لطمة أخرى يسجلها العسكر في سجل لطماتهم الحافل على وجه الشعب، عندما قاموا بتشييع المخلوع مبارك على هذا النحو من المراسم، وهو ما يعمق الجرح والثأر بين شعب يتم التنكيل باختياراته، وسلطة غاصبة يتم تكريم أفرادها عرفاناً لأيام السلب.

زاد من وقع اللطمة وصف الإسرائيليين “‫مبارك” بأنه “الكنز الاستراتيجى” لهم، حتى إن رئيس وزراء العدو الصهيوني بنيامين نتنياهو تقدم صفوف المترحمين عليه، لأنه عاش خادما لهم وحاميا لحدود كيانهم المغتصب، وتنازل لهم عن حقوق مصر في الغاز وفي البترول، وسمح لهم بسرطنة شعبها بالمبيدات، بل إنه سبّ رئيس السلطة الفلسطينية “ياسر عرفات”، وأجبره على التوقيع على التنازل في أوسلو، وحاصر الفلسطينيين فى غزة، ونهب البلاد وشرد العباد ودمر مصر ومكانتها ثلاثين عاما، وحولها إقطاعية له ولعصابته وأولاده.

وقد حاكمه قضاؤه الهزيل وسُجن، ثم يخرج البهاليل ليقول أحدهم “اذكروا محاسن موتاكم”، معنى ذلك أن نطوى صفحات التاريخ عن كل حاكم طاغية وخائن، وظالم وفاسد وقاتل ومستبد ولص، ونقول له افعل ما شئت وحينما تموت لن نذكر إلا حسناتك.

لماذا لا يفيق المصريون؟

حساب الآخرة عند الله وحده للناس جميعا، لكن هناك مسئولية على الجميع فى نقد وتقويم ومحاسبة كل من يتولى منصبا عاما يتعلق بمصالح الناس وشئونهم، هنا يجب على الناس نقده وتقويمه حيا وميتا وإلا فسدت الأرض، وعم الطغيان، لا سيما إذا كان حاكمًا خادما لإسرائيل، وفاسدا وظالما لشعبه ومستبدا وطاغيا ظاهر الطغيان والاستبداد والفساد، وخلعه شعبه فى ثورة.

وفتحت سفارة العسكر في تل أبيب دفتر عزاء لتمكين الصهاينة من نعي المخلوع مبارك، وتكون أبواب مقر السفارة الواقع في شارع “بازل 45” مفتوحة غدا الجمعة، ابتداء من الساعة العاشرة صباحا وحتى الساعة الرابعة عصرا، وكذلك بعد غد الجمعة من العاشرة صباحا وحتى الثانية عشر ظهرا.

وعبر أكثر من ربع قرن حكم فيها مصر، لا يتذكر المصريون أي إنجازات لمبارك غير خفة دمه واستظرافه معدوم الإحساس والتقدير، والتي تنفجر في مشاهد عبثية بلا معنى مثل المشهد الأخير.

وفي أكثر من حوار، سأل المذيع مبارك عن أحلامه حين كان قائدا لسلاح الطيران، وهو قال إن أقصى طموحه بعد تقاعده، كان أن يُعيّن ملحقا عسكريا في لندن ويقضي هناك أيامه الأخيرة، وحين يسأله المذيع لماذا لندن بالذات: يجيب: “علشان بلد إكسلانسات”!

لم يحلم مبارك يوماً بتغيير العالم، أو تحقيق قفزات ثورية وحالمة، حتى شعار السفيه السيسي الحالي “مصر هتبقى قد الدنيا” لم يكن مطروحا في زمن مبارك، بل تعامل مع حكمه لمصر كقَدَر، ورأى أن وظيفته تتلخّص في ما كان يردده: “أجيب لكم منين؟”.

أسس مبارك حكمه على شعار الاستقرار، والرقود على البيض حتى يفقس، والخميرة حتى نخبز، في سبيل الاستقرار، قتل مبارك أي محاولة للتغيير، أو فتح البلاد وإطلاق طاقات شبابها، ولولا 11 سبتمبر، وما تبعها من ضغوط أمريكية عليه ليستيقظ من النوم تحت التراب، ما كان مبارك ليحقق إنجازه الوحيد.

هذا الإنجاز الذي تمثل في رفع القبضة الأمنية– قليلا- في سنوات ما بعد 2005، وتوسيع هامش حرية الرأي والتعبير، الأمر الذي قاد المصريين إلى الخروج من ظلام كهف الاستقرار نحو نور ميدان التحرير في 2011، لتعيدهم الدبابات سريعا نحو عمق الكهف مرة أخرى في 30 يونيو 2013.

أسطورة الترحم!

