بعد سلسلة من القمع الخشن الذي يمارسه نظام العسكر ضد كل ما هو إعلامي وصحفي، وإغلاق الصحف والمواقع الإعلامية الذي تجاوز أكثر من 600 موقع وصحيفة، كان آخرها أكثر من 20 موقعًا لصحف حكومية؛ بهدف إغلاق المجال الإعلامي إلا ببعض الصحف الورقية التي لا يراها أحد، وتسبّح بحمد النظام ليل نهار، ويجري رفع أسعارها في ظل غلاء فاحش. بعد كل ذلك تفتّق عقل العسكر عن وسيلة جديدة لإدخال مصر في عهدٍ من الظلام لا ينقل عنها أو منها أي أخبار أو حقائق، عبر إغلاق وتصفية مكاتب الصحف الأجنبية التي فضحت نظام السيسي مؤخرًا، بنشرها حقائق لا يريد السيسي ولا عساكره الكشف عنها.

ورصدت المراصد الحقوقية والإعلامية الكثير من التضييقات مؤخرًا، إذ لم يعد أحد خارج المؤسسة الأمنية والاستخباراتية يمتلك ولو منفذا صغيرا يُقدم عبره صحافة مستقلة. وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة كلها أصبحت ملكا للمخابرات العامة التي يرأسها المدير السابق لمكتب السيسي، اللواء عباس كامل، وكثير منها تمت تصفيته وأغلق نهائيًا.

(بي بي سي)

ومن الواضح أن المرحلة الثانية التي تنفذ تدريجيا، تستهدف وسائل الإعلام الأجنبية العاملة في مصر، حيث تناقلت عدة صحف عربية تقارير أشارت إلى ضغوط كبيرة تمارسها أجهزة الأمن والاستخبارات على مكاتب وسائل الإعلام الأجنبية في القاهرة، ضمن مخطط لإغلاق تلك التي يعتبرها نظام العسكر مصدر تهديد بما تبثه من أخبار وتقارير خارجة عن سيطرته.

ومثل مكتب "هيئة الإذاعة البريطانية" (بي بي سي)، الهدف الأبرز والأهم للأجهزة الأمنية المصرية، وفق ما أكدته مصادر من داخل المكتب. وقالت المصادر إن أجهزة الأمن توجّهت إلى مالك المبنى حيث يتركز مكتب القناة البريطانية في منطقة العجوزة على كورنيش النيل في الجيزة، وضغطت عليه كي لا يجدد عقد الإيجار، وتأجير المقر لمكتب تابع للمخابرات.

وجاءت محاولات التضييق على "بي بي سي" بعد تقرير نشره الموقع، في مارس الماضي، حول حملة "#اطمن_انت_مش_لوحدك" المعارِضة لحكم السيسي. وبدأت بتقارير صحفية نُشرت في وسائل الإعلام التابعة للاستخبارات تهاجم المؤسسة البريطانية، كما أصدرت الهيئة العامة للاستعلامات بيانا اتهمت فيه "بي بي سي" بالترويج للمحرضين على القتل، ودعتها للاعتذار عن التقرير الذي وصفته بـ "المسيء".

كما قررت هيئة الاستعلامات استدعاء مديرة مكتب "بي بي سي" في مصر، صفاء فيصل، عن طريق مدير عام المركز الصحفي للمراسلين الأجانب التابع للهيئة. ودعت "المسئولين ومختلف قطاعات النخبة إلى مقاطعة (هيئة الإذاعة البريطانية)، والامتناع عن إجراء أي مقابلات أو لقاءات إعلامية مع مراسليها ومحرريها، حتى تعتذر رسميا عن التقرير التحريضي المسيء"، بحسب ما ورد في البيان.

"فرانس 24"

قناة "بي بي سي" وغيرها من القنوات الفضائية الدولية كانت تعتمد على شركتين خاصتين متخصصتين في البث الفضائي للعمل في مصر، إذ كانت تلك القنوات تتصل بضيوفها وتدعوهم إلى التوجه إلى مكاتب إحدى الشركتين للمشاركة في برامجها. لكن اختلف هذا الوضع أخيرًا.

قناة "فرانس 24" الفرنسية على سبيل المثال كانت متعاقدة مع مكتب "سي إن سي" الموجود في بناية "دوحة ماسبيرو" في ميدان عبد المنعم رياض، لاستخدام الأستديو الخاص به وأجهزة البث الفضائي. وهو المكتب الذي يخدم أيضا قنوات "أبو ظبي الرياضية" و"تلفزيون فلسطين"، وغيرها. أما قناة "بي بي سي" البريطانية فكانت تمتلك أجهزة بث خاصة بها، ولكن نظرا للكلفة العالية لجأت إلى تأجير أجهزة البث.

ويُعتبر كلٌّ من "يو إن آي" المملوكة لهاني عمارة وتخدم قنوات "روسيا اليوم" والتلفزيون السعودي وقنوات أخرى، و"آي تي إس" المملوكة لطارق نصار التي تخدم "الحرة" و"بي بي سي" و"سكاي نيوز"، الشركتين الوحيدتين اللتين تعملان في هذا المجال.

