مرت 6 سنوات من السواد الحالك على مصر منذ تظاهرات 30 يونيو التي أفضت لانقلاب عسكري غاشم نفذه السيسي وعساكره، جنى خلالها المصريون بكافة فئاتهم الذل والفقر والهوان والقمع الذي لم يروه من قبل.
فعلى صعيد الأشخاص الذين تولوا الدعوة لتظاهرات 30 يونيو وناصروا انقلاب 3 يوليو الدموي، فهم ما بين سجين وممنوع من السفر أو مطرود خارج مصر بفضيحة أخلاقية وتشويه لسمعته كخالد يوسف.
أما بالنسبة للبرامج والطموحات والأماني التي نسجت لها الندوات وعقدت لها المؤتمرات وغنت لها الأغاني وبشرت بها المسلسلات، فلم يتحقق منها شيء فلا عيش ولا كرامة ولا عدالة، بل الغلاء تضاعف والديون فاقت العقل والمنطق والاستثمارات تحولت لخدمة الأغنياء في العاصمة الإدارية وغيرها.
والأكثر من ذلك أن غذاء المصريين تحول لحلم لنحو 80% من أهالي مصر، بحسب إحصاءات البنك الدولي الذي حدد نسبة الفقر بـ60% من المصريين بينهم 80% فقر مدقع.
وعلى الصعيد الاستراتيجي تذيلت مصر مؤشرات جودة الحياة في كافة المؤشرات الدولية التي تراجعت فيها بنسب كبيرة منذ انقلاب العسكر في 3 يوليو 2013…في مجالات التعليم والأمن والصحة والثقافة وجودة الحياة…وغيرها.رفقاء السوءأما رفقاء السوء وشركاء 30 يونيو، فبدأ السيسي التخلص من كل من شاركه خطوات الانقلاب للانفراد بالحكم وحده من دون شريك يستشعر أنه صاحب فضل عليه.

وعلى مدار السنوات الست الماضية، دأب السيسي، على التخلص من شركائه من العسكريين والقوى السياسية التي كانت تعارض الرئيس المنتخب محمد مرسي، وقتها، والتي تجمعت فيما سمي بـ”جبهة الإنقاذ”، بطرق مختلفة، فتارة بالتشويه وتلويث السمعة وتارة أخرى بالسجن والتنكيل.

كان آخر من طالهم عقاب السيسي من الداعين لتظاهرات يونيو أعضاء المجموعة التي أطلق عليها إعلاميًا “تحالف الأمل”، والتي أعلنت أجهزة السيسي، قبل أيام قليلة من حلول الذكرى السادسة للثلاثين من يونيو، القبض عليهم، والزج بهم في السجون، مصحوبين بمجموعة من الاتهامات المعلبة، والتي تقدمها “التحالف مع جماعة الإخوان المسلمين لإحداث اضطرابات سياسية بالبلاد”، وهي التهمة التي يدرك القاصي والداني عدم منطقيتها في ظل الخلافات السياسية الكبيرة بين المجموعة التي ألقي القبض عليها من النشطاء السياسيين والجماعة، وفي مقدمة هؤلاء زياد العليمي، أحد أعضاء ائتلاف شباب ثورة 25 يناير 2011، والذي كانت قبة البرلمان شاهدة على مدى معارضته لجماعة “الإخوان” ولم يتعرض لأي سوء وقتها. بالإضافة إلى حسام مؤنس، والذي كان أحد المتحدثين باسم “جبهة الإنقاذ”، التي دعت إلى تظاهرات 30 يونيو 2013، بالإضافة إلى الصحفي اليساري هشام فؤاد.

وقبل تلك المجموعة، دفعت أجهزة السيسي بمجموعة أخرى من أبرز الوجوه الداعية إلى تظاهرات الثلاثين من يونيو إلى السجون لنحو 9 أشهر في ظروف قاسية، قبل أن يتم صدور قرار بإخلاء سبيلهم، مصحوبا بتدابير احترازية، ليظلوا في منازلهم رهن الإقامة الجبرية. وكان في مقدمة هؤلاء مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير معصوم مرزوق، والأكاديمي يحيى القزاز الذي كان من أشد المعارضين لحكم الرئيس مرسي، والخبير الاقتصادي ووكيل مؤسسي حزب “التيار الشعبي” رائد سلامة.

