانب مصر والسعودية والكيان الصهيوني، وهو مشروع سياحي سيتكلف نحو 500 مليار  دولار، ويصر ولي العهد السعودي محمد بن سلمان على تنفيذه مهما كانت العقبات، ورغم تدهور الاقتصاد السعودي بشكل حاد في أعقاب تراج أسعار النفط عالميا إلى أقل مستوى منذ عشرين سنة وبات دون العشرين دولارا للبرميل الواحد.

معوقات على الطريق

لا يعوق هذه المخططات الخبيثة إلا أمران:

الأول: تفشي وباء كورونا والركود الحاد في الاقتصاد العالمي الذي أفضى إلى انهيار أسعار النفط إلى ما دون العشرين دولارا للبرميل بعد أن كان 67 دولارا للبرميل قبل شهور قليلة، تسبب في هذا التراجع الحاد تراجع الطلب على النفط بصورة كبيرة بعد أن أجبر الوباء دول العالم على وقف مصانعها ومتاجرها كإجراءات احترازية لاحتواء العدوى، تضررت دخول دول الخليج بشدة حتى استدانت كل من السعودية والإمارات وهي الدول التي كان يقع على عاتقها تمويل مخططات صفقة القرن الأمريكية بأكثر من 50 مليار دولار.

الثاني: هو العنف المسلح الذي لا يتوقف في سيناء منذ سنوات ما بعد انقلاب 30 يونيو 2013م، وهي المواجهات التي تثير كثيرا من الألغاز؛ ذلك أن تقديرات رسمية بعد الانقلاب مباشرة هونت من حجم هذا التمرد وقدرت عدد مسلحي تنظيم “بيت المقدس” وقتها بعدة مئات إلى ألف على أقصى تقدير، ومع تواصل الحرب أقسم معظم مسلحي بيت المقدس على الولاء لتنظيم “داعش” وتحول في 2014 إلى تنظيم “ولاية سيناء” بعد إعلان إقامة دولة “داعش” على قطعة واسعة من الأراضي السورية والعراقية، فلماذا لم يتم القضاء على هذا التمرد؟ ولماذا يعجز الجيش المصري المصنف التاسع عالميا على السيطرة على شمال سيناء؟ ولماذا فشلت صفقات السلاح التي أبرمها السيسي بعشرات المليارات من الدولارات على القضاء على ما يسميه هو بالإرهاب؟

تعتيم وتزييف

ومنذ سن قانون الإرهاب في 2015م، فرض النظام تعتيما كبيرا على ما يجري في سيناء؛ توقفت الأخبار وتوقفت التقارير الجادة والتحقيقات الاستقصائية والمقالات والتحليلات الرصينة ولكن الفبركة والتزييف والأكاذيب لم تتوقف.

وللتدليل على احتراف الجيش عملية الفبركة والتزييف، ما ذكره المتحدث العسكري عن حصاد عملية “حق الشهيد” التي انطلقت وانتهت في 2015م، عندما أعلن عن قتل 536 واعتقال 596 آخرين من “التكفيريين والمطلوبين” خلال 11 يوما من العمليات التي نفذها الجيش في سيناء من يوم 7 سبتمبر 2015م حتى 29 سبتمبر (16 يوما). رغم أن تقديرات النظام والمسئولين فيه عن أن عدد المسلحين كان يدور بين الــ”500 والألف على أقصى تقدير!”.

الدليل الثاني: أنه بجمع الأرقام المنشورة في البيانات العسكرية الـ31 الأولى من العملية الشاملة على مدار عام كامل من بدئها (خلال الفترة ما بين 9 فبراير 2018، وحتى 22 يناير2019م)، يمكن رصد قتل الجيش 520 ممن وصفهم بأنهم “إرهابيون”، واعتقال 7970، وصنف 162 منهم بـ”الإرهابيين”، وأفرج عن أكثر من 1447 شخصًا ولا يعرف مصير الباقي، بحسب تأكيد المتحدث العسكري.

وسبق لرئيس المخابرات الحربية أن أعلن، في فبراير 2017م، أي قبل انطلاق العملية الشاملة بعام كامل قتل 500 من المسلحين في سيناء، وقدَّر عددهم الإجمالي ما بين 500 وألف، ما يعني القضاء عليهم، فكيف يستمرون في مهاجمة الجيش؟ وهل يعني ذلك أن من يجري قتلهم هم أبرياء وليسوا إرهابيين؟ أم أن المتحدث العسكري يقدم بيانات ومعلومات غير دقيقة للشعب؟!.

Facebook Comments