في ضوء تطورات الأوضاع في دول العالم إثر انتشار جائحة كورونا المستجد في دول العالم، تتزايد الدول الديمقراطية اقترابا من شعوبها، نحو حلحلة الأزمات والتصالح السلطوي مع الشعوب، بجانب القرب من الله ودعوات العلمانية الغربية لشعوب العالم بالصلاة من أجل ان يرفع الله البلاء عن العالم، وعلى عكس ذلك في دول الاستبداد والأنظمة الشمولية تتزايد القبضة الأمنية والاستبداد السلطوي والقمع على المفتوح، وهو ما تدلل عليه ممارسات نظام الانقلابي السيسي، باستمرار سياسات الاعتقال والترهيب وإغلاق السجون على قاطنيها ظلما، وتركهم فريسة لكورونا، وإغلاق مجال الحوار أو الاستماع لصوت المنظمات الحقوقية بإطلاق سراح السجناء والمعتقلين خوفا من قتلهم بالفيروس القاتل.

ويرى “بوبي جوش” في مقال نشره موقع “بلومبيرج نيوز” أن بعض الأنظمة الحاكمة في المنطقة العربية فيروس كورونا كغطاء للعودة بقوة إلى سياسات القمع والاستبداد.

بل أصبحت الحكومات العربية أكثر ذكاء في مراقبة الفضاء على الإنترنت وقمع المعارضة. فقد مرر المغرب قانونا جديدا لمحاربة الأخبار الكاذبة، يقول الناشطون إنه يحتوي على بنود قد تخرق حرية التعبير والحق في التظاهر. فيما يعتقل السيسي الآلاف بنفس التهم، نشر الاخبار الكاذبة.

قمع السيسي

إلى ذلك، قالت مجلة “إيكونوميست” في عددها الأخير؛ إن كوفيد- 19 منح الدول العربية فرصة لزيادة القمع ضد سكانها والتجسس عليهم وتوسيع صلاحيتها.

وأضافت: “لو صدقنا الأرقام الرسمية فإن كوفيد- 19 لم يضرب بعد الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشدة كما في بقية العالم. وباستثناء إيران فإن الفيروس قتل حوالي 100 شخص في كل المنطقة، مقارنة مع آلاف الضحايا في أوروبا. ومع ذلك اتخذ القادة العرب إجراءات متطرفة للحد من انتشاره وفرض منع التجول وأغلقت المحلات التجارية وحجرت مدنٌ بالكامل”.

وتعلق المجلة: “هذا تصرف حكيم، فدول مثل إيطاليا وإيران أخّرتا التحرك مما أدى لتدفق الحالات ولكنه مثير للقلق”. والسبب هو أن الأنظمة في المنطقة طالما لعبت على “مخاوف الناس لتبرير حكمها الديكتاتوري”.

وأعلنت معظم الحكومات حالة الطوارئ؛ ما سمح للحكام بالحكم عبر المراسيم، مع أن معظمهم يفعل هذا من قبل، ونشر القوات المسلحة.

ففي مصر مثلا، أُرسل الجيش للقيام برش المناطق بالمطهرات. وفي الأردن يحرس الجيش الساحات العامة ويساعد على فرض منع التجول والتأكد من عدم خروج الناس من بيوتهم. وعندما لم تكن السلطات المدنية في إيران قادرة على التعامل مع الوضع، حاول الحرس الثوري الدفع باتجاه قيود لها علاقة بالفيروس.

وفي بعض الدول الأوروبية خرج الجيش إلى الشوارع. إلا أن الأنظمة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لن تخفف من قبضتها على المجتمع مع تقهقر الأزمة. كما أن هذه الأنظمة تمارس القمع بطريقة لم نرها في الغرب.

واحتجزت المغرب أشخاصا لنشرهم الشائعات. وحذر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، قائلا: “من ينشرون الأخبار الزائفة ستتم ملاحقتهم”. وحدد الأردن عدد الصحفيين المسموح لهم بالخروج ونقل الأحداث حتى قبل تسجيل أي وفاة. ومنعت مصر صحفية من صحيفة “الجارديان” البريطانية بعدما نقلت معلومات لدراسة أعدها علماء أوبئة في كندا، والذين قالوا إن انتشار المرض في مصر أوسع مما تحدثت عنه الحكومة.

ويعتمد العرب على الإذاعات التي تديرها الدولة والتي تقدم أخبارا غير دقيقة وبيانات مثيرة للتساؤل إلى جانب بيانات وزارات الصحة. وحتى في إسرائيل التي تعتبر فيها الصحافة حرة، فهناك مخاوف من تجاوز حكومة بنيامين نتنياهو الخط الأحمر وممارسة الرقابة، خاصة أنه أمر جواسيسه بالتنصت على الهواتف النقالة لتحديد حركة المصابين بالفيروس.

