مع أداء الرئيس التونسي قيس سعيد اليمين الدستورية لحكم تونس من قصر قرطاج، تدخل تونس مرحلة جديدة، من الإصرار على مسارها الديمقراطي الذي اختاره الشعب التونسي، رغم الصعاب والمشكلات ومؤامرات تحالف الشر العربي “الإمارات السعودية مصر”.

وأدى الرئيس التونسي المنتخب قيس سعيّد، الأربعاء، اليمين الدستورية أمام البرلمان. بعد أن تم انتخابه في 13 أكتوبر بنسبة 72,71 % مقابل 27,29% لمنافسه نبيل القروي.

وقد عبر سعيد عن محددات السياسة التونسية في المرحلة المقبلة، واضعًا خريطة طريق لحكمه. وفي مقدمتها، الحفاظ على المال العام واستعادته من المتعدين عليه في أوقات سابقة، وذلك ما اكدته كلمة سعيد اليوم: “لا مجال للتسامح بأي مليم واحد من عرق الشعب التونسي”؛ حيث تواجه تونس سرقات متواصلة وإهدارًا للمال العام منذ عهد بن علي الفاسد.

وبحسب إحصاءات، فقد فقدت تونس أكثر من 1 مليار دولار أمريكي سنويا في الفترة ما بين 2000 و2008 وذلك بسبب الفساد والرشوة والعمولات التجارية غير الشرعية ثم الأنشطة الإجرامية.

بينما المجهودات الذي تبذلها الحكومة لا تزال تُعتبر محدودة، حيث إن الفساد لا يزال يشكل مشكلة خطيرة.

ويلعب الوسطاء دور مهم جدا في ممارسة الأعمال التجارية في تونس والعديد من المستثمرين يعتبرون أن وجود اتصالات عند التعاون في العمل من أجل التغلب على العقبات الإدارية قصد الاستثمار والمشتريات العامة أمر بالغ الأهمية، بذلك فإن الشركات المملوكة للدولة أو الجماعات الخاصة المملوكة من قبل العوائل تتمتع بمكانة متميزة، هذا مع تسهيل الوصول إلى التمويل.

ولعل احتلال المواجهة مع الإرهاب مرتبة متقدمة في ترتيب السياسة التونسية، فيه رسالة واضحة لكافة الأطراف الإقليمية منها والمحلية؛ حيث تحدثت العديد أن التقارير الدولية عن تدخل أطراف اقليمية بالشان التونسي عبر ورقة الإرهاب وإثارة العنف والحوادث الإرهابية، كوسيلة لخلط الأوراق السياسية بالبلاد، وهو ما أكد مواجهته الرئيس الجديد، اليوم، قائلا: “علينا الوقوف متحدين في وجه الإرهاب والقضاء على أسبابه ورصاصة من إرهابي ستقابل بوابل غير محدود من الرصاص”، وهي رسالة قوية من الرئاسة للمتلاعبين بالدخل التونسي.

وإيمانا من الأكاديمي قيس سعيد بالمرأة وقضاياها المحورية ودورها المجتمعي، أكد أنه “لا مجال للمساس بحقوق المرأة وما أحوج المرأة إلى مزيد من دعم حقوقها خاصة الاقتصادية”.

ولتطمين العالم الخارجي، والمجتمع الغربي على مواقف تونس وتعهداتها الدولية، شدد على أن “الدولة التونسية ملتزمة بكل معاهداتها الدولية وإن كان من حقها تطويرها بشكل يراعي مصالح الشعب وكل الأطراف”.

ثم تلى ذلك التصريح بالتاكيد على دعمه الكامل للقضية الفلسطينية، والتزام تونس بالقضايا العادلة، مشيرا إلى أنه ستبقى فلسطين في وجدان كل أحرار تونس منقوشة في صدورهم”، وأن “الحق الفلسطيني لن يسقط بالتقادم”.

وعلى الرغم من ان الدستور التونسي، لا يعطي لرئيس الجمهورية صلاحيات كثيرة مقارنة برئيس الحكومة، حيث تقتصر مهامه على “تمثيل الدولة وضبط السياسات العامة في مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي المتعلق بحماية الدولة والتراب الوطني من التهديدات الداخلية والخارجية”، كما يمنحه صلاحية “تعيين وزيري الدفاع والشؤون الخارجية ومفتي الجمهورية ورئيس البنك المركزي”، إلا أنه يبقى رمانة الميزان في الشأن التونسي.

تحديات أمام قيس

وبحسب مراقبين، فإن تحديات كبيرة وصعوبات جمة تواجه الرئيس التونسي الجديد، وسط مشهد سياسي مرتبك وظروف اقتصادية صعبة تمر بها البلاد، ووسط مخاوف من أن يفشل سعيّد في مواجهة التحديات التي تقف أمامه.

ويرى كثيرون أن الرئيس المنتخب غامض، ولا يُعرف له انتماء سياسي، وحتى حملته الانتخابية لم تكن حملة كلاسيكية، فلم يقدم وعودًا أو برنامجًا واضحًا، بل كان يجوب المقاهي الشعبية ينصت إلى الشباب خاصة، ويَعِدهم بأن يوفر الآليات القانونية، لا غير، لتحقيق مطالبهم وبرامجهم التي يريدون.