وفي سبتمبر 2018، أيدت محكمة جنايات شمال القاهرة قرار النيابة العامة بالتحفظ على أموال مرزوق و6 آخرين.

أحمد شفيق

ولم يكتفِ السيسي بمنع رأس حربة تظاهرات الثلاثين من يونيو، وهو الفريق أحمد شفيق، رئيس الوزراء الأسبق والمرشح الرئاسي الخاسر في 2012، من العودة للبلاد لنحو 5 سنوات، عاشها هاربًا في الإمارات، للتخطيط والمساعدة في التحركات الداعمة للانقلاب على ثورة 25 يناير، بل إن السيسي أمعن في إذلال قائد سلاح الجو السابق، بعدما أعلن نيته العودة لمصر، وخوض الانتخابات الرئاسية في 2018. فما إن أصدر بيانًا يكشف فيه نيّته خوض الانتخابات الرئاسية، حتى خاطب السيسي حلفاءه في أبوظبي، حيث تم احتجازه، قبل أن يتم نقله “شبه سجين” إلى مصر على طائرة خاصة، ليختفي بعدها عدة أيام، ويخرج معلنًا تراجعه، عقب تهديده بالسجن، لينتهي به الحال، إلى وضع أشبه بالإقامة الجبرية ومراقبة تحركاته بشكل دقيق.

حازم عبد العظيم

ولم يسلم أيضًا حازم عبد العظيم، الذي كان أحد أبرز وجوه “جبهة الإنقاذ”، ومسئول الشباب بحملة السيسي الانتخابية في الدورة الأولى في العام 2014، من التنكيل. ففي نهاية مايو 2018 ألقت قوة من جهاز الأمن الوطني القبض على عبد العظيم، البالغ من العمر 59 عامًا، بعد مداهمة منزله، قبل أن يصدر قرار بحبسه على ذمة قائمة من الاتهامات، شملت الاشتراك مع جماعة أنشئت على خلاف أحكام القانون، الغرض منها الدعوة إلى تعطيل أحكام الدستور والقوانين، ونشر أخبار ومعلومات وبيانات كاذبة عن الأوضاع السياسية والاقتصادية بالبلاد بقصد تكدير السلم العام وزعزعة الثقة في مؤسسات الدولة، وذلك من خلال وسائل الإعلام المختلفة وحساباته الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت. والتعامل الخشن مع عبد العظيم، من جانب أجهزة السيسي، جاء بعد تهديدات عدة له من جانب قيادات بجهاز المخابرات العامة، وتشويه من جانب وسائل الإعلام المملوكة لأجهزة النظام. وقام عبد العظيم، قبل وقت قصير من إلقاء القبض عليه، بنشر مكالمة هاتفية مسجلة لاتصال من أحد القيادات الأمنية يهدده فيها بالتنكيل إذا لم يتوقف عن مهاجمة وانتقاد السيسي، بعدما تحوّل عبد العظيم إلى معارض قوي للسيسي بعد اكتشاف زيف ما كان يدعو له إبّان الانقلاب العسكري. وأبدى عبدالعظيم ندمه على المشاركة في تظاهرات الثلاثين من يونيو، عبر عدة منشورات على حسابه في “تويتر”، مؤكدا أن مصر تعرضت لأكبر عملية خداع من جانب السيسي والعسكر.

حركة 6 أبريل

وقبل إلقاء القبض على “عبد العظيم” بأيام، كانت النيابة قد حبست المدونين والنشطاء السياسيين الذين كانوا من أبرز الوجوه الداعية لتظاهرات 30 يونيو، وائل عباس، وشادي الغزالي حرب، وشادي أبو زيد وهيثم محمدين، لمدة 15 يومًا على ذمة التحقيق في اتهامات شملت “التحريض ضد مؤسسات الدولة ونشر أخبار كاذبة من دون دليل أو معلومات موثقة، تستهدف الإضرار بمصالح مصر والترويج للفتنة”.

