يتذكر المصريون “عبد العاطي كفتة” واختراعه العجيب الذى أعلن عنه في مثل هذه الأيام قبل 6 سنوات، وزعم أنه توصّل إلى اختراع جهاز يعالج أمراض الإيدز وفيروس سي، ويعرب المصريون عن حزنهم للحالة التي وصل إليها مستوى البحث العلمي على يد نظام الانقلاب العسكري .

وأكدوا أن عبد الفتاح السيسي يتعمّد إهانة البحث العلمي والتقليل من شأن العلماء باعتماده على أصحاب الـ50% .

كان اللواء عبد العاطي إبراهيم قد ظهر خلال مؤتمر صحفي، في مارس 2014، بحضور المراسلين العسكريين، شارحا الاختراع المزعوم، وقال جملته الشهيرة: “ناخد من المريض الفيروس ونقدمه له صباع كفتة يتغذى عليه”، ومن هنا أطلق عليه نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي “عبد العاطي كفتة”.

وأعقب إعلان “عبد العاطي” ضجة إعلامية كبيرة حول ما أطلق عليه “اختراع الجيش”، وصلت إلى حد ادعاء صحف موالية للعسكر بأن الجهاز سوف يشفي آلاف المرضى من “فيروس سي” وحتى “الإيدز”، ما سيحقق لمصر عوائد مالية ضخمة.

يشار إلى أنَّ القوات المسلحة كانت قد تبنّت عبد العاطي، وزعمت أنه اخترع جهازين لاكتشاف فيروس «سى» والإيدز، هما (c- fast) و(I- fast)  وآخر للعلاج هو (CCD) .

وأعدّت له مؤتمرًا صحفيًا وقدمته يومها على أنه اللواء دكتور إبراهيم عبد العاطي، وتحدث الرجل عن الاختراع ووصفه بأنه تاريخي وعالمي، ومثله مثل هرم الجيزة لا يمكن أن يباع أو يخرج من مصر، وتبين بعد ساعات من إعلان الكشف أن «عبد العاطي» ليس لواءً بالقوات المسلحة، إنما مُنح هذه الرتبة الشرفية نتيجة عمله بالفريق وجهده خلال سنوات حتى الوصول إلى هذا الكشف العلمي.

فني معمل

وإبراهيم عبد العاطي من مواليد النوبة فى أسوان عام 1947، وحضر مع أسرته إلى الإسكندرية وأقام هناك.. وكان عمره يقارب الـ18 عاما عندما بدأ العمل «فنى معمل» فى جامعة الإسكندرية.. ومن واقع «شهادة تزكية» صادرة عن كلية الطب قسم الفسيولوجيا يتضح أن الرجل فنى معامل .

وكان يستقبل مرضاه فى شقة المعادي بكورنيش النيل، حتى وقع خلاف بينه وبين فتاة كانت مديرة لمكتبه أو سكرتيرة. وفى أبريل سنة 2007 تقدمت الفتاة ببلاغ رسمي إلى وزارة الصحة، قالت فيه: “الرجاء التكرم بالإحاطة أن هناك شخصا يدعى إبراهيم عبد العاطى السيد.. يمارس مهنة الطب دون ترخيص ويقوم بعلاج المرضى كطبيب ويتعامل معهم ويصنع لهم الأدوية ويعبئها فى كبسولات ومهنته الأصلية مساعد فنى معمل. وأرفقت المبلغة مستندات تدعم بلاغها وأرقام تليفونات مرضى وعناوينهم.

وأضافت فى البلاغ: يحضر الأعشاب بطريقة غير صحيحة وغير سليمة وفى أماكن ملوثة، ويتقاضى مبالغ طائلة نظير هذا الكشف، والعلاج لا يفيد بل يؤدى إلى الموت السريع والانحدار الصحى .

وقالت المبلغة فى شكواها: صدرت أحكام ضد إبراهيم عبد العاطى وأحكام أخرى بإغلاق أماكن كان يعمل بها، منها القضية رقم 30238 لسنة 2007 جنح البساتين، وعاقبته المحكمة بالحبس سنة وكفالة ألف جنيه.

