فرضت حكومة السيسي في مصر زيادات جديدة هي الخامسة منذ انقلاب الثالث من يوليو 2013 لأسعار الوقود (البنزين- السولار- الغاز- الكيروسين.. إلخ)، وهذه الزيادات هي تنفيذ لالتزامات الحكومة بتحرير الأسعار وإلغاء دعم الطاقة الذي تعهدت به لصندوق النقد الدولي، ثمنا لقرض الـ12 مليار دولار الذي حصلت عليه لسد العجز في موازنتها.

لم يثر المصريون ضد هذه الزيادات التي كانوا يتحركون لأقل منها من قبل، واكتفى المصريون بالشكوى لبعضهم البعض في مجالسهم دون أن يفصحوا عن ذلك علانية خشية القتل أو الحبس في أقل تقدير.. إنه ببساطة "قهر الرجال" الذي استعاذ منه رسولنا صلى الله عليه وسلم.

من الغريب صمت الناس تجاه زيادات تلهب ظهورهم، ولا يستطيعون مواجهتها إلا بخفض الحدود الدنيا لاحتياجاتهم الضرورية، فمن كان يأكل رغيفين ليس أمامه سوى رغيف واحد، ومن كان يستقل التاكسي في بعض تنقلاته الأسرية؛ ليس له إلا أن يعتمد على النقل العام مع ما يصاحب ذلك من مهانة وانتظار طويل، ومن كانت لديه سيارة فليرحها نصف الأسبوع، وهكذا.. ومن الصعب لوم الناس على صمتهم لخشيتهم أن تحركاتهم سيكون ثمنها الموت، أو في الحد الأدنى الحبس لفترات لا يعلم مداها إلا الله، ولكن هذا الصمت أيضا يفتح الباب للسيسي ونظامه لفرض المزيد من الزيادات.

لم يصمت المصريون على زيادات مماثلة ولأسباب مماثلة من قبل، وتحديدا في 17  يناير 1977، حين أعلن نائب رئيس الوزراء للشؤون المالية والاقتصادية الدكتور عبد المنعم القيسوني، في بيان أمام مجلس الشعب، عن رفع الدعم عن مجموعة من السلع الأساسية، وشمل ذلك رفع أسعار الخبز والسكر والشاي والأرز والزيت والبنزين، ومن المفارقات أن الكيلوغرام الواحد من اللحوم ارتفع وقتها إلى جنيه واحد، فكان هتافا من هتافات المتظاهرين "سيد مرعي يا سيد بيه كيلو اللحمة بقى بجنيه" (سيد مرعي كان رئيس البرلمان الذي أعلنت فيه السياسات الجديدة وقتها). وفور ما علم الناس بالقرار، نزلوا بشكل عفوي إلى الشوارع في كل ربوع مصر، في ما وصف بانتفاضة أو ثورة الخبز التي وصفها السادات بانتفاضة الحرامية، في محاولة لتشويه صورتها كعادة الحكام الطغاة، واتهم الشيوعيين بتحريك الشعب، رغم أنهم فوجئوا بتلك الهبة الشعبية كغيرهم، بل إن حزب التجمع أصدر بيانا لاستنكار تلك التحركات.

وقد استعان السادات بالجيش لمواجهة وقمع المظاهرات (79 قتيلا و214 مصابا) وفرض حالة الطوارئ، إلا أنه اضطر لإلغاء تلك الزيادات فورا، رغم أنه كان قد تعهد لصندوق النقد بتنفيذها وفاء لوصفته لإصلاح الاقتصاد المصري.