كذلك لم يشفع لمؤسس حركة “6 إبريل” أحمد ماهر معارضته العنيفة لمرسي إبان فترة حكمه، وتصدّره التحركات الداعية للانقلاب عليه. ففي وقت مبكر عقب الانقلاب العسكري، أصدرت محكمة في ديسمبر 2013، حكمًا بحبس ماهر برفقة آخرين، ثلاث سنوات والمراقبة لمدة مماثلة والغرامة خمسين ألف جنيه، بتهمة التحريض ومخالفة قانون التظاهر. وما إن أنهى ماهر فترة السجن، التي تعرض فيها للعديد من الانتهاكات، حتى بدأ رحلة ما يعرف بالتدابير الاحترازية، والتي تقتضي أن يقضي 12 ساعة يومياً في قسم الشرطة التابع له عقب انتهاء فترة حبسه، وهو الأمر الذي لم تكتفِ به أجهزة السيسي التي قررت إعادته مرة أخرى للسجن عبر تدبير واقعة مختلقة عبر أحد الأشخاص المتعاونين معهم للقبض عليه مجددًا. مخرج الفضائح.

خالد يوسف

أما المخرج السينمائي والنائب خالد يوسف، والمعروف إعلاميًّا بمخرج مشهد 30 يونيو، فتنطبق عليه مقولة أنه لقي “جزاء سنمار”. فيوسف، الذي شارك عبر طائرات القوات المسلحة بتصوير تظاهرات 30 يونيو، وتضخيمها، لتبدو وكأنها ثورة شعبية ضد الرئيس مرسي، ثم دعمه بكل ما أوتي من قوة للسيسي، ضد حمدين صباحي في انتخابات الرئاسة الأولى التي أعقبت الانقلاب العسكري في 2014، تلقى عقابًا قاسيًا من السيسي، لينتهي به الحال مطرودًا خارج البلاد، وغير قادر على العودة إلى مصر بسبب اتهامات أخلاقية. ففي 18 فبراير الماضي، غادر يوسف مصر عبر مطار القاهرة، هاربًا، على خلفية اتهامات بارتكاب أفعال فاضحة، في أعقاب قيام أجهزة السيسي بتسريب فيديوهات جنسية له مع اثتنين من الفنانات الجدد واللتين تم إلقاء القبض عليهما، قبل أن تتوالى البلاغات على مكتب النائب العام مطالبة برفع الحصانة البرلمانية عنه، للتحقيق معه في نحو 50 مقطع فيديو يمارس خلالها الجنس مع فنانات وسيدات مجتمع. وكان يوسف قد دأب على تشويه صورة الإسلاميين، إبان العام الذي تولى فيه الرئيس مرسي الحكم، عبر توجيه اتهامات لهم “بالتفرغ للسعي خلف النساء”، قائلاً – خلال استضافته في أحد البرامج -: “إنهم لا يفكرون إلا بنصفهم التحتاني فقط”، وهو ما ثبت أنه كان يتكلم عن نفسه.

أحمد الزند

وكذلك وزير العدل السابق ورئيس نادي القضاة إبان حكم الرئيس مرسي، المستشار أحمد الزند، والذي حوّل نادي القضاة إلى منصة هجوم على مرسي، دأب على تأكيد دوره في الإطاحة بالرئيس الراحل خلال الجلسات الخاصة، وتشديده على ضرورة حصوله على التقدير السياسي اللازم، عبر تولي منصب لا يقل عن رئيس الوزراء، قبل أن يكلفه السيسي بحقيبة وزارة العدل ليقبلها على مضض. وبعد ذلك سعى الزند لتسويق نفسه والترويج لتولي منصب رئيس مجلس النواب في أول انتخابات برلمانية عقب الانقلاب العسكري في 2015. وقتها وصلت للسيسي تقارير بأحاديث الزند، خلال لقاءاته الخاصة في الأوساط السياسية، عن تعظيم دوره وكونه شريكًا أساسيًا في مشهد 30 يونيو. وجاءت الفرصة للسيسي للتخلص مع الزند، بعد زلة لسان للأخير خلال استضافته على قناة “صدى البلد” في مارس 2016، عندما قال “إنه لم يدخل في خصومة مع الصحفيين إلا بعد الخوض في أهل بيته، والسجون خلقت من أجل هؤلاء. أمال السجون اتعملت ليه؟” فسأله مقدم البرنامج الصحفي حمدي رزق “هتحبس صحفيين”؟، فرد الزند قائلاً: “إن شاء الله يكون النبي صلى الله عليه وسلم. المخطئ أيًّا كان صفته يتحبس”. وطلبت أجهزة السيسي من الزند أن يتقدم باستقالته طواعية من منصبه بعدما قامت تلك الأجهزة، بتأجيج الرأي العام ضده عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ليرفض الزند ويتمسك بمنصبه، مهددًا، خلال أحاديث مع مقربين، بكشف الكثير من الحقائق، قبل أن يصدر رئيس الوزراء قرارًا بإقالته من منصبه، ليتم بعدها توجيه تحذير شديد اللهجة بتحريك بلاغات الفساد وتضخم الثروة الخاصة به، بعد استيلائه على آلاف الأفدنة في طريق مصر إسكندرية الصحراوي، ومدينة الحمام في مرسى مطروح، وكذلك الاستيلاء على الكثير من الوحدات السكنية والأراضي الخاصة بمشاريع القضاة من دون وجه حق خلال توليه رئاسة نادي القضاة.

