في الثامن من أغسطس 2012، استيقظ المصريون على خبر تعيين الرئيس الشهيد محمد مرسي، اللواء محمد أحمد زكي، قائدًا لقوات الحرس الجمهوري، قادمًا من وحدات المظلات ومكلفًا بتأمين جميع قصور ومقرات الرئاسة، وتأمين شخص رئيس الجمهورية وأفراد أسرته وعناصر موكبه.

لكن سرعان ما توالت الأحداث ليفرض الرجل نفسه على الساحة، بعدما كان أحد أدوات الانقلاب على أول رئيس مدني بالبلاد، ليقدم كرسي الرئاسة على طبق من ذهب لوزير الدفاع آنذاك جنرال إسرائيل السفيه عبد الفتاح السيسي، الذي حرص على رد الجميل بتعيينه وزيرًا للدفاع، في خطوة أثارت لغطًا دستوريًّا في هذا الوقت.

وهْن وقلق

إلا أنَّ القاعدة تقول إن “كل خائن سيُخان”، وأفادت مصادر مطلعة بأنَّ السفيه السيسي بات في حالة انتقام دائم من شخصيات عسكرية وأمنية يشوبها التقصير حيال المظاهرات والحملات الإعلامية التي تدعو لإسقاطه، وكيف لم تواجه بالشكل المناسب، وزاد غضبه وسلط أتباعه على ارتكاب مجازر بحق كل من سرَّب أي معلومات خاصة.

ولم يكن السفيه السيسي على هذه الدرجة من الوهن والقلق منذ الانقلاب الدموي الذي قاده عام 2013 على الرئيس الشهيد محمد مرسي، وإذا كان قد وظف الجيش في انقلابه ذاك، عندما كان وزيرا للدفاع، فإنه يبدو اليوم خائفًا من أن يُؤتى من مأمنه.

وفعلًا يحق للسفيه أن يخشى مؤسسة العسكر على حكمه، فهو قد أطاح، منذ عام 2018، بالعدد الأكبر من جنرالات المجلس العسكري الذي أرغم الرئيس المخلوع حسني مبارك على الاستقالة عام 2011، ثمَّ قام بالانقلاب على مرسي عندما كان السفيه السيسي نفسه هو من يرأسه.

ولم يكتفِ السفيه السيسي بالتخلص من شركائه في الجريمة، بل إنه لم يتردّد في إهانة رموز كبيرة في المؤسسة العسكرية، كرئيس هيئة الأركان الأسبق سامي عنان، والمعتقل منذ عام 2018، لأنه تجرأ على الترشح ضده في انتخابات الرئاسة، وكذلك أحمد شفيق الذي طُرد في العام نفسه من الإمارات العربية المتحدة إلى مصر، لأنه فعل الأمر ذاته.

أيضًا لم تتوقف جهود السفيه السيسي الحثيثة منذ استيلائه على الحكم في 2014، في “تطهير” جهازَي المخابرات العامة والمخابرات الحربية، وبعض الأجهزة الأمنية الأخرى التابعة لوزارة الداخلية، من كثيرين من قياداتها الذين لا يثق في ولائهم المطلق له.

وعهد السفيه السيسي إلى ذراعه اليمنى رئيس المخابرات العامة، اللواء “عباس كامل”، برفع تقارير واتخاذ قرارات لمحاسبة المقصرين في الأجهزة الأمنية والسيادية، على خلفية الارتباك الحاصل إزاء التعامل مع الدعوات المطالبة برحيل السيسي، والتسريبات المتواصلة من دوائر قريبة من عصابة الانقلاب.

الحرس الجمهوري

ويشير نائب رئيس لجنة الشئون الخارجية السابق بمجلس الشعب وعضو الهيئة العليا لحزب الحرية والعدالة، د.محمد جمال حشمت، إلى نقطة أخرى متعلقة بالحرس الجمهوري، موضحًا أن رئاسة الحرس لا تحظى بثقة السفيه السيسي، بعد تخليها عن الرئيس الأسبق حسني مبارك في أحداث ثورة 25 يناير 2011، رغم أنه أحد رجال القوات المسلحة، وتخليها عن الرئيس المنتخب من الشعب محمد مرسي في انقلاب 3 يوليو 2013.