ويخشى بعض الصهاينة من إساءة استخدام هذه السلطة. ويتهم نتنياهو وحلفاؤه باستخدام انتشار الوباء كمبرر لتأخير محاكمته بقضايا فساد، وكذا البقاء في السلطة لمدة أطول مع استمرار المفاوضات لتشكيل حكومة. وتقول يوهانا بليسنر من معهد إسرائيل للديمقراطية: “يحاول جهده لاستغلال الفرصة التي قدمها فيروس كورونا”.

وفي الوقت نفسه تشكك منظمة الصحة العالمية بالأرقام القادمة من الحكومات في المنطقة. فعدم وجود فحص كاف يعني أن الأرقام أعلى من تلك التي تعلن عنها الحكومات، كما أن الأنظمة الصحية ليست مجهزة للتعامل مع حالات واسعة. وربما ندمت حكومات المنطقة على ما أنفقته لتعزيز قواتها العسكرية وشراء الأسلحة أكثر من الاهتمام ببناء المستشفيات والإمدادات الطبية وتحسين الوضع الصحي.

طرد الصحفيين الأجانب

في غضون ذلك، أعلنت صحيفة “الجارديان” أن مراسلتها في القاهرة قد أجبرت على الرحيل بعد تقريرها عن انتشار وباء فيروس كورونا فيها. وكان ذنب الصحفية روث مايكلسن أنها نشرت معلومات عن دراسة شككت بصحة المعلومات الرسمية عن حجم الحالات التي سجلت في مصر.

وفي تقرير أعده مايكل صافي قال إن الصحفية روث التي تعيش في مصر منذ عام 2014 تلقت نصائح الأسبوع الماضي من دبلوماسيين قالوا فيها إن الأجهزة الأمنية في البلد تريد منها مغادرة البلاد حالا بعدما سحب منها التصريح الصحفي وطلب منها الحضور لمقابلة مع السلطات المعنية لمناقشة وضع إقامتها.

بحسب التقرير، ربما كان لدى مصر مع بداية شهر مارس حالات بمعدل أعلى 19.310 حالات وأدنى 6.000 حالة

ونشرت روث مايكلسن في 15 مارس تقريرا نقلت فيه نتائج توصل إليها خبراء الأمراض المعدية في جامعة تورنتو وكذا المعلومات العامة والحالات الصحية والتي أشارت إلى أن معدلات انتشار الفيروس في مصر هي أعلى من تلك التي أكدتها الحكومة المصرية. وأشارت إلى دراسة نشرتها مجلة “لانسيت للأمراض المعدية” والتي قامت بتحليل السجلات وبيانات المسافرين ومعدلات العدوى والتي قدرت أن مصر ربما كان لديها مع بداية شهر مارس حالات بمعدل أعلى 19.310 حالات وأدنى 6.000 حالة.

وكانت الحكومة المصرية قد أكدت في ذلك الوقت أن عدد الأشخاص المصابين لم يتجاوز الثلاثة. وفي ذلك اليوم الذي نشرت فيه القصة استدعيت مايكلسن إلى لقاء استمر لثلاث ساعات ونصف مع مدير الهيئة العامة للاستعلامات، ضياء رشوان. وقالت إنها اتهمت مع صحفي آخر بنشر معلومات عن دراسة غير موثوقة والتسبب بالفزع في البلاد.

سحب التراخيص

وطلبت حكومة الانقلاب المصرية من “الجارديان” سحب القصة وتقديم اعتذار. وفي 17 مارس سحبت السلطات تصريح ممارسة مايكلسن العمل الصحفي. وعرضت الصحيفة على السلطات المصرية فرصة كتابة رسالة تنشر لتفنيد ما جاء في التقرير أو الدراسة الكندية لكنها لم تتلق أي رد.

وبعد يوم أرسل الدبلوماسيون البريطانيون في القاهرة والهيئة العامة للاستعلامات رسالة إلى الصحفية أن عليها مقابلة سلطة إصدار التأشيرات للصحفيين.

وقالت روث التي تحمل الجنسية الألمانية أيضا إن الدبلوماسيين الألمان في القاهرة نصحوها بعدم حضور المقابلة تحت أي ظرف: “قالوا لي: نعتقد أن حضورك اللقاء ليس آمنا وأنت في خطر وعرضة للقبض عليك ويجب عليك البحث عن طائرة” وترك القاهرة. وكانت السلطات طردت مراسلة صحيفة “التايمز” عام 2018.

وتقول الصحيفة إن مغادرة روث مايكلسن تعني عدم وجود صحفي متفرغ في مصر، بعدما طردت السلطات المصرية مراسلة صحيفة “التايمز” بيل ترو عام 2018.

وهكذا تتصاعد معدلات الاستبداد السيسي في مصر ودول عربية بمعدلات اعلى من كورونا.

Facebook Comments