أمام دعوات أممية لتطبيق العقوبات الدولية على المخالفين لقرار حظر توريد السلاح إلى ليبيا، احتالت فرنسا بقيادة ماكرون لابعاد الإتهام عن الإمارات بتوريدها أسلحة امريكية متطورة تعمل بالأشعة تحت الحمراء في اصطياد الدبابات إلى مليشيات حفتر المعتدية على العاصمة الليبية طرابلس.

وفي أول تصريح لمتحدث أممي بشأن حصول قوات حفتر على أسلحة بدعم إماراتي فرنسي قال أمين عام الأمم المتحدة “جوتيريش” في مؤتمر صحفي إنه يدعو جميع الدول إلى التعاون مع لجنة مجلس الأمن للعقوبات المتعلقة بحظر السلاح على ليبيا.

غير أن العلامات التي نشرت على الصور الأولية من غريان وكانت مثبتة على حاويات شحن الصواريخ تشير إلى أنها بيعت في الأصل إلى الإمارات العربية المتحدة، وهي شريك أمريكي مهم، في عام 2008. وعلامات أخرى في القاعدة التي تم الاستيلاء عليها، تحتوي على قذائف مدفعية عيار 155 ملم، تحمل علامات للجيش الإماراتي.

نيويورك تايمز

ومن التقارير الغريبة، دفاع “نيويورك تايمز” عن الإمارات وانحيازها للسيناريو الفرنسي، من أنه “تم بيع مخزون من الصواريخ الأمريكية القوية إلى فرنسا قبل أن ينتهي بها المطاف لأيدي المقاتلين المتمردين الموالين للجنرال خليفة حفتر، الذي يسعى للإطاحة بالحكومة المدعومة من الأمم المتحدة في طرابلس”.

وقال التقرير إن صواريخ جاڤلين الاربعة المضادة للدبابات، التي تكلف الواحدة منها أكثر من 170،000 دولار، والتي عادة تباع فقط لحلفاء أمريكا المقربين، تم الاستيلاء عليها من قبل قوات الحكومة الليبية خلال غارة على معسكر للمتمردين في غريان، الواقعة في جبال جنوب طرابلس.

تقرير “نيويورك تايمز” أثبت نفى مستشار عسكري فرنسي نقل الأسلحة إلى حفتر، وهو ما ينتهك اتفاقية البيع مع الولايات المتحدة وكذلك حظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة. ومن شأن ذلك أن يضع واشنطن على خلاف بشأن سياسة ليبيا مع فرنسا، الشريك القوي لحلف الناتو والحليف في مناطق ساخنة أخرى مثل غرب إفريقيا.

ولكنه اعتمد الرواية الامريكية الموالية لمعسكر الثورة المضادة العربية أو المحركة له، حيث قالت إن وزارة الخارجية الأمريكية في أصل الصواريخ، باستخدام أرقامها التسلسلية وغيرها من المعلومات، وخلص إلى أنها قد بيعت في الأصل إلى فرنسا، التي كانت من المؤيدين الأقوياء للجنرال حفتر. ووافقت فرنسا على شراء ما يصل إلى 260 صاروخ جاڤلين من الولايات المتحدة عام 2010، وفقا لوكالة التعاون الأمني الدفاعي في البنتاغون.

غير أن تلك الرواية لم تلق تعليقا من بعض نواب الكونجرس، وقال اثنان من مسؤولي الولايات المتحدة إن وزارة الخارجية أطلعت لجنتي العلاقات الخارجية في مجلسي النواب والشيوخ على استنتاجها بأن الصواريخ تم بيعها إلى فرنسا. وتحدث المسؤولان شريطة عدم الكشف عن هويتهما لمناقشة الإحاطة السرية. ورفض المتحدثون باسم لجان الكونجرس ووزارة الخارجية التعليق.

مزاعم فرنسية

وحتى الآن، تتصدر فرنسا تبني منح الصواريخ لحفتر ومليشياته، في انحياز واضح للإنقلاب الدموي، وتحقيق النموذج السوري في ليبيا، فأكد مستشار لوزير القوات المسلحة الفرنسية أن صواريخ جاڤلين التي عثر عليها في غريان تخص القوات الفرنسية، لكنه قال إنها تضررت ولم تعد صالحة للاستخدام. ورداً على أسئلة من صحيفة نيويورك تايمز، قال إن الصواريخ يتم تخزينها بشكل مؤقت في مستودع ينتظر التدمير ولم يتم نقلها إلى قوات محلية.

واضاف المستشار الفرنسي، الذي لم يكن مصرحا له بموجب سياسة حكومته بالكشف عن هويته لمناقشة القضية، إن الأسلحة كانت من بين الأسلحة التي تم شراؤها من الولايات المتحدة في عام 2010، وكان الغرض منها حماية القوات الفرنسية التي نم نشرها في ليبيا من اجل عمليات استخباراتية ومكافحة الإرهاب.

وأضاف أنهم لم ينتهكوا الحظر المفروض على الأسلحة في ليبيا، واصفا إياه بأنه من غير الممكن بيع الصواريخ أو نقلها على اي نحو آخر إلى “أي شخص” في ليبيا.

لكن هذه القصة تركت العديد من الأسئلة دون إجابة حول كيفية انتهاء الأسلحة في مجمع للمتمردين بالقرب من الخطوط الأمامية للمعركة التي قالت الأمم المتحدة يوم الخميس إنها أدت إلى مقتل أكثر من 1000 شخص منذ أبريل، بينهم 106 مدنيين.