التلفزيون المصري

ورغم ذلك أعقب إعلان “عبد العاطى كفتة” دعاية إعلامية كبيرة تشيد بهذا «الإنجاز» غير المسبوق، بالإضافة إلى الهجوم على من شكك فيه أو في مصداقيته، بل عرض التلفزيون المصري تقريرًا مصورًا عن نجاح الهيئة الهندسية للقوات المسلحة في ابتكار العلاج الجديد، من خلال كبسولات تعمل على رفع كفاءة الجهاز المناعي للإنسان، إلى جانب جهاز «سي سي دي» للقضاء على الفيروسات من النوعين.

وظهر في الفيديو اللواء «إبراهيم عبد العاطي»، مخترع العلاج المزعوم، وهو يفحص مريضًا بواسطة الجهاز، ويبلغه بشفائه التام من مرض الإيدز. كما عرض التلفزيون المصري توضيحًا لمراحل تصنيع الجهاز من داخل المصنع الخاص بإنتاجه، ونشر كيفية قيام المرضى بتسجيل أسمائهم للالتحاق ببرنامج العلاج الجديد، وقامت قنوات أخرى بإجراء حوارات ومقابلات مع الفريق الذي قيل إنه وراء اكتشاف وتصنيع الجهاز.

وأكثر من ذلك، أعلن المخترع «إبراهيم عبد العاطي» أنه يقوم بسحب الفيروس من جسد الإنسان، ويقوم بإرجاعه إليه مرة أخرى عبارة عن «صباع كفتة» يتغذى عليه. وادعى أن أجهزة المخابرات العالمية عرضت عليه 2 مليار دولار ليتخلى عن اختراعه، وأن المخابرات المصرية اختطفته وجاءت به إلى مصر.

وعندما بدأت الانتقادات توجه للجهاز الجديد وتشكك في صحته، بدأت سياسة إعلامية أخرى تقوم على التشكيك في وطنية المنتقدين، والادعاء أن الهجوم على العلاج الجديد هو نوع من محاربة البلاد بكاملها، وطالبت المذيعة «نائلة عمارة» بحرمان المشككين في الجهاز وأقاربهم وعائلاتهم من العلاج إذا مرضوا.

نقابة الأطباء

وقالت نقابة الأطباء، إن الإعلان عن الجهاز يعد إضرارًا عمديًا بالملايين من المواطنين مرضى فيروس سي، من جرّاء انتظارهم العلاج عن طريق الجهاز.

وطالبت النقابة، فى بيان لها، كل من قام بمحاولات دعاية أو ترويج للجهاز الذي ادعى أنه جهاز قادر على علاج “فيروس سي” بالاعتذار إلى الشعب المصري.

وقررت لجنة التحقيق بالنقابة العامة للأطباء إحالة الأطباء الذين تبين مشاركتهم في الإعلان عن جهاز علاج الفيروس الكبدي سي إلى المحاكمة التأديبية، حيث إنهم قاموا بالإعلان والترويج للجهاز المذكور والخاص بعلاج الأمراض الفيروسية قبل إتمام الخطوات العلمية المتعارف عليها.

وشملت قائمة الأطباء المحالين للمحاكمة التأديبية كلا من: الدكتور أحمد علي مؤنس، الدكتورة سالي مصطفى محمود، الدكتور أحمد عبد الله صبري، الدكتور وائل أحمد محمد عطية. فيما تمت تبرئة خمسة أطباء آخرين ثبت عدم تورطهم في أي تصريحات غير علمية.

فضيحة علمية

الدكتور عصام حجي، عالم الفضاء بوكالة ناسا، اعتبر أن جهاز الإيدز فضيحة علمية لمصر.

وقال حجي، في تصريحات صحفية، إن الاختراع غير مقنع وليس له أي أساس علمي واضح من واقع العرض التوضيحي للجهاز، إضافة إلى أن البحث الخاص بالابتكار لم ينشر فى أي دوريات علمية مرموقة.

ووجّه، في تدوينة على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”، “تحية تقدير واحترام إلى نقابة الأطباء على قرارها بإحالة المشاركين في هذه المهزلة إلى التحقيق والمحاكمة .

