مع فشل المفاوضات حول أزمة سد النهضة وإعلان إثيوبيا انتهاء المرحلة الأولى لملء خزانات السد وتأكيدها أنها لن تقبل إلا بالتوصل إلى اتفاق غير ملزم مع دولتى المصب مصر والسودان، وأنها لن تقبل أى تدخل فى إدارة وتشغيل السد، يطرح المصريون التساؤل هل يستطيع عبدالفتاح السيسي قائد الانقلاب الدموى توجيه ضربة عسكرية لسد النهضة من أجل الحفاظ على حقوق مصر التاريخية فى نهر النيل؟

الخبراء استبعدوا قدرة السيسي على توجيه أى ضربات عسكرية لإثيوبيا بحكم البعد الجغرافى من جهة وعدم امتلاك الجيش المصرى الطائرات والصواريخ التى يمكنها تدمير السد أو التأثير فيه. وقالوا إن السيسي لا تشغله مياه النيل ولا حدوث عطش أو مجاعة وإنما يهتم فقط بكل ما يضمن استمرار انقلابه.
موضحين أنه لهذا السبب يسعى إلى التدخل العسكرى فى ليبيا خوفا من حكومة الوفاق ومن النفوذ التركى الذى يهدد بتصدع انقلاب السيسي وسقوطه.
كان السيسى قد قال تعليقًا على مفاوضات سد النهضة: نحن نتحرك فى معركة تفاوض، وهذا التفاوض بمنتهى الوضوح عملية ملء وتشغيل السد، ونعمل ذلك لتجنب الفترات الصعبة، وتجنب تأثيرها وفق تعبيره.

وزعم السيسي خلال كلمته الثلاثاء بافتتاح المدينة الصناعية بالروبيكى: نبذل جهدنا ومستمرون في التفاوض.. وهننجح في التفاوض، وهننجح بعملكم وجهدكم وإصراركم وإصرارنا للوصول لاتفاق يحقق لنا المصالح التي كنا نحصل عليها على مر آلاف السنين، وتابع: أقول ذلك بسبب الاهتمام الكبير في مواقع التواصل وكذلك الإعلام وهذا الأمر طبيعى، ولكن البعض يتحدث عن موضوعات وهذا ليس مسار لمصلحة الدولة بحسب زعمه.

الوضع فى ليبيا
من جانبه استبعد مركز الدراسات الاستراتيجية والأمنية الأمريكي “ستراتفور” لجوء نظام السيسي إلى عمل عسكري ضد إثيوبيا، مشيرا إلى أنه أكثر اهتماما بالوضع فى ليبيا ويزعم أنه يهدد الأمن القومى المصرى أكثر من أزمة السد.
وقال المركز فى تقرير له إنه مع استعداد حكومة الوفاق المعترف بها دوليا للهجوم على سرت التى يعتبرها السيسي خطا أحمر بالنسبة للأمن القومى المصرى يحشد القوات المسلحة المصرية للتدخل فى ليبيا ولا يعنيه سد النهضة فى شئ. وأشار الى أن إثيوبيا تقابل بعض الأصوات المصرية التى تطالب بعمل عسكرى بالرد مؤكدة أن جيشها مستعد لصد أي هجوم على "سد النهضة الكبير"، وهى لا تتأثر بمطالب دولتى المصب ولذلك قامت بانهاء المرحلة الأولى من ملء خزانات السد دون توقيع اتفاق.

وأكد ستراتفور وجود قيود كبيرة على استخدام نظام السيسي الحل العسكري للتعامل مع أزمة السد النهضة، منها بعد المسافة بين البلدين، وهى عقبة كبيرة في استهداف سد النهضة، موضحا أن مصر لم تستثمر في التزود بالوقود الجوي، مما يصعب الأمر أكثر.