المنسحبون طواعية

في مقابل ذلك، انتهى الحال بعدد من الرموز السياسية التي دعمت الانقلاب العسكري، بالدعوة لتظاهرات 30 يونيو، باعتزال الحياة السياسية، مؤكدين أن هذا القرار جاء بعد انسداد الأفق السياسي، مثل عمرو حمزاوي الذي أعلن اعتزال العمل السياسي في بيان رسمي، والمرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي الذي توارى بشكل تام عن الأنظار. واكتفى آخرون بالتغريد فقط على مواقع التواصل الاجتماعي في أضيق الحدود من خارج البلاد، وفي مقدمة هؤلاء نائب رئيس الجمهورية السابق محمد البرادعي، الذي اتخذ من فيينا منفى اختياريًا له، وكذلك الروائي والكاتب علاء الأسواني، الذي أدى دورًا كبيرًا عقب انقلاب الثالث من يوليو، في تسويق الانقلاب ومجازره الدموية بحق أنصار مرسي لدى الغرب عبر سلسلة ندوات نظمت له في العواصم الأوروبية. الأمر نفسه ينطبق على الناشط علاء عبد الفتاح، الذي أنهى منتصف العام الحالي فترة السجن الصادر بحقه في حكم قضائي بخمس سنوات عقب انقلاب الثالث من يوليو.

باسم يوسف

ومن جهته، قام الإعلامي الساخر باسم يوسف بتغيير نشاطه من العمل الإعلامي السياسي إبّان عهد مرسي، بعدما كال له انتقادات سياسية كبيرة، قبل أن يتم منعه من العمل في عهد السيسي، ودفعه للخروج من البلاد بعد حملات تشويه إعلامية، شنّها إعلاميون محسوبون على أجهزة النظام. وتحوّل يوسف أخيراً للبرامج المتخصصة في تقديم الاستشارات الغذائية النباتية. وفي سياق قريب، أعلن الأكاديمي المصري عصام حجي، الذي تولى منصب المستشار العلمي لرئيس الجمهورية المؤقت عدلي منصور عقب الانقلاب العسكري، ندمه على المشاركة في الانقلاب. وقال، خلال نعيه مرسي قبل أيام من حلول الذكرى السادسة للانقلاب، “كان رئيسًا منصفًا للعلم، ومات محاربًا للجهل”، مضيفًا، في تصريحات إعلامية: “أشعر بالندم على المشاركة في 30 يونيو، فقد كانت أكبر عملية لتغييب العقول في العصر الحديث”. وتابع أنه أخطأ والعلم والتعليم لا يمنعه من الخطأ.

..وهكذا تتحول ذكرى 30 يونيو لمأساة بحق الشعب المصري الذي يواجه غلاء غير مسبوق وغياب للامن الاجتماعي والسياسي والغذائي بطريقة بشعة…بل طال الاجرام والقمع كل من ايد 30 يونيو، سواء بالفضائح او بالابعاد أو بالطرد أو بالاعتقال.

Facebook Comments