أذكر أنني عشت تلك الأحداث بينما كنت أستعد مع فريق مدرستي (وسط الصعيد) للمشاركة في مسابقة طلابية، تم تأجيلها في ذلك اليوم بسبب المظاهرات التي حاولتُ اللحاق بها، لكن أساتذتي أمسكوا بي، ولذا لم أكن مستعدا في ذلك الوقت لتصديق رواية النظام بوصفها باتتفاضة الحرامية.. صحيح أن عمليات تخريب واسعة وحرق لمنشآت حكومية وسلب لمجمعات استهلاكية صاحبت المظاهرات، إلا أن ذلك سلوك عفوي في مثل تلك الهبات الشعبية، ولذلك لم تصدر محكمة الجنايات التي أحيلت إليها القضية أحكاما مغلظة بحق المتهمين، بل اكتفت بعقوبة الحبس لمدة ثلاث سنوات لعدد منهم وبرأت غالبيتهم، وبعد أن كانت مظاهرات 1977 توصف بانتفاضة الحرامية، أصبحت توصف بانتفاضة أو ثورة شعبية، وأصبحت حدثا ملهما وتاريخا مجيدا للمصريين.

صمت المصريين الحالي لا يعني قبولهم ورضاهم بهذه الزيادات، ولا بالنظام الذي قررها، ولكنه تلخيص لحالة القهر الناتج عن الاستخدام المفرط للقوة العسكرية ضد الشعب المصري، وهي السياسة التي اعتمدها نظام السيسي للحفاظ على حكمه بديلا لحالة الرضا الشعبي، لكن هذا الصمت أو هذا الصبر له حدود وفقا للسنن الكونية، ووفقا لطاقة التحمل الطبيعية لدى الشعب، فالجمل يتحمل الكثير، لكنه حين يثور لا يستطيع أحد لجمه أو الوقوف أمامه، وفي الغناء الذي يحفظه المصريون: "إنما للصبر حدود".

الحجة التي يسوقها الكثيرون لتبرير صمتهم وخوفهم هي امتلاك النظام لآلة عسكرية قمعية جبارة لا قبل لهم بها، والحقيقة أن نظام السادات أيضا كان يمتلك آلة عسكرية جبارة، وقد استخدم الجيش فعلا في قمع مظاهرات 1977 وفرض حالة الطوارئ، لكنه اضطر أيضا بعد سقوط عشرات القتلى للتراجع عن قرار زيادة الأسعار، ولم تنفعه قوته العسكرية.

الجيوش العسكرية مهما بلغت قوتها ومهما امتلكت من أسلحة لن تكون قادرة على مواجهة غضب الشعب، وقد شهد ذلك الشعب المصري قبل سبع سنوات في ثورة 25 يناير؛ التي اضطر الجيش لمجاراتها، وليس مصادمتها. وللتذكير أيضا، فإن الجيش الروسي، وهو ثاني أعظم جيش في العالم ويمتلك أسلحة نووية وأسلحة تقليدية متطورة وأقمارا صناعية لم يستطع حماية النظام الشيوعي السوفييتي، بل انهار الاتحاد منقسما إلى العديد من الدول لم يستطع الجيش الأحمر مواجهة انتفاضات شعوبها الراغبة في الاستقلال.

هنا تثور جدلية العلاقة بين الشعب والقوى السياسية، ومن الذي يبدأ المواجهة ضد النظام؟! فبينما ينتظر الشعب طليعته السياسية للتحرك وأخذ زمام المبادرة لما عرف عنها من جسارة وإقدام، واستعداد لدفع الثمن، فإن هذه الطليعة تؤكد أنها لا يمكن أن تكون بديلا عن الشعب، بل هي فقط ترافقه وتتقدمه حين يريد التعبير عن غضبه، أما وأنه لا يريد ذلك، فلا أحد لديه استعداد لخوض معركة لا تتمتع بحاضنة شعبية.

والحقيقة أن قدرة الشعب على التحمل لها حدود؛ ستنفجر بمجرد تجاوزها، وفي هذه الحالة فإن واجب القوى الوطنية الحقيقية أن ترافق الغضب الشعبي، وأن تحسن توجيهه في المسارات الصحيحة التي تعود بالنفع على الوطن عموما، وأن تستعد للخلاص من هذا النظام، وبناء مصر الديمقراطية الحديثة التي تحترم إرادة الشعب وتحنو بحق عليه.

……………….

نقلا عن "عربي21"

Facebook Comments