وأول خطوة يُفترض أن يخطوها الرئيس الجديد توفير دعم سياسي وكتلة نيابية للوقوف وراءه، لكنها لا تبدو بتلك البساطة، في ظل برلمان تونسي لم تتشكل صورته بعد، في انتظار أن تخرج الحكومة الجديدة بقيادة حركة النهضة صاحبة الأغلبية النسبية، والتي بدورها تبحث عن تحالفات تحقق بها أغلبية الـ50+1″، أي ما يعادل 109 مقاعد من أصل 217، لا تملك منها “النهضة” سوى 52 مقعدًا.

ويمتلك سعيّد دعمًا من تيارات سياسية مختلفة داخل البرلمان، أبرزها القوى الخمس: حركة النهضة، والتيار الديمقراطي، وائتلاف الكرامة، وحركة الشعب، وحتى قوائم وشخصيات مستقلة؛ حيث أعلنت دعمها لسعيّد، ودعت أنصارها إلى التصويت له، مقابل منافسه نبيل القروي رئيس حزب “قلب تونس” الحاصل على المرتبة الثانية داخل البرلمان.

لكن يبقى السؤال المطروح حول قدرة قيس سعيّد على تجميع هذه الحساسيات السياسية المختلفة، التي تتصارع وتختلف في كثير من المواقف والتوجهات، رغم أنها اتفقت على دعمه، فهل يقدر على توحيدها لتكون كتلة واحدة تصوت بالإيجاب على مقترحاته، لا سيما أنها أعلنت استعدادها التام للعمل معه.

ملف الاقتصاد

ويأتي الملف الاقتصادي في مقدمة التحديات أيضا التي تنتظر رئيس تونس، خاصة بعد ثماني سنوات على ثورة الياسمين، التي أصبح كثير من التونسيين بعدها يشعرون بخيبة أمل لفشل حكومات ائتلافية متعاقبة في معالجة المشاكل الاقتصادية، وفي مقدمتها البطالة المزمنة وارتفاع التضخم ومطالب المانحين الأجانب بتطبيق إجراءات خفض للإنفاق.

كما أن استشراء الفساد بتونس، في الفترة الأخيرة، يتطلب محاربة قوية وعلى عدة مستويات، وهو ما وعد به قيس.

الأمن والاغتيالات

وضمن أبرز التحديات يأتي الملف الأمني، خاصة فيما يتعلق بملف الاغتيالات؛ حيث يرى تونسيون أن سعيّد سيكون من الصعب عليه فتح الملفات الأمنية، خاصة في وزارة الداخلية والمؤسسة العسكرية.

وتعود قضية الاغتيالات إلى عام 2013، حيث اغتال مسلحون متطرفون الزعيم اليساري ورئيس حزب الوطنيين الديمقراطيين شكري بلعيد، وسط العاصمة التونسية، كما اغتيل النائب اليساري محمد براهمي في يوليو من العام نفسه.

غياب الظهير السياسي

كما ستواجه “قيس” مشاكل سياسية كبيرة، وفي مقدمتها وجود انقسام حاد في البرلمان خأصة  أن مشاكل البرلمان ستنعكس على رئاسته، خصوصًا أن مشاريع القوانين التي يعتزم إصدارها يجب أن تمر على البرلمان، مضيفًا: “هذا التعارض سيكون لأن قيس سعيّد ليس لديه أي حزام برلماني أو أي حزب يمثله داخل البرلمان”.

الديوان الرئاسي

كما سيعاني الرئيس التونسي السابع في المرحلة الأولى، التي سيتعامل فيها مع الديوان الرئاسي ومجموعة العمل التي تتكون من مستشارين داخل القصر الرئاسي؛ بسبب “عدم وقوف أي طرفٍ وراءه، وعدم ارتباطه بعلاقات سياسية”.

السياسة الخارجية

وليست المشاكل والخلافات الداخلية وحدها التي قد تواجه قيس، فالسياسة الخارجية ستكون أحد تحدياته، خصوصًا أنه لا يملك أي تاريخ أو ماضٍ سياسي، ولا خبرة دبلوماسية لديه، وهو ما سيمثل تحديًا وصعوبات بالغة في تكوين وبلورة ونسج علاقات متينة بين تونس وعديد من الدول العربية والأجنبية، خاصة أن الرئيس هو المسؤول الأول عن العلاقات الخارجية.

كما ستقف الإمارات والسعودية في مواجهة السياسة التونسية المتمسكة بالديمقراطية والحريات، والتي تصطدم بسياسات محور الشر العربي في المنطقة، خاصة وأن الرئيس التونسي سيتعاون مع حركة النهضة الإسلامية، بوصفها التي ستشكل الحومة القادمة، وسبق أن تآمرت الإمارات مع بعض الأطراف في التونس لإسقاط النهضة من العملية السياسية وإخراجها من المشهد التونسي كجماعة إرهابية، سواء بتعطيش الاقتصاد التونسي ووقف مشروعات كان من المفترض أن تمولها الإمارات والسعودية، وعبر دعم إعلامي مضاد للثورة التونسية.

Facebook Comments