فيما كان جنود القوات الخاصة الفرنسية الذين تم نشرهم في ليبيا، بما في ذلك ثلاثة قتلوا عام 2016، تمركزوا بشكل كبير في شرق البلاد، بعيدًا عن طرابلس حيث تركز القتال.

جلسة استماع

ولأن المضمون يتضح منه محاولة إنقاذ الإمارات وسمعتها التي وصلت للحضيض بعد دورها الاستعماري في اليمن وليبيا ومصر والسودان، وبلدان أخرى، ستثار اليوم الأربعاء قضية صواريخ جافلين، حيث تستمع لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ إلى شهادة من رينيه كلارك كوبر، مساعد وزير الخارجية في مكتب الشؤون السياسية العسكرية. ومن المقرر أن يدلي السيد كوبر بشهادة حول استخدام إدارة ترامب لإعلان الطوارئ لدفع مبيعات الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وهي خطة دافع عنها الشهر الماضي أمام لجنة تابعة لمجلس النواب.

قصة جافلين

وبعد الاستيلاء على غريان، كشف المقاتلون الموالون للحكومة (اتحاد قوات وثوار ليبيا) عن طائرات هجومية صينية الصنع ومخزون من أربعة صواريخ “جافلين” أمريكية الصنع في قاعدة مهجورة. وتعرف في الجيش بأنها أسلحة “أطلق وأنسى”، حيث تسترشد صواريخ جاڤلين بتكنولوجيا الأشعة تحت الحمراء وقادرة على تدمير جميع دبابات القتال الرئيسية الميدانية حالياً.

وقال المقاتلون الليبيون إنه “بدا أن علامات على حاويات شحن الصواريخ تشير إلى أنها بيعت في الأصل إلى الإمارات العربية المتحدة، وهي شريك أمريكي مهم، في عام 2008. وعلامات أخرى في القاعدة التي تم الاستيلاء عليها، تحتوي على قذائف مدفعية عيار 155 ملم، تحمل علامات للجيش الإماراتي. لكن الحكومة الإماراتية، أحد أكثر المؤيدين الأجانب للجنرال حفتر، أنكرت بشدة تزويد قوات الجنرال بالصواريخ”، وذلك لمخالفتهم قرار الحظر الأممي الصادر من مجلس الأمن الدولي.

وأكدوا اكتشاف صواريخ جافلين مخاوف قائمة منذ مدة طويلة من أن الرعاية الأجنبية لجميع أطراف الصراع في ليبيا تزيد من حدة القتال.

وقال المقاتلون إنه خلال معركة طاحنة للسيطرة على بنغازي بين عامي 2014 و 2017، قدم الإماراتيون طائرات هليكوبتر هجومية وطائرات حربية وطائرات بدون طيار إلى سلاح الجو التابع للجنرال حفتر. ونفذت مصر غارات جوية على مدينة درنة الشرقية دعما لقواته.

تورط فرنسي

واعتمد خليفة حفتر، قائد مليشيات الكرامة، المتمركز في شرق ليبيا والذي كانت قواته تخزن صواريخ جافلين، على المساعدة العسكرية من الإمارات العربية المتحدة وفرنسا ومصر في قتاله للاستيلاء على مدينة بنغازي الشرقية، مقره الحالي.

وفي يوليو 2016، قال رئيس فرنسا آنذاك، فرانسوا هولاند، إن ثلاثة من أفراد القوات الخاصة الفرنسية قتلوا في حادث تحطم طائرة هليكوبتر في ليبيا خلال “عمليات استخبارات خطيرة”. قبلها أيام، قالت ميليشيا إسلامية تقاتل ضد الجنرال حفتر إنها أسقطت طائرة هليكوبتر على بعد 45 ميلاً جنوب بنغازي.

وبعد مرور عام، أخبرت فرنسا في 2017 لجنة من محققي الأمم المتحدة أن أنشطتها العسكرية في ليبيا تتفق مع القانون الدولي.

ومع ذلك، قال متابعون إنه كان مثالًا آخر على كيفية الاستهانة بحظر الأسلحة المفروض من قبل الأمم المتحدة، والذي بدأ منذ عام 2011، على نطاق واسع من قبل القوى الشرق أوسطية والأوروبية التي تسعى للتأثير على نتائج الحرب.

توثيق أممي

ووثق مفتشو الأمم المتحدة العديد من الانتهاكات للحظر قامت بها الإمارات العربية المتحدة، والتي وضعت طائرات حربية في قاعدة جوية تديرها في شرق ليبيا، في منطقة يسيطر عليها الجنرال حفتر. في الآونة الأخيرة، كما يقول الخبراء، صعدت الإمارات من مساعدتها العسكرية للجنرال حفتر وهو يواصل هجومه على طرابلس، بما في ذلك الطائرات الصينية بدون طيار ونظام صواريخ أرض جو روسي الصنع.

وأكد اكتشاف صواريخ جافلين مخاوف قائمة منذ مدة طويلة من أن الرعاية الأجنبية لجميع أطراف الصراع في ليبيا تزيد من حدة القتال.

وعلى الجانب الآخر من الحرب، مولت قطر وتركيا الفصائل الإسلامية في ليبيا منذ عام 2011. ويقول المسؤولون الأمريكيون إن القطريين قلصوا مشاركتهم في السنوات الأخيرة، لكن تركيا عززت مشاركتها الخاصة ومع اشتداد القتال من أجل طرابلس، أعلن الأتراك إرسال طائرات مسلحة وعربات مدرعة إلى قوات حكومة الوفاق الوطني، التي تدعمها الأمم المتحدة وكانت تدافع عن العاصمة ضد هجوم الجنرال حفتر.

 

Facebook Comments