فتوى تحت الطلب، يقولها أئمة السلطان أو علماء الاستبداد، هم أصحاب العمائم المشبوهة، الذين يستدلون بالشرع لإباحة الظلم للظالمين والفساد للفاسدين ويحولون الحاكم -عن جهل أو عمد – إلى إله أو ظل الله في الأرض، كما يزعمون أن الخليفة كالمرسل من الله الذي ولاه أرضه وعباده، وتصرف المالك البشري من وجهة نظرهم فيما يملك عدل وليس جورا، والشعب من هذا المنطلق من ملك الحاكم الذي لا يجوز الخروج عليه أو مطالبته بأي حق ما دام هو المتصرف في كل شيء.

وفي سياق التلاعب بالشرع هاجم وزير الشؤون الإسلامية والدعوة الإرشاد السعودي عبد اللطيف آل الشيخ عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الموريتاني الجنسية محمد ولد الددو وسيد قطب، بألفاظ لا تليق بأبناء الشوارع، وظهر آل الشيخ خلال مناقشته رسالة أحد طلبة الماجستير، رافضا ثناء الأخير في رسالته على “الددو”، زاعمًا أنه لا يستحق لقب “شيخ”، والأفضل القول عنه “شخ”.

عبادة الوطن!

وفي تعليقه على إعجاب الباحث بسيد قطب، وذوقه الأدبي، ووصفه إياه بـ”الأستاذ”، عبر عبد اللطيف آل الشيخ عن غضبه، قائلا إن الأخير هو “إرهابي كبير”، واعتبر آل الشيخ أن “عبد الحليم حافظ وأم كلثوم وفريد الأطرش” لديهم ذوق أدبي أكثر من سيد قطب.

ما فعله آل الشيخ سبقه إليه وزير الأوقاف في حكومة الانقلاب محمد مختار جمعة، عندما وبخ باحثا بالمعهد الآسيوي التابع لجامعة الزقازيق، ونعته بـ” الحمار الجاهل الغبي”، بعد ذكر الباحث أن “أخطر الأصنام الجديدة هي الوطن وأن إلباسه للدين بمثابة الكفن”.

ولتهدئه الأوضاع واحتواء الأزمة أجرى جمعة مداخلة هاتفية مع الإعلامي وائل الإبراشي، وزعم أنه قرأ الرسالة الخاصة بالباحث ووجد فيها بعض الأسطر الملغمة ولكن أخطر ما استوقفه وسبب له التوتر مسألة الحديث عن الوطن، موضحا أن الجماعات المتطرفة يمكنها أن تطبع مليون نسخة من هذه الرسالة لأنها تروج لأفكارهم الإرهابية التي تهدم الأوطان.

وقال جمعة أن ثقافة هذا الباحث لم تؤهله للنضج والفهم، وأضاف:”اتصلت بالولد بنفسي وقلت له أنت ليك علينا حق أن نعلمك الصح وأنت ابننا ولا يمكن أن أقصد إساءة إلى شخصك إطلاقا، فأنت ابني وإنما أنا أقصد من ينادي ويتبنى هذا الفكر، نحن أعطيناك مهمة 6 أشهر لتراجع الرسالة”.

أركان الظالمين

قصة الباحث ووزير الأوقاف في بلد الأزهر أحد أكبر معاقل المسلمين وصروحه، ليست سوى واحدة من مئات الكوارث والفتاوى المشبوهة، التي خرج بعضها تُحرّم الترشح ضد السفيه المنقلب على رئيسه عبد الفتاح السيسي، ومن بين شيوخ السلطان محمد سعيد رسلان، الذي لا يختلف عن آل الشيخ ووزير الأوقاف وقد سبقه في ما يشبه فعله المفتي السابق علي جمعه، الذي أباح دماء المعارضين لانقلاب السيسي واعتبرهم خوارج وقبل ذلك غرّد الهلالي بعيدا عن الجميع عندما وضع السيسي في رتبة الرسول مع وزير داخليته آنذاك محمد إبراهيم، وشبههما بموسى وهارون عليهم السلام.

ولم تكن أرض الكنانة لوحدها المصابة بفوبيا الفتاوي المشبوهة فقد اختار علماء الوهابية السعودية أن يحذوا حذو نظرائهم في أرض الكنانة؛ فإمام الحرمين السديس يدعو الله لترمب وابن سلمان، ولم تكن تلك الفتاوي التي حظيت بها بلاد الحرمين، إذ فمع ارتفاع الأسعار في السعودية خرجت فتوى تقول : إن ارتفاع الأسعار من الله قبل أن يكون أمرا من ابن سلمان “أمير المؤمنين” كما يحلو لهم تسميته.

إنها موجة الفتاوي السلطانية المشبوهة التي غالبا ما تأتي تحت الطلب لتزيد من الشبهات حول أصحابها حتى أدخلوا ضعاف القلوب والعقول الشك في أنفسهم وربما في دينهم؛ فلماذا يفعل من كنا نحسبهم علمائنا ذلك؟! لماذا سقطوا من قمة جبل الإجلال والتقدير وسمو الاحترام إلى أسفل نقطة في الامتهان والإهانة والمتاجرة بالدين؟ ألا يعلمون أنهم بذلك يجعلون الناس لا يقدرون العلماء ولا يهتمون بأي قدوة؟ ما دام من كان قدوة خذلهم في الوقت الذي كانوا يحتاجون فيه إليه.

هم بذلك يصنعون المستبدين ويساهمون في توطيد أركان الظالمين ويحولون السلطان إلى إله لا يعصى في أمر ولا ينهى عما فعل وهو معصوم من الخطأ لأنه في مرتبة النبي المرسل، يقول الكواكبي في كتابه الأشهر طبائع الاستبداد: إنه ما من مستبد سياسي إلى الآن إلا ويتخذ له صفة قداسة يشارك بها مع الله أو تعطيه مقام ذي علاقة مع الله ولا أقل من أن يتخذ بطانة من خدمة الدين يعينونه على ظلم الناس باسم الله.

Facebook Comments