يعتقد الكثيرون أن قرار حل 4 دوائر إرهاب، أشهرها دائرتا القاضي القاتل ناجي شحاتة وشعبان الشامي، محاولة تجميلية لوجه السيسي القبيح، مستدلين على ذلك بتراجع أعداد قضايا الإرهاب، وكرسالة للغرب بأن مصر تسير في الاتجاه الحقوقي الصحيح، قبل أيام من المراجعة الدورية الشاملة للملف الحقوقي المصري بمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بجنيف يوم 13 نوفمبر الجاري.

إلا أن حيثيات القرار كشفت عن أوجه من القمع الذي يمارسه السيسي ضد معارضيه ورافضي انقلابه، الذين يدرج قضاياهم أمام محاكم مسيسة شُكلت خصيصًا للانتقام السياسي من كل من يعارض السيسي ونظامه.

وكانت وزارة العدل قد أنشأت دوائر الإرهاب عقب الأحداث التي أعقبت انقلاب يوليو 2013، واعتقال عشرات الآلاف من المتهمين بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين وجماعات إسلامية أخرى، والتظاهر والتجمهر ضد ممارسات القمع السلطوي التي تقوم بها الشرطة والجيش.

وكان عدد الدوائر في البداية 13 في القاهرة، بمتوسط دائرتين في كل محكمة استئناف على مستوى الجمهورية.

وقالت مصادر قضائية، إن هناك أسبابا إدارية للحل، تتمثل في أنه منذ بداية العام القضائي الماضي 2018-2019، انخفض بصورة كبيرة عدد القضايا المنظورة أمام جميع دوائر الإرهاب المتبقية، والتي كان عددها 9، حيث أحالت النيابة العامة عددا قليلا جدا من القضايا لتلك الدوائر.

كما انخفض عدد القضايا المُحالة من محكمة النقض لإعادة المحاكمة فيها مرة أخرى، بسبب التعديل التشريعي في عام 2017، الذي جعل من محكمة النقض محكمة موضوع تتصدى للطعون مباشرة من المرة الأولى لنظرها دون إعادة، بحجة تسريع الفصل في القضايا وتخفيف العمل عن محاكم الجنايات.

وأضافت المصادر أن رئيس محكمة استئناف القاهرة لاحظ بمطالعة تقارير الإنجاز الخاصة بتلك الدوائر اقتصار عملها في الأشهر الأخيرة، ولأسابيع كاملة، على نظر قرارات تجديد الحبس واستئناف النيابة على قرارات إخلاء السبيل، والتي لا تستغرق وقتا طويلا للدراسة واتخاذ القرار، في حين تعاني دوائر محكمة جنايات القاهرة الأخرى من تكدس القضايا وقلة عدد القضاة، فبيّت النية لتقليص عدد الدوائر حين يسمح الوضع بذلك.

وأوضحت المصادر أنه سبق واتخذت بعض الإجراءات التقديمية التي كانت تشير إلى أن قرار حل بعض الدوائر سيأتي عاجلاً، مثل تقليص عدد الموظفين المساعدين للقضاة في تلك الدوائر، بناءً على انخفاض عدد القضايا.

وأشارت إلى أنه تم اختيار الدوائر الأربع التي تم حلها على مجموعة من الأسس، منها عدد القضايا المنظورة، وعدد القضايا التي من الوارد عودتها من محكمة النقض، وكذلك كفاءة رؤسائها ونسبة الأحكام التي تلغى لهم في الدرجة الأعلى.

توسيع اختصاص محاكم أمن الدولة

أما السبب السياسي القانوني الأكثر أهمية في سياق اتخاذ هذا القرار، فهو أن وزارة العدل بحكومة الانقلاب والجهات السيادية والأمنية أيدت حل الدوائر الأربع؛ بسبب أن إنشاءها كان يهدف أساسا لسرعة نظر القضايا الجنائية الخاصة بوقائع الإرهاب، وكذلك معارضي النظام، وفي ظل حالة الطوارئ التي تعيشها مصر منذ 3 سنوات ونصف السنة أصبح الأسهل إحالة تلك القضايا إلى دوائر الجنايات العادية، المنعقدة بهيئة محكمة أمن دولة طوارئ، بالنسبة للجنح، وهيئة محكمة أمن دولة عليا، بالنسبة للجنايات.

علمًا أن الأحكام الصادرة من تلك المحاكم في هذا الوقت لا يجوز الطعن فيها لأي سبب، وتكون نهائية وباتة دون العرض على محكمة النقض، ما أوجد حالة من السهولة في التعامل مع تلك القضايا بما يتجاوز الفوائد المحققة من تخصيص دوائر الإرهاب.

ونصّ الدستور الانقلابي على عدم جواز تمديد حالة الطوارئ لأكثر من مرة واحدة، غير أنّ عبد الفتاح السيسي عمد إلى إعادة إعلان الطوارئ، بعد يوم أو أكثر من انتهاء فترة المدّ، ثم يعرض قراره على البرلمان ليحصل على موافقته التلقائية بأغلبية عدد الأعضاء، ومدّ الحالة مجددا بعد ثلاثة أشهر إضافية بموافقة ثلثي النواب، الأمر الذي يعني أن حالة الطوارئ ليست لها نهاية محددة فعليا في مصر.

وحالة الطوارئ التي يترتب عليها انعقاد دوائر الجنايات بهيئة محاكم أمن دولة، تشمل جميع أنحاء مصر منذ 10 إبريل 2017، على خلفية استهداف بعض الكنائس في محافظات القاهرة والإسكندرية والغربية.

وبذلك يتحول معارضو السيسي من نار محاكم الإرهاب إلى جحيم محاكم أمن الدولة، التي لا يحق لهم نقض أحكامها أو ردها، في ظل طوارئ السيسي الممتدة، وفي ظل عجز أمني وسياسي واضح ومتواصل في إدارة شئون البلاد.

ومن ثم فإن قرار حل محاكم الإرهاب يعد خطوة أكثر قمعًا في ظل توسيع دور محاكم أمن الدولة وتعديل قوانين محكمة النقض لنظر الموضوع، بدلًا من محاكم الجنايات من المرة الأولى وعدم إعطاء فرصة لرد الأحكام.

Facebook Comments