يحاول جاريد كوشنر، مُحلًل “صفقة القرن” وصهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأحد كبار مستشاريه، أن يروج لصفقة القرن التي تقضي بانتزاع جزء من سيناء لتوطين الفلسطينيين، من أجل استكمال الكيان الصهيوني للسيطرة على القدس وباقي الأراضي الفلسطينية، ويبحث لها عن مخرج يقنع العرب دون أن ينزع فتيل هذه القنبلة المدوية على المنطقة بأثرها، بعد رفض الشعوب العربية لهذه الصفقة التي يلهث وراءها حكامهم، وعلى رأسهم قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي والسعودية والإمارات.

إلا أن الجديد في محاولات كوشنر لتمرير صفقة القرن، المحاولة الساذجة الأخيرة التي ظهر فيها بدور “السمسار” وصرح من خلالها أمس، بأن صفقة القرن هي صفقة تجارية بإقامة مشروعات استثمارية تعمل على تحسين الأحوال المعيشية المحلية، للدول المشركة في صفقة القرن، وعلى رأسها الكيان الصهيوني وفلسطين، من خلال شراكة الدول العربية التي سيكون لها نصيب في هذه الصفقة.

وتحدث كوشنر عن تأثيرات الخطة السياسية لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على الاقتصاد في المنطقة، قائلا: “لا أعتقد أن الأثر الاقتصادي للخطة سيقتصر على الإسرائيليين والفلسطينيين فقط، بل سيشمل المنطقة برمتها، بما في ذلك الأردن ومصر ولبنان”.

الأمر الذي رد عليه محللون، بأن مقترح «صفقة القرن» الذي خرج به كوشنر ساذج وأبله وغير ناضج، وهو يحظى بترويج كبير، ولكنه فقير في مضمونه.

حيث يزعم كوشنر ببساطة أن فريقه لم يركز كثيراً على القضايا التفصيلية، ولكن على العوائق الرئيسية التي حالت دون استفادة الشعب الفلسطيني بصورة كاملة من قدراته، والتي «حالت دون اندماج الإسرائيليين كما ينبغي في المنطقة ككل» بحسب تعبيره.

وتمادى كوشنر في سذاجته، بأن صفقة القرن ستعالج قضايا الوضع النهائي، وقال إنه في الوقت الحالي يحاول من أجل إتمام الصفقة عدم الإفصاح عن مضمونها لكي لا تفسد إتمام الصفقات، مثل وضع القدس واللاجئين الفلسطينيين والمستوطنات اليهودية، والحدود النهائية والترتيبات الأمنية، والعلاقات الثنائية بين إسرائيل وفلسطين، رغم أن الفلسطينيين يركزون على قضايا وجودهم تماماً مثلما يفعل الإسرائيليون.

وزعم كوشنر إن خطته تركز على أربعة مبادئ: الحرية والاحترام والفرصة والأمن، مضيفا أن الإدارة الأمريكية التي يمثلها من المفترض أنها تريد «أن ينعم الناس بالحرية، حرية الفرص والدين والعبادة بغض النظر عن معتقداتهم».

فيما رد خليل جهشان، المدير التنفيذي للمركز العربي في واشنطن، في مقالة كتبها بموقع Lobe Log الأمريكي: “لسوء الحظ، أهمل مستشار ترامب ذكر قضايا أساسية أخرى ضرورية لإنهاء الصراع في المنطقة، مثل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي المستمر منذ 52 عاماً للأراضي الفلسطينية، أو تقرير الشعب الفلسطيني لمصيره، أو حل الدولتين، الذي يعتبر الخيار التقليدي لإنهاء الصراع الناتج عن عقود من محاولات تحقيق السلام في المنطقة. ومن الواضح أن كوشنر أخفق في إدراك أنه يتعامل مع قضية يهيمن عليها الجانب السياسي، وليست قضية فرص اقتصادية محدودة أو قيود على حرية ممارسة الحقوق الدينية”.

وأضاف جهشان أن كوشنر ركز على الحاجة إلى الاحترام، معرباً عن رغبته في أن «تكون كرامة الناس مصونة وأن يحترم بعضهم بعضاً»، مؤكدا أن هذه الرغبة الساذجة رغم مقصدها الحسن لا معنى لها عملياً لأناس عاشوا تحت نير الاحتلال القمعي لعقود. ومن المستحيل صراحة أن يتبادل طرفان الاحترام فيما يهيمن أحدهما على الآخر عسكرياً. إن العيش بكرامة واحترام متبادل يتطلب تغييراً جوهرياً في النموذج السائد لاحتلال إسرائيل طويل الأمد أو الدائم لفلسطين.

وقالت تقارير إن المراقبين الفلسطينيين لم يتأثروا بتصريحات كوشنر، ويواصلون التشكيك في التزامه بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإعمال الحقوق الأساسية الفلسطينية، حيث وصف الأمين العام لمنظمة التحرير الفلسطينية، صائب عريقات، خطة كوشنر للسلام بأنها «في صالح المستوطنين»، مضيفاً أن أي خطة تفشل في ضمان قيام دولة فلسطينية مستقلة داخل حدود عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، «لا تستحق المناقشة».