ووفق مصادر، استحوذت المخابرات العامة على الشركتين بالقوة، وأعطت صاحبيها الأصليين حق الإدارة لمدة عام، بعد ذلك ستمنحهما من الأرباح، وبذلك أصبح البث الفضائي من مصر خاضعا لسيطرة الاستخبارات.

"دويتشه فيله"

وقال مصدر من داخل قناة "دويتشه فيله" الألمانية DW، إن مسألة استضافة المصادر من مصر أصبحت غاية في الصعوبة، نظرا للرقابة الأمنية المشددة. وضرب المصدر، متحفظا على ذكر اسمه، مثالا بأن فريق الإعداد للقناة الألمانية اتصل ذات مرة بالصحفي المصري خالد داوود لاستضافته على الهواء مباشرة من القاهرة، إلا أن شركة البث التي أصبحت تحت سيطرة الأمن رفضت ذلك، مما اضطر المحطة الألمانية إلى إجراء المداخلة مع داوود عن طريق تطبيق "سكايب".

والمعروف أن قنوات كبرى مثل "سي إن إن" الأمريكية لم يعد لديها مراسل ثابت في مصر منذ فترة طويلة. كما يخطط "المجلس الأعلى للإعلام" الذي أنشأه عبد الفتاح السيسي ليكون بديلًا عن وزارة الإعلام يسعى لتأسيس شركة، للاستحواذ على أجهزة البث الفضائي كلّها وجمعها في مكان واحد لا يتم البث إلا من خلاله.

وأصدر المجلس بدوره 86 قرارًا بعقوبات مختلفة على وسائل الإعلام والعاملين فيها خلال عامين فقط من تأسيسه.

وكالات الأنباء

وكالات الأنباء الدولية لم تسلم أيضًا من محاولات الأجهزة الأمنية للسيطرة عليها وإخضاعها للرقابة المشددة، حتى الوكالات الناطقة بلسان دول صديقة مثل روسيا التي تتسق مواقفها الدولية إلى حد كبير مع الموقف المصري.

وكشفت مصادر داخل وكالة الأنباء الروسية وموقعها الإلكتروني "سبوتنيك عربي"، ومقرها في منطقة الزمالك، عن أن هناك محاولات مستمرة للتضييق على مكتب الوكالة في القاهرة عن طريق المركز الصحفي للمراسلين الأجانب التابع لـ "الهيئة العامة للاستعلامات"، ويديره محمد إمام، إذ يرفض استخراج تصريحات للمراسلين الصحفيين بالوكالة، ويعطل العملية لفترات طويلة.

وفي سياق التضييق على المكاتب الأجنبية، قررت إدارة "روسيا سيغودنيا"، الشركة الأم المالكة لـ"سبوتنيك" و"آر تي"، وغيرهما من المؤسسات الصحفية الروسية، نقل المدير الإقليمي لـ"سبوتنيك" نديم الزواوي، وهو روسي من أصول جزائرية، من القاهرة إلى مكتب الوكالة في العاصمة البلجيكية بروكسل. وقال المصدر إن الأجهزة الأمنية تحاول الدفع بأحد رجالها لإدارة المكتب، وطُرح بالفعل اسم جمال الشناوي، رئيس التحرير السابق لقناة "أون تي في" التي سيطرت عليها المخابرات العامة.

ومؤخرا، كشفت مصادر مطلعة عن أن الهيئة الوطنية للصحافة، برئاسة كرم جبر، أصدرت تعليمات إلى مجالس إدارات الصحف القومية بحذف المواقع الإلكترونية الخاصة بإصداراتها الشهرية والأسبوعية، فضلا عن مواقع الإصدارات اليومية غير الرئيسية على غرار "الأهرام المسائي" و"الأخبار المسائي" و"المساء".

وشملت قائمة الحذف المواقع الإلكترونية لإصدارات "الأهرام العربي"، و"الأهرام الاقتصادي"، و"الأهرام الرياضي"، و"الأهرام ويكلي"، و"الشباب" و"السياسة الدولية" و"مجلة الديمقراطية"، و"آخر ساعة"، و"أخبار الرياضة"، و"أخبار الأدب"، و"أخبار الحوادث"، و"عقيدتي"، و"حريتي"، و"الرأي"، و"الكورة والملاعب".

وصدّرت الأجهزة الأمنية حجة ترشيد النفقات لتبرير خطوات القمع. كما يواجه الآلاف من الصحفيين والإداريين والعمال في الصحف الحكومية خطر التشريد، في حال تقليص أعداد الصحف القومية، وبيع أصول عدد من مقرات المؤسسات الصحفية التي تُقدر بمليارات الجنيهات، خصوصاً مع تراكم الديون على تلك المؤسسات لصالح مصلحة الضرائب، وهيئة التأمينات، وتجاوزها نحو 19 مليار جنيه.

Facebook Comments