منذ صدور قانون مصري جديد لتنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر في الثالث عشر من تموز/ يوليو الحالي، وتصريحات المسؤولين ووسائل الإعلام تبشر بالمزايا العديدة التي أتى بها القانون، حيث ستكون هناك وحدات منتشرة في الأقاليم تضم مندوبي الجهات الحكومية المختلفة لتقديم الخدمات لتلك المشروعات، متضمنة استخراج الموافقات أو التصاريح أو التراخيص، بما يحل أكبر مشكلة تواجه تلك النوعية من المشروعات وهي البيروقراطية خلال الحصول على التراخيض الرسمية، والتي تدفع الكثيرين منهم للقيام بمدفوعات غير رسمية لإنجاز تلك الموافقات، كما تضمن القانون الجديد تخصيص نسبة 30 في المئة من الأراضي الشاغرة، سواء في المناطق الصناعية أو السياحية أو بالمجتمعات العمرانية، وكذلك بأراضي الاستصلاح وغير ذلك من جهات الولاية على الأراضي.

وهو ما يساهم في حل مشكلة رئيسية تواجه تلك المشروعات الصغيرة منذ سنوات طويلة، حيث يستولي كبار المستثمرين بما لديهم من قدرات مالية على النصيب الأكبر من تلك الأراضي. ولم يكتف القانون الجديد بتخصيص تلك النسبة من الأراضي، بل إنه حدد سعر بيع تلك الأراضي للمشروعات الصغيرة في حدود تكلفة المرافق.

وهو ما يحل أيضا مشكلة الشكوى من ارتفاع أسعار الأراضي الصناعية، وكذلك أسعار الأراضي المطروحة من قبل نظام المطور الصناعي، الذي يقوم بشراء أراض صحراوية ويقوم بإدخال المرافق لها، ثم يعيد بيعها للمستثمرين بأسعار يشكو بعضهم من ارتفاعها.

ولم يكتف القانون بذلك، بل إنه شكل لجنة في كل محافظة يرأسها أحد أعضاء الجهات القضائية بدرجة مستشار يتم ندبه لذلك، ويشترك في عضويتها ممثل عن الغرفة التجارية أو الصناعية بحسب الأحوال، وعضو آخر عن جهاز المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، للنظر في التظلمات من القرارات الإدارية بإغلاق المشروعات الصغيرة أو وقفها.

نفس الحلول موجودة من 16 عاما

وهكذا يكون القانون الجديد قد حل غالبية مشاكل الصناعات الصغيرة المتراكمة منذ سنوات عديدة كما تقول وسائل الإعلام، لكن الحقيقة المرة أنها تمت على الورق فقط، وذلك لأن كل تلك الحلول التي ذكرها القانون الجديد وأكثر منها، موجودة بقانون تنمية المشروعات الصغيرة الذي صدر في حزيران/ يونيو عام 2004، أي منذ 16 عاما، دون أن يتحول معظمها إلى واقع عملي.

وإذا كان قانون إنشاء جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، وهو الجهة الرسمية المسؤولة حاليا عن المشروعات المتوسطة والصغيرة والمتناهية الصغر والذي صدر في نيسان/ أبريل 2017، قد جعله يحل حل مكان الصندوق الاجتماعي للتنمية الذي يعود إنشاؤه إلى عام 1991، فإن قانون المنشآت الصغيرة الصادر منذ 16 عاما قد أناط بالصندوق الاجتماعي للتنمية عند صدوره؛ مهمة الإشراف على المنشأت الصغيرة والتنسيق بين الجهات المتعاملة معها، سواء حكومية أو حكومية.

وتضمن قانون عام 2004 في المادة الثالثة منه إنشاء الصندوق في مكاتبه وفروعه بالمحافظات؛ وحدات لخدمات المنشآت الصغيرة ومتناهية الصغر، تتولى بناء على طلب أصحاب المنشآت كافة إجراءات التشغيل وإستصدار التراخيص والموافقات والبطاقات، وتضم تلك الوحدات مندوبين عن مصلحة الشركات والضرائب والسجل التجاري والهيئات المختصة بالولاية على الأراضي.

وإذا كان القانون الجديد قد خصص نسبة 30 في المئة من الأراضي الشاغرة للمشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، فقد خصص القانون القديم نسبة 10 في المئة فقط بنفس المناطق الصناعية والسياحية والمجتمعات العمرانية وأراضي الاستصلاح الزراعي، لكن تنازع الاختصاصات بين جهات الولاية على الأراضي لم ينته بعد، وكان من أسباب إلغاء وزارة الاستثمار مؤخرا وإسناد ملف الاستثمار لرئيس الوزراء، حتى يقلل الهوة بين جهات الولاية عل الأراضي.

والطريف أن تحديد القانون الجديد لسعر الأرض للمشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر بنفس تكلفة سعر إدخال المرافق إليها، كان موجودا بنفس النص في المادة 11 من القانون القديم، لكن التنفيذ العملي حتى لنسبة العشرة في المئة لم يكن سهلا، بدليل استمرار الشكوى من صعوبة الحصول على الأراضي من قبل تلك المشروعات الصغيرة.