وزار جاريد كوشنر، في الفترة من 25 إلى 28 فبراير 6 دول في الشرق الأوسط، وهي البحرين، وعُمان، وقطر، والمملكة العربية السعودية، وتركيا، والإمارات العربية المتحدة. وقد روّج لمبادرته المثيرة للجدل لدى قادة بعض الدول العربية والإسلامية الذين تأمل واشنطن أن يُقرُّوا في نهاية المطاف بما يُوصف بأنه خطة اقتصادية للمنطقة ويمولونها.

وبدأ كوشنر رحلته بحملة إعلامية مصغرة عن طريق إجراء مقابلة حظيت بتغطية إعلامية كبيرة مع قناة سكاي نيوز عربية الإماراتية يوم 25 فبراير ، وقال إن خطته أصبحت جاهزة لإطلاع الجهات المعنية عليها، فقد اعتذر، مثلما فعل في الماضي، لعدم رغبته في الكشف عن بعض التفاصيل المهمة حول مضمونها، والتي أصر على أنها مبنية على عامين من المشاورات مع عدد من أطراف الصراع.

ومع ذلك، أقر كوشنر بأن طبيعة مبادرته «اقتصادية» في جوهرها، وتهدف إلى توفير فرص تجارية للمواطنين في الشرق الأوسط، بمن فيهم الفلسطينيون والإسرائيليون، لتحسين مستوى معيشتهم، الذي جرى إبطاء تحسنه في الماضي نتيجة الصراع الدائر في المنطقة.

وأضاف أن خطة السلام هذه ليست الأولى من نوعها في المنطقة بأي حال من الأحوال. ومع ذلك، في تصريح يهدف إلى خدمة مصالحه الشخصية، زعم كوشنر أن بنودها، رغم أنها لم تتغير بصورة كبيرة على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية، أكثر عملية وعدلاً من المحاولات السابقة لتحقيق السلام؛ وهذا ما يتطلب إبقاءها طيّ الكتمان، لمنع تسريبها قبل الأوان وفشلها مثلما حدث من قبل مع بعض الأطراف الرئيسية التي رفضت تقديم التنازلات اللازمة.

وصرح كوشنر، في مقابلته التي جرى الإعداد لها جيداً، بأن خطته تقوم على «حلول واقعية وعادلة لهذه القضايا في عام 2019».

المنطق الذي تبناه كوشنر بحكم أنه أحد أباطرة مهنة تجارة العقارات، لم يقنع الكثير حيث إنه أخفق في تقدير -وهو يؤدي دور الدبلوماسي- أن العالم الحقيقي أكثر تعقيداً من صفقة تجارية أو فرصة مشروع. إذ يشمل الصراع في فلسطين الحقوق الإنسانية والسياسية الأساسية التي حُرِمت منها، ولا يمكن معالجة مثل هذا الوضع بطريقة سحرية عن طريق زيادة فرص اقتصادية، تشمل محاولات جادة لتحسين الأحوال المعيشية المحلية.

وقال متابعون إن كوشنر مُحق في قوله إن الأمن عنصر أساسي في أي صيغة يمكنها حل قضية فلسطين. ومع ذلك، أخفق كوشنر، مثل سابقيه الذي حاولوا تحقيق السلام، في تحديد الطبيعة المزدوجة للأمن، مؤكدين أنه ، ليس أمام الفلسطينيين خيار سوى رفضها بسبب إخفاقها في ضمان قيام الدولة الفلسطينية علناً وصراحةً في سياق حل الدولتين. ولن تؤيدها الدول العربية، بما فيها السعودية، التي تعتبر موافقتها على خطة كوشنر وتمويلها عاملاً حاسماً في استمرارها، طالما أن الجانب الفلسطيني لا يفعل.

وكان قد تحدث كوشنر عن تأثيرات الخطة السياسية لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على الاقتصاد في المنطقة، قائلا: “لا أعتقد أن الأثر الاقتصادي للخطة سيقتصر على الإسرائيليين والفلسطينيين فقط، بل سيشمل المنطقة برمتها، بما في ذلك الأردن ومصر ولبنان”.

وأضاف: “الخطة السياسية مفصلة جدا وتركز على ترسيم الحدود وحل قضايا الوضع النهائي، لكن الهدف من حل قضية الحدود هو القضاء على هذه الحدود. وإذا تمكنا من إزالة الحدود وإحلال السلام بعيدا عن الترهيب، يمكن أن يضمن ذلك التدفق الحر للناس والسلع ويؤدي ذلك إلى إيجاد فرص جديدة”.

وربط كوشنر في خطة السلام بين المسارين السياسي والاقتصادي، معتبرا أن الحد من التوتر بين الفلسطينيين والإسرائيليين من شأنه “تحسين فرص الاقتصاد الفلسطيني الذي كان مقيدا في ظل غياب السلام”.

كما أعرب عن أمله بوجود حكومة فلسطينية واحدة تجمع الضفة الغربية بقطاع غزة، مضيفا: “يوجد فصل جغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، لكننا نود أن نراهما موحدتين تحت قيادة واحدة تسمح للشعب الفلسطيني في أن يعيش الحياة التي يصبو إليها”.

رابط دائم