في ظل ظروف مأساوية بالغة الحرج محليًا وإقليميًا، يعقد النظام العسكري السلطوي ما يسمى بمؤتمر الشباب الخامس بالقاهرة بمشاركة الجنرال قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي وكبار المسئولين بنظام 30 يونيو وحفنة من الشباب الذين تم اختيارهم عبر الأجهزة الأمنية من الموالين للنظام .

وشهد اليوم الأول للمؤتمر عدة مشاهد مسرحية هي أقرب إلى المأساة منها إلى الكوميديا، لكنها في ذات الوقت تعكس ملامح الصورة الباهتة والحزينة لمصر بعد انقلاب 3 يوليو 2013م والذي أفضى إلى إجهاض المسار الديمقراطي والعودة إلى ما هو أسوأ من مرحلة مبارك قبل ثورة 25 يناير2011م سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي.

لكن الأبرز في اليوم الأول للمؤتمر ، إضافة إلى تكريس السلطوية العسكرية هو بروز الرأسمالية المتوحشة التي لا ترحم فقيرًا ولا تراعي محدودي الدخل، بل إن تصريحات الجنرال اليوم جاءت لتؤكد أن الحكومة تخلت عن دورها الاجتماعي وباتت تتعامل مع الشعب بمنطق رجال الأعمال الذين لا هم لهم سوى الأرباح على حساب الإنسان والشعب.

“مش معاك متركبش”!

الصورة الأولى من المؤتمر هي دفاع الجنرال عن سياسات الحكومة التي تعكس الرأسمالية المتوحشة برفع أسعار جميع السلع والخدمات دون النظر إلى مستويات الفقر وثبات المرتبات والأجور؛ حيث أكد السيسي، أن قطاع مترو الأنفاق يحتاج إلى الإصلاح، مشيرًا إلى أن تنفيذ إجراءات الإصلاح المدروسة، لابد أن تراعي خصوصية الحالة المصرية لكي تنجح.

وزعم الجنرال أن سعر التذكرة الحقيقي للمترو يتراوح بين 14 و16 جنيهًا . وأضاف السيسي، أن «قرار زيادة أسعار التذاكر لم يكن منه مفر، ومع ذلك حاولت الدولة تخفيف وطأة ارتفاع الأسعار على المواطن من خلال تقديم الاشتراكات المدعمة».

وتابع، أنه منذ عام قال الدكتور هشام عرفات، وزير النقل، إن الوزارة مضطرة لإخراج خط «المرج-حلوان» من الخدمة؛ نظرًا لاحتياجه للصيانة ورفع الكفاءة بتكلفة 30 مليار جنيه، مستدركًا : «عايز مني 30 مليار جنيه، أجيبهم منين دول؟، ده إحنا لسه مسددناش القرض الأول، ولو خدنا قرض تاني هنعمل إيه في الفوائد؟».

وأضاف السيسي : «قلتله بتقدر تجيب مصاريف التشغيل يعني صيانة ومرتبات عاملين؟، قالي لأ، يعني لو لمبة اتحرقت في المترو مش هنعرف نصلحها، لذا كان قرار رفع تذكرة المترو ضروري».

وعن الرفض الذي قابله ارتفاع تذكرة المترو، قال السيسي: «هو إنت لما بتركب أي مواصلة قطاع خاص تقوله مش معايا، هيقولك مش معاك ماتركبش، لو قلتله مش معايا مش هيوقف لك أصلًا»، مضيفا «لو ماخدتش القرار هبقى قصرت في حقكم».

الخوف من الاحتجاجات الشعبية

الصورة الثانية هي تعبير الجنرال عن تخوفاته مما سماه “الإجراء الاحتجاجي الواسع” مؤخراً، بدعوى تأثيره السلبي على “استقرار الدولة”، وقطاع السياحة، وذلك في إشارة إلى الاحتجاجات التي صاحبت قرار زيادة أسعار تذاكر مترو الأنفاق بنسبة تصل إلى 350%، ودفعه بمصفحات الأمن المركزي لتطويق محطات المترو، ونشر فرق قتالية لردع المحتجين داخل المحطات الرئيسية.

وقال السيسي مخاطباً المصريين : “أنتم وليتموني المسؤولية في الحفاظ على مصر، وأنا خايف عليها.. وخايف من إن الإجراء الاحتجاجي الواسع اللي بيقوموا بيه يأثر على البلد، لأنهم في الآخر بيرجعوا يناموا في البيت .. وما يعرفوش نتائجه على الدولة واستقرارها، والسياحة ومختلف القطاعات .. ودي الصورة المكتملة التي يجب رؤيتها”.

وأضاف قائد الانقلاب في إشارة منه إلى قمع معارضيه : “.. مافيش حد عايز يتعامل مع أهله وناسه بإساءة، وإلا يبقى عنده مشكلة.. ويبقى شخصية صعبة أوي، ويبقى عايز يؤذي الناس” ، محاولاً تبرير الانتهاكات التي يقوم بها هو ونظامه ضد كل من يصرخ غاضبا من جموع الشعب .

وتابع: “أتصور انكم عارفيني كويس، وأنا بحب كل الناس حتى الأعادي، ولا أسمح بأي أذى يمس المواطن.. لكن يوجد خيط رفيع بين النوايا الحسنة والخبيثة، والنتائج الهدامة .. والمواطنين خرجوا في 25 يناير 2011 رغبة في التغيير نحو مستقبل أفضل .. والدولة راعت عدم الوصول إلى نتائج هدامة لتحقيق أهداف هؤلاء المواطنين”.

وتؤكد هذه التصريحات مخاوف الجنرال من اندلاع ثورة شعبية تطيح بنظامه الاستبدادي؛ لذلك سن قانون التظاهر واعتقل مئات الآلاف خلال السنوات الماضية بعد 3 يوليو 2013 منهم أكثر من ستين ألفا لا يزالون قابعين في السجون حتى اليوم بتهم ملفقة، وكذلك يتعجل الانتقال إلى العاصمة الإدارية حتى يتحصن بها من سيناريوهات الثورة المرتقبة.

رابط دائم