وتساءل: هل ستخطو نقابة الصحفيين واتحاد الإذاعة والتلفزيون والجامعات في محاسبة من شاركوا في ترويج أكبر فضيحة علمية عصفت بالوسط العلمي والإعلامي في مصر وسعت عمدا إلى تغييب الرأي العام؟ .

وتابع: هل سيتم محاسبة أعضاء البرلمان المعينين والعسكريين الذين شاركوا في الترويج لهذه الأكاذيب التي أضرت بسمعة مصر شعبًا وجيشًا؟”.

وخاطب حجى المضللين للرأي العام، وقال: ألا تعلمون أنكم بنشركم للجهل والنفاق أنتم أكبر دعاية للتطرف والإرهاب الذي تزعمون محاربته؟”.

وأضاف: أرى وقد أكون مخطئا أن نشر الجهل وتغييب العقول على مدى عقود هو السبب الحقيقي في تعاقب الطغاة على حكم مصر وفشلهم في تحقيق أي وعود بالتطوير، حان الوقت أن نعي جميعا أن التعليم هو العماد الحقيقي لدولة تحفظ كرامة كل المصريين .

سمعة سيئة

وقال الدكتور سعيد الصادق، أستاذ علم الاجتماع السياسى، إن البحث العلمى يجب أن يرتبط بالقطاع الاقتصادي للاستفادة منه، مشيرا إلى أن هناك أبحاثا مرتبطة بالتنسيق مع مراكز البحوث العلمية والزراعية.

وانتقد «الصادق» ما أثير خلال الفترة الماضية عن «جهاز الكفتة»، الذى أشيع أنه سيعالج «فيروس سى»، قائلا: «هذا الجهاز لم يقدم شيئا سوى السمعة السيئة لمصر، مؤكدا أن الأسلوب البيروقراطى فى البحث العلمى يحتاج إلى ثورة.

وشدد على ضرورة أن تكون البحوث العلمية مرتبطة بالمجتمع لخدمته، بدلا من عمل بحوث خارج نطاق خدمة المجتمع، موضحا أنه مادام هناك باحث جيد فستكون هناك بحوث جيدة، فضلا عن أهمية أن يكون هناك فريق بحثى كما هو فى الخارج بدلاً من عمل الباحثين بمفردهم.

فضيحة السيسي

وقال الكاتب الصحفي أسامة الرشيدي: تحل في هذه الأيام ذكرى «فضيحة» الإعلان عن جهاز علاج الإيدز وفيروس سي الذي أعلنت عنه الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، معربًا عن أسفه لأن وسائل الإعلام التابعة لنظام الانقلاب تورطت في الفضيحة، وكانت أحد أهم أركان الترويج لها، مثلما تورطت بعد ذلك في العديد من الفضائح وحملات التضليل الأخرى.

وأضاف الرشيدي، فى تصريحات صحفية، أنه رغم وجود عدد كبير من الإعلاميين الذين شككوا في وجود علاج للإيدز، وسخروا منه منذ البداية، مثل «عمرو أديب» و«محمود سعد» و«جابر القرموطي» و«يوسف الحسيني» و«خيري رمضان»، إلا أن أيًا منهم لم يجرؤ على الهجوم على الجهة الرئيسية المتسببة في تلك الكارثة أو انتقادها بكلمة واحدة، وهي الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، واقتصر هجومهم وسخريتهم على الفريق الطبي الذي يتابع الأمر، والمطالبة بمحاسبة «عبد العاطي» فقط، خاصة أنهم من كبار المؤيدين لـ«السيسي”.

وأشار إلى أن الأمر وصل إلى أن بعض مطبلاتية الإعلام حاول استغلال الموضوع لتلميع «السيسي» والإيحاء بأنه فوجئ بالأمر وأنه ليس مسئولًا عنه، بل وأنه غاضب منه وأنه أمر بالتحقيق في ملابساته.

لكن مدير الهيئة الهندسية بالقوات المسلحة نفى أن يكون «السيسي» قد أمر بتشكيل لجنة للتحقيق، رغم أنه من المستحيل أن تقوم الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بتنظيم مؤتمر صحفي «عالمي» للإعلان عن الاختراع دون علم «السيسي» شخصيًا.

Facebook Comments