اعتاد الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، التطاول على حكام آل سعود، وبطريقةٍ ابتزازيّة على ملك السعودية وعاهلها، وعادة ما لا يصدُر رد قوي قاطع على هذا التّطاول، الأمر الذي يُثير العديد من علامات الاستفهام، خاصّةً أن المملكة من أكبر دافعي الإتاوة في العالم بأسره، ناهيك عن كثرة المُتحدّثين باسمها في الداخل والخارج.

ويبدو أنَّ آل سعود على موعد للدفع مجددًا بعد قتل أربعة أشخاص، أمس الجمعة، في إطلاق نار بقاعدة “بنساكولا” الجوية التابعة لسلاح البحرية في ولاية فلوريدا، وذكرت وسائل إعلام أمريكية أن المسلّح الذي قتلهم وأصاب سبعة بجروح هو “طالب طيران سعودي الجنسية”، يتلقى التدريب في المنشأة.

مليارات بالكوم!

ولأنَّ السعودية دائما تملك المال وبالمليارات، فقد قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد الحادثة، إن العاهل السعودي الملك سلمان اتصل به معزيًا، وكتب ترامب على “تويتر”: “الملك سلمان اتصل بي معبرا عن خالص تعازيه لأسر وأصدقاء المحاربين الذين قتلوا وجرحوا بالهجوم الذي وقع في فلوريدا”.

وأضاف: “قال الملك إن الشعب السعودي غاضب بشدة من العمل الوحشي الذي قام به مطلق النار، وأنه لا يمثل بأي شكل من الأشكال مشاعر الشعب السعودي المحب للشعب الأمريكي”.

وفي أبريل الماضي، في خطابٍ ألقاهُ أمام أنصاره في ولاية وينسكونسن، كرّر الرئيس ترامب تعاطيه البَذيء بحُلفائه السعوديين بطريقةٍ فجّةٍ ومُهينة، عندما قال “اتّصلت بالملك سلمان، وأنا مُعجبٌ به، وقلت أيّها الملك نحن نخسر أموالا كثيرة، لا نُريد أن نخسركم ونخسر أموالكم.. اشتريتم منّا الكثير.. اشتريتم منّا ما قيمته 450 مليار دولار.. نحن ندعم استقراركم.. ادفعوا لنحميكم”.

قبل ذلك وفي خطاباتٍ مُماثلة، كرّر الرئيس ترامب اللغة التهكّميّة نفسها، و”عاير” الحكّام الخليجيين، ومن ضمنهم حكّام الرياض، بأنّه لولا الحماية الأمريكيّة لخسِروا طائراتهم الخاصّة، وسافروا على الدرجة السياحيّة، والتهمتهم إيران في أقل من 12 دقيقة، ولأصبحت المِنطقة تتحدّث الفارسيّة.

السعوديّة من المفترض أن تكون الحليف الأوثق للولايات المتحدة الأمريكيّة، وترتبط معها بمُعاهدة واتّفاقات دفاعيّة وتجاريّة مكتوبة يلتزم بها البيت الأبيض، وبغض النّظر عن ساكنه، مُنذ لقاء الملك عبد العزيز بن سعود، والرئيس وروزفلت على ظهر الفرقاطة الأمريكيّة “يو إس إس كوينسي”، في البحر الأحمر عام 1945، وأمريكا لا تُقدّم هذه الحماية مجانًا، وتقبض ثمنها نقدًا، مقابل توفير الحماية للمصالح الاستراتيجيّة الأمريكيّة في منطقة الشرق الأوسط وبعض مناطق العالم الإسلامي، ودورها- أيّ السعوديّة- في دعم الجهاد الأفغاني، ومُحاربة الشيوعيّة لمصلحة أمريكا بات معروفًا ولا نحتاج إلى تِكراره.

وما هو أبعد من ذلك، بتصريحات ترامب التي أشاد فيها بدور المملكة في حماية كيان العدو الصهيوني ومشروعها في المنطقة، وصفقة القرن، وتأسيس حلف الناتو العربي السني، استعدادًا لمُواجهة إيران.

فم ترامب

ولا أحد يعرف الأسباب الحقيقيّة التي تدفع بالرئيس الأمريكي “لتحقير” حُلفائه السعوديين بهذه الطّريقة، خاصّةً أنّ تصريحاته الأخيرة المُهينة تأتي في وقت هو بحاجة ماسة إلى المملكة لقُرب تطبيقه الدّفعة الثانية من العُقوبات على إيران، وعُنوانها الأبرز صِفر صادرات نفطيّة، وما يُمكن أن يُسفر عن هذه الخطوة من توتّرات يُمكن أن تؤدي إلى اندلاع الحرب في المِنطقة.

ويبدو أن إغلاق فم ترامب بالمليارات على أمل سكوته لم ينجح حتى الآن، بل أدّى إلى المزيد من الإهانات والبذاءات، ويدرك آل سعود جيّدًا أنّ أمريكا قويّة، مِثلما يدركون أيضًا أنّ ترامب يتصرّف مِثل الثُور الهائج، ولكن هذا لا يعني الصّمت على بذاءاته وإهاناته، ولكن يبدو أنّ هُناك في المملكة من يعتقد بغير ذلك للأسف.

نقطة ضعف آل سعود أنّهم بالغوا كثيرًا في تحالفهم مع واشنطن على حساب الأمة، وخضعوا لكُل الإملاءات الأمريكيّة بالتّالي، وأصبحوا “حيطة واطية” للرؤساء الأمريكيين، يُمارسون كُل أنواع الابتزاز لهم بحُجّة عدم قُدرتهم على حماية أنفسهم، وتمادوا كثيرًا في هذا الابتزاز والخُروج عن كُل مُدوّنات السّلوك المُتّبعة بين الحُلفاء.

اليوم أمريكا وقادتها يتطاولون على آل سعود، وغدًا سيأتي دور الإسرائيليين الذين يعتقد آل سعود أنّ الصهاينة يُمكن أن يكونوا حامية لهم، في مُواجهة الخطر الإيراني الذي يُمثّل الخطر الأوّل، وليس إسرائيل، على وجودهم، ولن يستغرب أحد أن من يضُم الجولان اليوم، وقبلها القدس، سيُطالب بالمدينة المنوّرة ومكّة المكرّمة باعتبارهما أملاكًا يهوديّةً، فالحديث يتزايد هذه الأيّام عن إقامة إسرائيل التوراتيّة من النّيل إلى الفُرات وما بينهما في ظِل حالة الهوان العربيّ الحاليّ.

Facebook Comments