فى الوقت الذى أعلنت فيه وزارة الخزانة الأمريكية عن أن وزراء خارجية مصر وإثيوبيا والسودان اتفقوا على العمل من أجل التوصل لـ”اتفاق شامل ومستدام بشأن ملء وتشغيل مشروع سد النهضة في إثيوبيا بحلول 15 يناير 2020، يسعى نظام عبد الفتاح السيسي لإدخال الصهاينة فى أزمة سد النهضة؛ بزعم أنَّ لهم نفوذًا كبيرًا على الإثيوبيين، وأنهم قادرون على حلحلة الموقف الإثيوبي المتعنت، بما يضمن الحفاظ على حقوق مصر فى مياه النيل والتى تقدر حصتها بـ55 مليار متر مكعب من المياه سنويا .

وكانت مصادر مطلعة على المفاوضات التى دارت فى واشنطن، أمس، قد أكدت أن هذه المفاوضات لن تنجح فى تغيير الموقف الإثيوبي، لافتة إلى أنَّها لن تحقق شيئًا سوى المزيد من إضاعة الوقت.

وأشارت المصادر إلى أنَّ الحكومة الإثيوبية أكدت أن محادثات واشنطن بخصوص سد النهضة ليست مفاوضات.

ونقلت شبكة “بي بي سي” عن المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية “نيبيات غيطاشو” قوله: “لا نعتبر هذه المباحثات مجالا للتفاوض الفني، لكننا نشارك فيها كما تفعل بقية الأطراف بهدف توضيح موقفنا”.

وكشفت المصادر عن أن الإدارة الأميركية أكدت للأطراف الثلاثة، وكذلك البنك الدولي، أن المفاوضات ستكون سياسية الطابع وليست فنية، لكنها ستحاول الوصول إلى خارطة طريق واضحة لمفاوضات جديدة على المستوى الفني.

وقالت إن أهم ما يمكن إنتاجه من هذا اللقاء والبناء عليه هو اتفاق واضح بشأن خارطة زمنية عاجلة وقصيرة الأمد للمفاوضات الفنية، وكذلك إمكانية اشتراك أطراف جديدة في المفاوضات الفنية، مثل البنك الدولي، وهو ما حدث بالفعل، بإعلان حضور ممثلين للولايات المتحدة والبنك الدولي الاجتماعات الفنية الأربعة التي سيتم عقدها بين وزراء المياه والري قبل 15 يناير المقبل.

الصهاينة

وفى إسرائيل، تداولت وسائل إعلام صهيونية أخبارًا بشأن مشاريع مياه وطاقة مشتركة بين تل أبيب والقاهرة، وكشفت معاهد الأبحاث الأمنية والاستراتيجية عن أطماع إسرائيل في التغلغل بإفريقيا ودول حوض النيل في ظل أزمة سد النهضة، مشيرة إلى أنه مع إصرار رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد الذي تربطه علاقة وطيدة بنظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على إنشاء سد النهضة على النيل الأزرق، ظهرت مخاوف في مصر التي طلبت وساطة إسرائيلية لدى أديس أبابا لتفادي إمكانية أن تواجه أزمة ذات أبعاد تاريخية.

وأشارت إلى أن النقص المتزايد في المياه خلال العقود الأخيرة أجبر مصر على مواجهة مجموعة متنوعة من التحديات الناشئة عن هذه القضية والبحث عن حلول. ووفقا لباحثين إسرائيليين، أثبتت مصر وإسرائيل خبرتهما في الترويج للقضايا التي لا ترتبط مباشرة بالأمن، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمصالح الاقتصادية الهامة.

ويتفق المحللون على أن انفتاح مصر على المساعدات الخارجية في التعامل مع أزمة المياه التي تعصف بها، إلى جانب الخط الذي يقوده عبد الفتاح السيسي حول هذه القضية، يخلق إمكانية توسيع التطبيع بين تل أبيب والقاهرة.

ويعتقدون أن تل أبيب توظف أزمة سد النهضة لتعزيز نفوذها في إفريقيا وحلفها مع نظام السيسي، عبر توظيف المعرفة الإسرائيلية في مجالات إدارة المياه وإعادة التدوير وتحلية المياه والزراعة الصحراوية، إذ لديها القدرة على التعاون في مختلف المجالات التي قد تسهم في تعميق علاقات السلام بين البلدين.

أطماع إسرائيل

وبشأن الحديث عن مشروع تزويد إسرائيل بمياه النيل عبر قنوات وخطوط من سيناء، استعرض الباحث بمعهد أبحاث الأمن القومي في جامعة تل أبيب الدكتور، أوفير فينطال، طرح الرئيس الراحل أنور السادات عقب التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد، فكرة الترويج لمشروع تدفق مياه النيل من مصر إلى إسرائيل كبادرة لتقريب “القلوب” بين الشعبين.