لدى شريحة من المصريين ميراث عظيم يمتد لأكثر من خمسة آلاف عام، من عشق الحكام والصبر عليهم والثنائية العجيبة في التعامل مع الحاكم الظالم، وهي الدعاء على الظالم أثناء حياته، ثم الترحم والبكاء عليه حين وفاته، ثم تلتف مجموعة من المخلصين حول أسطورة الحاكم ليصنعوا منه إلها من التمر والأوهام.

لذا فحتى بعد سنوات من وفاته، ما زال هناك في مصر من يعيش ويترحم على الظالم عبد الناصر. وفاة مبارك لم تكن أزمة لدى بعض المصريين المعروفين بتقديسهم وحبهم لجلّاديهم، فبالنسبة لغالبية المصريين، توفي مبارك في 2011 حينما شاهدوه في المحكمة نائما على ظهره ويلعب في مناخيره بأصبعه، وخبر وفاته مؤخرا لم يكن سوى مناسبة لتجدد الحديث عن محاسن الراحل.

الأزمة الناتجة عن وفاة مبارك كانت لدى عصابة الانقلاب، فالسفيه السيسي وعصابته ليس لديهم أي دين اتجاه مبارك وعصابته، بل تنظر عصابة السفيه السيسي بقلق لمبارك وولديه جمال وعلاء، تبرئهم من بعض القضايا وتدينهم في قضايا أخرى، تسمح لهم باستخدام “تويتر”، لكنهم يمنعونهم من حضور مباريات كرة القدم، ويضيق عليهم اختلاطهم بعموم المصريين.

ومع تصاعد أنباء تدهور حالته الصحية، كان القرار الأخير لدى عصابة الانقلاب هو تنظيم جنازة رسمية غير عسكرية لمبارك، جنازة تشارك فيها شخصيات رسمية وتخرج من مسجد المشير طنطاوي، لكنها لا تحمل الصفة العسكرية، وهو خيار مثالي يحافظ على هيبة مبارك كابن للعصابة العسكرية في النهاية، ولا يجعل سلطات الانقلاب متورطة في معركة انحياز ودفاع عن سياساته!.

لكن الضغوط توالت من عصابة الخليج، حيث أرادوا حضور الجنازة وتقديم واجب العزاء في رجلهم وخادمهم الوفي مبارك، وهو موقف لا يعبّر فقط عن إخلاص ووفاء وجمال ومحبة وحُسن وكرم خليجي، بل يعبّر كذلك عن مكايدة وإفراط في إذلال الشريحة الثورية في الشعب المصري التي قادت الربيع العربي وتسببت في خلع مبارك ومحاكمته وسجنه وذلّه في آخر أيامه.

تراجعت عصابة الانقلاب تحت ضغط عصابة الخليج، فلم يكن معقولا أن يعلن شيطان الإمارات محمد بن زايد الحداد وتنكس الإعلام، ثم يتنصل السفيه السيسي من فعل مماثل، لذا صدر بيان من عصابة الانقلاب بعد أكثر من 12 ساعة على إعلان خبر الوفاة، ناعيا المخلوع لا بصفته رئيسا سابقا لمصر، بل كأحد أبطال حرب أكتوبر، لتأتي الجنازة وتقدم صورة مشرّفة عن إخلاص عصابة الانقلاب!.

فالسفيه السيسي ورموز عصابة الانقلاب، يتقدمون صفوف الجنازة العسكرية التي مرّت على عجل، لدرجة أن إكليل ورد وحيدا تقدّم الجنازة، حاملا عزاء العصابة والمجلس العسكري، وفي قاعة التعازي، اجتمع رموز شلة السفيه السيسي في ركن، وفي الركن الآخر رموز عصابة مبارك يتوسطهم مبعوثو الحكام الحقيقيين لمصر من أمراء الخليج وشيوخه.

كل هذه الدراما الهابطة تدور في مجمع مسجد المشير طنطاوي، مجرم المرحلة، الذي قاد إجراءات عزل مبارك، وانتظر مراقبون أن يحضر الجنازة ليتحقق المثل الشعبي “يقتل القتيل ويمشي في جنازته”، لكنه لم يحضر بزعم المرض.

أما خارج مسجد المشير طنطاوي، فقد تجمع أبناء ويتامى مبارك في طقس مازوشي من طقوسهم الشهيرة، رافعين لافتات وصُور حب مبارك، لكن لا يسمح لهم بدخول العزاء أو المشي في جنازته.

أما في الإنترنت، فقد حاولت شريحة من المصريين استحضار طقوس الموت وجلاله في عبارات من نوع “لا شماتة في الموت”، أو “له ما له.. وعليه ما عليه”، لكن الإجابة الحقيقية تخرج ساخرة، متمثلة في عشرات “الميمز” والنكت والإفيهات على مبارك ووفاته وجنازته، في وداع يليق بواحد من الظالمين الذين حكموا مصر.

Facebook Comments