الأراضي السودانية
وأوضح أن استهداف السد من الأراضي السودانية الحل الوحيد لمصر، لكنه حذر من أن انطلاق الطائرات المصرية من السودان يعد أمرا معقدا من الناحية السياسية، نظرا للعواقب الدولية على مصر والسودان، وتعرض الأخيرة لانتقام عسكري مباشر من إثيوبيا.
واضاف المركز أن نظام السيسي استنفد جميع الخيارات الممكنة لمواجهة ملء إثيوبيا للسد في أي مرحلة، مؤكدا أن السيسي لن يكون أمامه في نهاية المطاف خيار سوى التعاون، على الأقل في القضايا الفنية لإدارة تدفق المياه بين السد العالي في أسوان وسد النهضة الإثيوبي.
وأشار إلى فشل المفاوضات الثنائية بين إثيوبيا ومصر، بما في ذلك بوساطة الولايات المتحدة، والاتحاد الإفريقى في التوصل إلى اتفاق بشأن إجراءات ملء الخزان أو ضمان تدفق المياه في أوقات الجفاف، موضحا أن مصر منذ عام 2011، حاولت باستمرار الحصول على مساعدة الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية والأمم المتحدة للتوسط في المحادثات مع إثيوبيا، لكن دون جدوى.

زوبعة كلامية
وقال خبير عسكري مصري إن الحديث عن إمكانية قيام السيسي بعمل عسكري لتدمير السد يبدو تنفيذه ضربا من الخيال، مشيرا إلى أن الإقدام على مثل تلك الخطوة يجب أن يكون لتحقيق غاية لا بذل عناية، والأمر يبدو غير مضمون فنيا وعسكريا، لأن الوصول وحده لا يكفي، بل تحقيق الهدف من الوصول.
وحول طائرات "الرافال" العسكرية الفرنسية التي اشتراها السيسي وإمكانية الاستعانة بها في أي سيناريو عسكري محتمل بشأن سد النهضة، أوضح أن أمريكا صاحبة أقوى جيش في العالم لكن عملياتها العسكرية خلال العقدين الماضيين في أفغانستان والعراق تثبت أنه لا يكفي فقط أن تمتلك أحدث الطائرات لتحقيق النجاح في إصابة الأهداف، مما جعلها تقرر الانسحاب من هناك.
وأكد الخبير العسكرى أن نظام السيسي يدرك جيدا العواقب الوخيمة للتدخل العسكري على المنطقة بأسرها، وهو ما يرسخ مسألة استبعاد هذا الطرح، حتى مع انسداد المسار التفاوضي بشأن السد، ووصف صيحات الإعلاميين الموالين للانقلاب الداعية لضربة عسكرية بأنها ليست سوى زوبعة كلامية تطلق بإيعاز من أجهزة أمنية لاحتواء الرأي العام في مصر.

انعدام الثقة
وقال أشوك سوين، خبير متخصص في بحوث السلام والصراعات بجامعة أبسالا في السويد إن هناك ضغوطا تواجه كل من إثيوبيا ومصر بعدم استسلام كل منهما للأخرى. وتوقع سوين فى تصريحات صحفية اضطرار نظام السيسي الى توقيع اتفاقية قصيرة الأمد مع إثيوبيا ربما تستغرق عاما فقط حال فشلهما في التوصل إلى حل دائم.
وضرب أمثلة تاريخية على مثل هذه الاتفاقيات قصيرة الأمد بتلك التي وقعتها الهند وبنجلاديش عام 1975 لحل خلاف يتعلق بنهر الجانج وبعد ذلك وقعت الدولتان اتفاق لمدة 3 أعوام ثم 5 أعوام ثم 30 عامًا. ورجح عدم حدوث مواجهة عسكرية بين السيسي وإثيوبيا رغم حالة انعدام الثقة المتبادلة بين الجانبين.

ثورة 25 يناير
وقال مصطفى عاشور، صحفي ومحلل سياسي إن نظام السيسي لن يوجه ولا يجرؤ على توجيه ضربة عسكرية لسد النهضة، مشيرا إلى أنه يحاول تبرئة نفسه من تضييع حقوق مصر التاريخية فى نهر النيل بتوجيه الاتهامات لثورة 25 يناير والرئيس الشهيد محمد مرسي، ويزعم زورا وبهتانا أنهم هم المسئولون عن أزمة سد النهضة.
وأوضح عاشور فى تصريحات صحفية أن المسئول عن إدارة هذا الملف هي وزارة الخارجية، والجهات السيادية، المُتمثلة في جهازي المخابرات العامة والحربية بنظام العسكر، وأكد أن هذا الملف لم يُنقل إلى الرئيس محمد مرسي ليديره بشكل حقيقي، ولكن ما حدث كان أمرا شكليا فقط.

Facebook Comments