كتب: حسين علام

ضرب الكاتب الصحفي فهمي هويدي، مثالا على نماذج الاستبداد في الحكم، من خلال إعلان وفاة الرئيس الأوزبكى إسلام كريموف حينما شكك متحدث باسم الحكومة فى صحة الخبر بعدما تعذر عليها أن تحصل على تأكيد الرئيس له، موضحا أنها مزحة عميقة الدلالة، لأن الرئيس الراحل ظل طوال ٢٧ عاما رمز الدولة والمصدر الأول لأهم أخبارها، ومن ثم فإن المواطن الأوزبكى كتب عليه ألا يصدق سوى كلام الرئيس.

وقال هويدي -خلال مقاله بصحيفة "الشروق" أمس الأربعاء- إن بطانة كريموف صورت له أنه قدر أوزبكستان وزعيمها وفيلسوفها الأوحد، الذى به ولدت أوزبكستان من جديد، وعرفت طريقها إلى الاستقرار والنمو وصارت فى إعلامهم تتصدر الأمم الآسيوية.

وأشار إلى قصة الرجل الذى تأكد موته عن ٧٨ عاما يوم الجمعة الماضى تقدم نموذجا جديرا بالدراسة ومليئة بالعبر، من حيث انها تمثل فصلا تكرر فى سيرة كل مستبد تجبر واستأثر بالضوء طوال سنوات حكمه، كما ألغى المعارضة السياسية واستبدلها بأخرى مزورة رفعت راية المعارضة لكنها ظلت مرتمية فى أحضانه طول الوقت.

ونوه إلى أن اسمه الحقيقى إسلام عبدالغنى كريم، لكنه عرف طول الحقبة السوفييتية باسم إسلام عبدالغنينوف كريموف، من مواليد سمرقند عام ١٩٣٨، وقد التحق بالحزب الشيوعى بعدما درس الاقتصاد والهندسة، وانتخب عام ١٩٨٩ سكرتيرا أول للجنة المركزية للحزب الشيوعى السوفييتى فى أوزبكستان، ثم انتخب بعد سنتين (عام ١٩٩١) ليكون أول رئيس للجمهورية. لكنه بعد سقوط الاتحاد السوفييتى سارع إلى إعلان استقلال بلاده وانفصالها عن الاتحاد. حينذاك خلع ثوب الحزب الشيوعى وارتدى بسرعة ثوب الحزب الليبرالى الديمقراطى، وترك الأممية ليلتحق بالوطنية والقومية.

وعلى طريقة «الأسد إلى الأبد» فإنه استبق وقرر أن يفرض نفسه باعتباره رجل الأوزبك الذى لا يفنى وإنما تتجدد حينا بعد حين بالقانون والشرعية، والمؤسسة الأمنية قبل الاثنين. فى استفتاء نظمته أجهزته فى عام ١٩٩٥ مدد الزعيم المعجزة صلاحياته رئيسا للبلاد حتى عام ٢٠٠٠.. ثم أعيد انتخابه لثلاث فترات إضافية كان آخرها فى شهر مارس عام ٢٠١٥. ولاستكمال الشكل الديمقراطى فإن الرجل سمح للمعارضة أن ترشح منافسا له اسمه عبدالحافظ جلالوف، وطبقا للسيناريو فإن الرجل منى بهزيمة ساحقة، حيث صوت ٩١٪ من الناخبين لصالح كريموف.

ولم تكن هذه هى «المفاجأة» الوحيدة، لأن المفاجأة الأخرى أن منافسه و«خصمه» السيد جلالوف صوت لصالحه، وتباهى بذلك بعد إعلان النتائج قائلا إنه نافس الرئيس الفلتة ترسيخا لمبادئ الديمقراطية فى عهده، لكنه لم يجد أفضل منه فصوت لصالحه!

لعب كريموف بكل الأوراق، فهو نصير الطبقة العاملة فى المرحلة السوفييتية، وهو الزعيم القومى بعد سقوط الاتحاد السوفييتى. وهو الديمقراطى الذى ينتخبه الشعب فى كل استفتاء. وهو المحارب للإرهاب بعد أحداث سبتمبر ٢٠٠١. وهو حليف واشنطن بعد الغارة التى استضاف بعدها قاعدة أمريكية فى بلاده إسهاما فى الحرب العالمية ضد الإرهاب. وهو منقذ البلاد من الإرهاب الإسلامى بمذبحة «انديجان» التى أباد فيها سبعة آلاف من المتظاهرين المعارضين عام ٢٠٠٥. وهو رجل الاستقرار بعد الاستقلال، الذى قضى على المعارضة حتى أصبحت أوزبكستان بلا سياسة ولا معارضة.

الذين رفعوا شعار كريموف «قَدَر» أزوبكستان، وهتفوا لبقاء المنقذ إلى الأبد، يواجهون الآن مشكلة، حتى أصبحت بلادهم فى مهب الريح. فالرجل حين أمات السياسة وأباد معارضيه لم يدمر الحاضر فقط وإنما دمر المستقبل أيضا. ذلك أنه لم يبق على منافسيه فى حياته، ولم يتح لأحد منهم أن يظل قيد الحياة بعد مماته. هم يواجهون الآن مشكلة خلافته وبعده ظل «الأوحد» طوال ٢٧ عاما. ومأساتهم أنه لم يبق إلا على نظائره، بحيث أصبحت السلطة حكرا على كريموف الثانى والثالث وغيرهما. إن الطغاة يتناسخون ويتوهمون أنهم يصنعون التاريخ، وينسون أن استبدادهم يخرج البلاد من مجرى التاريخ.

يذكر أن نظام عبد الفتاح السيسي الذي جاء بانقلاب عسكري يسير بنفس الخطوات التي سبقه إليها كريموف من حيث الاتجاه لمد فترة حكمه لأربع سنوات أخرى يحاول تأهيل المواطنين لتمريرها دون انتخابات، رغم مسرحية هذه الانتخابات التي يحسمها بالدبابة، فضلا عن اعتقال وقتل كل من يعارضه بل والدعوة لترحيل كل منتقديه خارج البلاد، والسيطرة على ثروات البلاد، في الوقت الذي وصف السيسي نفسه بأنه فيلسوف طبيب جراح وطالب الشعب المصري بألا يسمعوا كلام أحد سواه.

Facebook Comments