رانيا قناوي
قال الكاتب الصحفي وائل قنديل إن نظام الانقلاب في مصر، كان يريد لنفسه من خلال مباراة نهائي أمم أفريقيا التي خسرتها مصر أمام الكاميرون بطولة وإنجازاً وهميا، يضعه في دولاب إنجازاته الكاذبة، أو بالأحرى، اعتبرها مناسبة لتعبئة الحناجر بأناشيد الوطنية الرخيصة، وفرصة لتسديد ضربة في دماغ المصريين، تسيل ما بقي من الوعي، وتجفف حالة السخط المتصاعد ضد الهزيمة الحضارية الكاملة التي ألحقتها هذه السلطة بمصر.

وأضاف قنديل خلال مقاله بصحيفة "العربي الجديد" اليوم الثلاثاء، أنهم أعلنوا التعبئة العامة في مصر، قبل بدء المباراة، وصدروا للناس أن الوطن في حالة حرب، ومن لا يصفق يجردوه من وطنيته، إذ حضرت السلطة بكل أفرعها وأذرعها، من الإعلام إلى البرلمان، تعلن النفير العام وتحشد الناس خلف القائد، المهزوم سياسياً وأخلاقياً، والباحث عن التعويض، بأقدام اللاعبين في المستطيل الأخضر.

وتابع: "هكذا تحولت القضية إلى مهرجان مبتذل للوطنية الماجنة، انتقل من السلطة إلى المعارضة التي وجدت نفسها مسحوبة خلف دخان الابتزاز المتصاعد، من مراجل الوطنية المزيفة، فوجدنا سياسيين معارضين يزايدون على أهل الحكم في اختزال الموضوع الوطني كله بتسعين دقيقة من اللعب، وتعليق قيمة الوطنية بأقدام أحد عشر لاعباً، يشقون ويكدحون من أجل جنرال جائع لانتصار خادع، كما رأينا إعلاميين يخلعون أردية المهنية والوقار، ويلبسون قميص المنتخب، وينخرطون في اللعبة، كما أرادها الجنرال".

وأوضح قنديل أن حالة من الاستقطاب الرياضي المخيف فرضها أهل الحكم في مصر، من خلال ممارسة أبشع أنواع الإرهاب الكروي، قسمت الناس إلى فريقين: الأول يتراقص بمجون ويشجع بكل الهوس، على إيقاعات الإعلام الرسمي، وفريق آخر، ألقت به الهستيريا على شواطئ تمني ألا يفوز الفريق المصري، كي لا يسجل الانتصار باسم السلطة، وبينهما فريق ثالث يتفرج على الملهاة/ المأساة بحيادية، لم تكن موجودة في مناسبات مماثلة سبقت.

وأكد أن الوطنية ليست في ارتداء قميص المنتخب بألوان العلم، فقد لفت الراقصة الأرمينية صافينار جسدها بالعلم المصري ورقصت، كما أن القتلة وباعة الأرض ولصوص المال العام هم أكثر من هتفوا "تحيا مصر"، معتبرين أنهم عنوان الوطنية والانتماء، موضحا أن إهانة قيمة الوطنية، بربطها بأحذية اللاعبين، هي لعبة تجيدها كل السلطات الدكتاتورية الفاشلة، وقد رأينا شيئاً من ذلك في الحرب الكروية المصرية- الجزائرية عام 2009، حيث جرت وقائع فضيحة سياسية، صنعها أهل الحكم في زمن حسني مبارك، وتكشفت بعد ثورة يناير، حين حاول أحمد شوبير القفز من سفينة أبناء مبارك الغارقة، وتسلق الثورة، فراح في لحظة اعتراف نادرة يحكي على الهواء مباشرة ما جرى من حشد بعض الجماهير، بمعرفة قيادات سياسية وأمنية للاعتداء على بعثة الجزائر بالقاهرة، وعما جرى فيما بعد.

ويقول" أنه ببلوغ المباراة الفاصلة بين مصر والجزائر في السودان، تم تنظيم اجتماعات للإعداد للسفر، وفوجئت بمكالمة من أحمد عز (أمين التنظيم بالحزب الحاكم) وقتها، يستدعيني للتوجه إلى أمانة الحزب الوطني، وذهبت ووجدت معه قيادات روابط الألتراس، وقال عز «أنت بتعادي ليه جماهير الألتراس، دول حبايبنا وأصدقائنا ومتجيش ناحيتهم ولهم دور مهم معانا"، ثم يؤكد أن قيادات الألتراس كانت على طائرة جمال وعلاء مبارك فيما بعد.

وتابع: "باختصار، في عصور الانحطاط السياسي فقط، تلعب السلطة برأس الجماهير، على العشب الأخضر، وقد برع في تصوير هذه المأساة، مجدد القصة القصيرة، الذي لم ينل حظه المستحق من الشهرة، في فترة الستينيات، الكاتب السكندري محمد حافظ رجب في قصة بعنوان "الكرة ورأس الرجل"، ويتحدث فيها عن استبداد الهوس الكروي بأدمغة الناس، حتى تمنى كاتبا مثقفاً أن يبيع رأسه ليلعبوا بها ويركلوها في المباريات، بدلاً من الكرة.ويعتقد هؤلاء جميعاً أن عليهم التعامل مع المشاهدين كقطيع مسحور يمكن تسييره إلى الوجهة التي يريدونها، بشرط إتقان فن السحر ذاته، وبذلك لا تكتفي هذه الوسائل بتفريغ الشحنات الزائدة من الانفعال، بل تقوم بتوجيهها نحو الخصوم المناسبين. 

Facebook Comments