كذلك تضمن القانون الجديد النص على تخصيص الوزارات والجهات الحكومية ووحدات الإدارة المحلية، نسبة لا تقل عن 20 في المئة من أعمالها للتعاقد مع المشروعات المتوسطة، ونسبة لا تقل عن 20 في المئة للتعاقد مع المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، بشراء منتجاتها أو تنفيذها للخدمات التي تحتاجها أو تنفيذها لمقاولات الأعمال التي تحتاجها.

الجهات الحكومية لا تشجع المنتج المحلي

وكانت تلك النسبة 10 في المئة فقط في القانون القديم الصادر منذ 16 عاما، مع نص لائحة القانون القديم على إصدار وحدات الصندوق الاجتماعي بالمحافظات نشرة نصف سنوية بالمنشآت، التي قامت بتسجليها لتقوم بإرسالها لجهات الإدارة المحلية حتى تتعامل معها.

ورغم صدور قانون آخر في كانون الثاني/ يناير 2015 والخاص بتفضيل المنتجات المصرية بالعقود الحكومية، والنص بألا تقل نسبة المكون الصناعي المصري عن 40 في المئة من القيمة التقديرية للمشروع، إلا أن هذا القانون ما زال عدم تطبيقه مثار شكوى المستثمرين، خاصة مع تداعيات فيروس كورونا السلبية عليهم، وصعوبات التصدير التي تواجههم، وحاجتهم لتصريف جانب من منتجاتهم في الأسواق المحلية.

وإذا كان قانون المشروعات الصغيرة الصادر هذا الشهر قد نص على إدراج تمويل ميسّر للمشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر؛ في الخطة السنوية للدولة وفي الموازنة العامة للدولة، فقد كان نفس النص موجودا في المادة السادسة من القانون القديم لكنه لم يتم تنفيذه. ولم تتضمن بيانات الدعم التفصيلي الذي تعلنه وزارة المالية أي مخصص سوى مبلغ محدود لدعم قروض الإسكان؛ يتجه جزء منه لهيئة تعاونيات البناء وبنك الإسكان والتعمير، وجزء لمشروعات إسكان الجيش.

واذا كان النص الموجود لتخصيص تمويل ميسر للمشروعات الصغيرة منذ 16 عاما لم يطبق خلال تلك السنوات، فهل يمكن تطبيقه في ظل الأزمة الخانقة لموارد وزارة المالية حاليا، في ظل تراجع الإيرادات الضريبية بسبب تداعيات فيروس كورونا على القطاعات الاقتصادية؟

كذلك تضمن القانون القديم تشكيل لجان التظلم بالمحافظات من قرارات الإغلاق الإدارية وبنفس التشكيل، برئاسة أحد رجال القضاة، كما تشابه القانونان في النص على دفع المشروعات الصغيرة نصف المقابل المطلوب في الأماكن التي تخصصها الأحياء والأجهزة الحكومية لتوزيع السلع.

صناديق التمويل في المحافظات لم تنفذ

وإذا كان القانون الجديد سيعطى شهادة بتوفيق الأوضاع للمشروعات كى يتعامل بها المشروع مع الجهات الحكومية، فقد كان القانون القديم يعطي رقما قوميا لكل منشأة قام بتسجيلها كي تستخدمه في تعاملاتها مع الجهات الحكومية.

بل إن نفس الخدمات التي حددها القانون الجديد لجهاز تنمية المشروعات لتقديمها لتلك المشروعات، من إعداد دراسات جدوى وتقديم المشورة عن أماكن شراء الآلات والتعريف بالمعارض المحلية والدولية والتعريف بالمخاطر التي يمكن أن تتعرض لها المشروعات، وغير ذلك من خدمات، هي نفسها في المادة 66 من القانون الجديد منقولة بالترتيب من المادة 14 من القانون القديم.

والغريب أيضا أن نصوص القانون القديم الذي ألغاه إصدار القانون الجديد؛ كانت فيه من المزايا التي لا توجد في القانون الجديد، ومنها إنشاء صناديق في المحافظات لتمويل المشروعات الصغيرة، على أن يوفر الصندوق الاجتماعي للتنمية تمويلا لها بسعر فائدة يقل عن تكلفة اقتراضه من أسواق المال المحلية والدولية، على أن تقوم وزارة المالية بسداد فارق سعر تكلفة الفائدة، لكن تلك الصناديق للتمويل لم تر النور في أي محافظة!

وإذا كان القانون الجديد قد نص على إصدار ترخيص مؤقت للمشروعات صالح لمدة سنة خلال خمسة أيام عمل من تاريخ تقديم طلبات الترخيص، فإن القانون القديم كان ينص على إصدار وحدات تقديم الخدمات في المحافظات ترخيصا مؤقتا لمزاولة النشاط، فور استيفاء النموذج المعد لهذا الغرض مرفقة به المستندات المطلوبة لحين استصدار التراخيص النهائية.

وهكذا يتضح أن الهم لأصحاب المشروعات الصغيرة والعاملين فيها هو تحول تلك النصوص القانونية، سواء القديمة أو الجديدة، إلى واقع عملى يخفف من معاناة تلك المشروعات الصغيرة في ظل تداعيات كورونا وتراجع القدرات الشرائية للجمهور، وبالتالي انخفاض المبيعات والتسويق للمنتجات والخدمات، وهو ما يؤثر على دخول العاملين في تلك المشروعات والتي تستوعب النصيب الأكبر من العمالة بمصر.
——-
نقلاً عن "عربي21"

Facebook Comments