على بعد كيلومترات قليلة من مدينة جدة السعودية، تتناثر المعتقلات التي يقبع فيها معتقلو الرأي من الرجال والنساء على حد سواء، ويستمر تعذيبهم بطرق وحشية لا تتناسب مع الشعار الذي ترفعه مملكة آل سعود على العلم، بينما يجري التحضير لقمة منظمة التعاون الإسلامي الرابعة عشرة، التي تحمل شعار “يدا بيد نحو المستقبل”!

مع حضور جنرالات انقلابيين أمثال جنرال إسرائيل السفيه السيسي، والفريق محمد حمدان دقلو نائب رئيس المجلس العسكري الانقلابي في السودان، وربما تتم دعوة الجنرال خليفة حفتر الذي يخوض انقلابا في ليبيا والمدعوم من الرياض، إضافة بالطبع إلى حضور أصحاب الأرض وعلى رأسهم الأمير محمد بن سلمان المدبر لقتل الصحفي جمال خاشقجي.

ما جريمتهم؟

ومنذ تولّي ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، منصبه في يونيو 2017، شنّت السلطات حملة اعتقالات واسعة طالت مئات المسئولين والأمراء والدعاة والمعارضين السياسيين، وحتى الناشطين الليبراليين، ولم يكن خاشقي الأول الذي قتل تحت أيدي محققين سعوديين، فقد سُجل داخل السعودية مقتل المعتقل سليمان الدويش بعد تعذيبه حتى الموت، بسجن مرتبط بـ”الديوان الملكي مباشرة”، حسب ما وثق حساب “معتقلي الرأي” المختص في رصد الاعتقالات داخل السعودية.

هاجم الداعية التونسي، بشير بن حسن، المملكة العربية السعودية، على خلفية أنباء نية السلطات هناك إعدام عدد من الدعاة والمشايخ المعتقلين بعد شهر رمضان، وقال ابن حسن إن الشيخ سلمان العودة ورفاقه المعتقلين، عرفوا بالوسطية والاعتدال، ولا يزايد على وطنيتهم أحد، مشيرا إلى أنهم كانوا السباقين في التصدي للفكر الدخيل بأنواعه، وحاربوا التطرف والغلو بالحكمة والموعظة الحسنة والدليل.

وفي كلمة له، تابع بأن الواجب استنكار الجريمة التي تنوي السلطات في السعودية ارتكابها، متسائلا: “لماذا يحاكمونهم سرا إذا كانت محاكمتهم عادلة؟ ولماذا لا يبينون للناس ما ذنوبهم، وما جريمتهم؟”، وتحولت سياسات مملكة بن سلمان منذ صعوده إلى الحكم إلى مجرد رهانات وأوراق بورصة، يتآمر بها ويسوق الضلال ضد وعلى من يشاء حتى لو كان أقرب الجيران والأشقاء، ويبيع فيها لمن أراد حتى لو وصل الأمر إلى التنازل عن الأرض وتمويل الصفقات المشبوهة لإرضاء الذين انفتح عليهم وشطبهم من عقيدة سياسية عربية راسخة منذ عقود كاعداء تاريخيين وجغرافيين.

وبعد الحرب العبثية التي تشنها السعودية ودخلت عامها الخامس على اليمن، ها هي تمول مشروع صفقة القرن التي يجمع المراقبون أنها لتصفية القضية الفلسطينية؛ الظاهر من الدور السعودي حسبما تروج الرياض وإعلامها أنها تضحيات لخدمة الفلسطينيين ولحل قضيتهم، بينما الحقيقة انه خدمات مجانية لاسرائيل تكلف المملكة اكثر من 10 مليارات دولار، ومعها بعض الارض السعودية التي سيتم التنازل عنها، حسبما تحدثت اخر تقارير الصفقة.

تدمير العرب!

وهكذا يتضح ان السعودية تواصل تبديد ثرواتها على مغامراتها ومراهناتها السياسية حتى لو وجهت تلك الأموال لتصفية قضية العرب الاولى، وهي لا تدفع ذلك وتتحمله من اجل عيون اسرائيل فقط، ولكن هربا من الضغوط والانتقادات الدولية التي تتعرض له، بضوء التقارير التي تؤكد تورط القيادة السعودية في اغتيال الصحفي المعارض جمال خاشقجي، ولصرف الأنظار عن الأضواء المسلطة على ملفها السيئ في حقوق الإنسان؛ مما يجعلها تقبل صاغرة تمويل الصفقة، وتضاف تلك النفقات إلى 72مليار دولار تتحملها ميزانية المملكة سنويا في حربها المستمرة على اليمن منذ اكثر من اربع سنوات، وبجانب المملكة تأتي إيران التي تخوض حربا هي الأخرى ضد أهل السنة في اليمن عبر الحوثيين، وفي سوريا عبر ميلشيا حزب الله الشيعية اللبنانية، وعبر دعم ميلشيات نظام السفاح بشار الأسد، وتتلقى دعما من قوات الاحتلال الروسي.

وقبل ست سنوات دعمت السعودية ممثلة في الملك الراحل عبدالله ومن بعده سلمان السفيه السيسي، ضد أول تجربة ديمقراطية مدنية في مصر، وضد الرئيس المنتخب محمد مرسي، أول رئيس مدني بعد ثورة 25 يناير 2011، وفتحت بذلك الباب واسعا أمام منزلقات سياسية وأمنية واقتصادية، ما زالت مصر تتهاوى في وهدتها السحيقة.

وقبيل كشف الستار عن مشهد الثالث من يوليو 2013، جرت أحداث كثيرة بلغت ذروتها في الثلاثين من يونيو بمظاهرات دبرتها المخابرات الحربية بالتنسيق مع قوى ليبرالية وعلمانية تطالب بانتخابات مبكرة، ثم اتصالات أجراها السفيه السيسي وزير الدفاع حينها مع جهات دولية، منها واشنطن وتل أبيب والرياض وأبو ظبي، قبل أن يسدل ستار المرحلة الفاصلة بين الثلاثين من يونيو والثالث من يوليو على بيان الانقلاب الأول.

ولاحقا أغدق السفيه السيسي وعوده بالرفاهية والحياة الكريمة والاستقرار السياسي والاقتصادي على المصريين، وبعد ستة سنوات من الانقلاب، تؤكد معطيات الواقع وتقارير المنظمات والمؤسسات الدولية انتقال البلد خلال هذه السنوات إلى حالة دكتاتورية فجة، تغلق أغلب منافذ التعبير، وتخنق الفضاءات الاقتصادية والاجتماعية، في حين تحولت وعود الرفاه إلى سراب بقيعة، وعاد جنرالات العسكر للبطش بعد الخلاص من خصومهم، وتراجع دور مصر إقليميا ودوليا لصالح الإمارات والسعودية.

Facebook Comments