ورغم أن طرح السادات حينها كان على سبيل المزاح، يعتقد فينطال أن الظروف الإقليمية اليوم تتيح للبلدين فرصة لإحياء هذه الرؤية والفكرة التي تم التحفظ عليها في القاهرة، مبينا أنه يجب على إسرائيل تشجيع المبادرة والعمل في مجال المياه مع الوزارات الحكومية ذات الصلة، إلى جانب شركات القطاع الخاص ورجال الأعمال.

وأوضح أن مشاركة تل أبيب ونظام السيسي للاعبين إقليميين آخرين مثل الأردن والسعودية والسلطة الفلسطينية في المشاريع الإسرائيلية المصرية بمجالات المياه والطاقة، قد تضيف إليهم قيمة وتزيد من فرص نجاحها.

ويرى الباحث الإسرائيلي أنه بمجرد الانتهاء من بناء السد الذي تم الشروع في تشييده عام 2013، سيكون أكبر سد في إفريقيا، وقد يكون له تأثير كبير على إمدادات المياه في مصر، علما أن نحو 90% من مياه النيل التي تصب باتجاه مجرى النهر في مصر مصدرها النيل الأزرق، إذ تبلغ الحصة السنوية لمصر من مياه نهر النيل 55 مليار متر مكعب، بينما يحصل السودان على 18.5 مليارا.

الرئيس مرسي

ويعتقد نائب مدير معهد القدس للدراسات الاستراتيجية والأمنية الدكتور، عيران ليرمان، أن قضية سد النهضة تعتبر من أبرز القضايا الديناميكية الإقليمية المعقدة التي تشكل أبرز التحديات لاستقرار حكم ونظام السيسي .

وقد يضع سد النهضة مصير اتفاقية مياه النيل لعام 1929 أمام الكثير من علامات الاستفهام، ويرجح ليرمان أن السيسي من خلال الوساطة الدولية لدى إثيوبيا والمباحثات الثلاثية بين القاهرة والخرطوم وأديس أبابا في واشنطن، يسعى لخلق جو أكثر ودية مع إثيوبيا بشأن مستقبل السد.

وخلافا لموقف الرئيس الشهيد محمد مرسي الذي هدد بالحرب واستعمال القوة العسكرية لضمان أمن المياه القومي لمصر إذا أقدمت إثيوبيا على منع جريان المياه في النهر، يقول ليبرمان: إن السيسي العسكري ركز على المسار الدبلوماسي بالشروع في محادثات حول ملء خزان السد، وتم تعيين مستشارين أجانب لتقييم تأثير هذه الخطوة الأحادية من قبل أديس أبابا.

وفيما يتعلق بإمدادات المياه في مصر، فإن إسرائيل في وضع فريد يمكّنها من تقديم الدعم والمساعدة، إذ سبق أن تعاونت تل أبيب مع القاهرة في قضايا التنمية الزراعية من قبل. وتكون الحلول مشاريع إسرائيلية لتحلية المياه وإعادة تدويرها في سيناء والبحر الأحمر، إذ يمكن التغلب على أي معارضة لذلك بذريعة التطبيع مع إسرائيل، من خلال وساطة دولة ثالثة وبمساعدة مبادرات التعاون المتوسطي، حسب ليبرمان.

مطلب سيساوى

ودخلت إسرائيل الصراع على مياه النيل في إفريقيا من بابه الواسع مستغلة التغييرات الإقليمية، حسب الباحث في معهد “متفيم” لدراسات السياسة الخارجية لإسرائيل في الشرق الأوسط موشيه طرديمان، الذي يرجح أن نظام السيسي طلب من تل أبيب التدخل لدى أديس أبابا للتسوية والإبقاء على كامل الحصة السنوية لمصر من مياه النهر.

ويرى الباحث الإسرائيلي أن المعركة الثالثة والأخيرة بين دول حوض النيل- مصر والسودان وإريتريا وإثيوبيا- تدور حاليا، وأن نظام السيسي طلب من تل أبيب ممارسة نفوذها على إثيوبيا ومساعدتها في حلحلة الأزمة.

ويؤكد أن وضع إسرائيل في حوض النيل والبحر الأحمر هو الأفضل من أي وقت مضى، إذ عززت تل أبيب نفوذها السياسي والعسكري والاستخباراتي، ودورها كدولة إقليمية عظمى، مبينا أنه في ظل أزمة سد النهضة ولأول مرة في التاريخ، تحافظ إسرائيل على علاقات دبلوماسية كاملة أو اتصالات سرية بمستوى واحد مع جميع بلدان البحر الأحمر، باستثناء اليمن.

Facebook Comments