ويؤكد حشمت أن الحرس الجمهوري، في الحالتين، انضم لموقف القوات المسلحة، وتخلى عن مهمته الأساسية في حماية رئيس الجمهورية، وهو ما يخشاه السفيه السيسي، ولذلك يقوم بتغييرات دائمة ومستمرة داخل منظومة الحرس الجمهوري والأمن الرئاسي، وكل قطاعات القوات المسلحة، حتى لا يكون لأي قيادة نفوذ أو ولاء إلا لشخصه فقط.

وبحسب عضو الهيئة العليا لحزب الحرية والعدالة، فإن وزير الدفاع الحالي ورئيس الحرس الجمهوري السابق، محمد زكي، أكد للرئيس الشهيد مرسي، قبل بيان الانقلاب، أنه لا يستطيع مواجهة قرارات القوات المسلحة، لأنه جزء منها، ولذلك فهو الذي سلَّم مرسي وفريقه الرئاسي، الذي كان متواجدًا معه بدار الحرس الجمهوري أثناء هذه الأحداث، للسفيه السيسي وقواته العسكرية والأمنية.

يذكر أن السفيه السيسي قضى شهوره الستة الأخيرة قبل أن يغادر منصب وزير الدفاع في تشكيل قوات التدخل السريع. القوات التي تعمل تحت القيادة المباشرة لوزير الدفاع تم تسليحها بأحدث المعدات والذخائر التي لا يملك بعضها الجيش المصري نفسه.

وهي رغم أنها جهزت خصيصا للتدخل السريع، كما يظهر اسمها، فإنها مسلحة بفرق دبابات وبطائرات مقاتلة وطائرات نقل عسكرية، بخلاف الأسلحة المتوسطة والخفيفة وبمعدات للدفاع الجوي المتحرك، وللقذف المدفعي المتحرك أرض أرض.

لا يحظى بثقة

تاريخيًّا كانت حماية الرئيس من انقلاب الجيش ضده مهمةَ سلاح الحرس الجمهوري، لكن ربما الدور الذي لعبه هذا السلاح في ثورة يناير، وانضوائه عمليا وقتها ضمن أسلحة الجيش، ورفضه تقديم حماية خاصة لمبارك في وجه المجلس العسكري، دفع السيسي لتأسيس جيش خاص يختار قياداته وضباطه على أساس الانتماء له أولا، والكفاءة القتالية ثانيا، بعيدا عن البيروقراطية العسكرية التي تسيطر على بقية أفرع القوات المسلحة، والتي ظهر أثرها في كفاءة عمليات الجيش بسيناء في مواجهة عشرات المسلحين.

أوجد كل ما سبق خصومًا أقوياء كثيرين لديكتاتور مصر، وهذا يشرح الشكوك التي يثيرها بعضهم حول الممثل والمقاول محمد علي، والذي هزَّ عرش السفيه السيسي عبر فيديوهات ينشرها على موقع يوتيوب، إذ ثمة مَن يعتقد أنه قد يكون من أدوات الصراع داخل أجهزة الدولة، خصوصا أنه كان مقاولاً مع مؤسسة العسكر، ويبدو أنه كانت له ارتباطات بأجهزة استخباراتية مصرية، من خلال عمله منتجًا سينمائيًّا كذلك.

وبغضِّ النظر عن حقيقة محمد علي وخلفيته، فمن الواضح أنه حرّك المياه الراكدة في مصر، وتمكّن من إعادة بعض النبض إلى شارعها، وتجلى ذلك، سبتمبر الماضي، في المظاهرات غير المسبوقة المطالبة بتنحّي السفيه السيسي عن الحكم.

ما يؤكد حجم تأثير فيديوهات محمد علي التي كشفت بعض أوجه فساد عصابة السفيه السيسي، أن “أحد أهم ما عَرَّتْهُ فيديوهات محمد علي أن رئاسة السيسي ليست راسخة كما كان يُظَنُّ، بل قابلة للانهيار”، فهل تتحقق نبوءة الرئيس الشهيد مرسي بمصير السفيه السيسي، أثناء محادثة له مع محاميه سليم العوا، عندما قال: “اللي بينقلب بينقُلب عليه”؟”.

Facebook Comments