هكذا حال السيسي الذي لا يجيد سوى تحصيل المكاسب والغنائم الاقتصادية له وللدائرة الضيقة لحكمه، ولو على حساب الشعب الذي يواجه أوضاعًا صحية مزرية، فلا توجد منظومة صحية قادرة على مواجهة تفشي وباء كورونا، ولا يوجد إغلاق يمنع التفشي، بل باتت مصالح السيسي ونظامه ودعوات رجال الأعمال، الذين لا يهمهم سوى الأرباح وفقط، الخطر الأبرز على الشعب خلال الأيام المقبلة.

فعلى الرغم من تحذيرات الأطباء ومستشار السيسي للشئون الصحية، عوض تاج الدين، الذي أكد اليوم أن ذروة الإصابات بكورونا في مصر ستكون خلال الأسبوعين المقبلين، تتجه حكومة السيسي لتخفيف الحظر وفتح عشرات المجالات الاقتصادية والحياتية للعمل مرة أخرى، وصولا إلى التعايش مع المرض، رغم انهيار منظومة الصحة ومقتل 23 طبيبًا من طواقم محاربة كورونا، وعجز المستشفيات عن استقبال المصابين وإبقائهم في بيوتهم لينقلوا العدوى لباقي أفراد أسرهم.

نداء الرأسمالية المتوحشة

ويصر نظام السيسي على رفض الإغلاق الشامل؛ خوفًا- وعجزًا أيضًا- من تحمل تبعاته الاقتصادية، وفي الوقت ذاته، يخصم من رواتب الموظفين بحجة مواجهة تبعات فيروس كورونا، في الوقت الذي تواصل فيه معدلات الإصابة في الارتفاع؛ لكنه يعجز- مع ذلك- عن مطالبة المؤسسة العسكرية (مثلًا) بالإسهام في تحمل تبعات فيروس كورونا، ويعجز عن مطالبة رجال الأعمال بالإسهام في ذلك أيضًا.

ومؤخرا قال تقرير في صحيفة “ليزيكو” الفرنسية، إن جائحة كورونا بدأت بالتلاشي في كل أنحاء العالم تقريبا، وإن لم تقع هناك قفزة غير عادية، فإنه من المتوقع أن يشهد عدد الإصابات ركودًا تامًّا في غضون شهر واحد. وأن عدد الإصابات بفيروس كورونا المستجد انخفض خلال الأيام الأخيرة في مختلف أنحاء العالم؛ إذ لم يتجاوز 1.2% من العدد الإجمالي للمصابين على مستوى العالم، الذي تخطى العتبة الرمزية بتسجيل خمسة ملايين حالة مؤكدة رسمية.

ووفقًا لبيانات موقعي جامعة جونز هوبكنز ومنصة وورلد ميتر، انخفضت حالات الإصابة الجديدة بالالتهاب الرئوي اللانموذجي المرتبط بكوفيد-19، وتراجع عدد الوفيات إلى 0.5%.

لكن الصورة ليست وردية في كل دول العالم بالتساوي؛ حيث ذكرت منظمة الصحة العالمية، الأربعاء 20 مايو، أنه تم تسجيل 106 آلاف حالة إصابة جديدة بفيروس كورونا المستجد على مستوى العالم خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، وهو أعلى عدد من الإصابات في يوم واحد حتى الآن.

وعن تفسير ذلك التناقض، قالت المنظمة العالمية إنها قلقة بشأن الوضع في الدول الفقيرة، في حين تواصل الدول الغنية الخروج من إجراءات العزل العام التي فرضتها في ذروة تفشي الفيروس. وفي هذا السياق فقد سجلت البرازيل 1200 وفاة خلال يوم واحد بسبب الفيروس، في حين تخطى عدد الإصابات المؤكدة فيها 271 ألفًا، لتقفز بذلك إلى المرتبة الثالثة عالميًّا بعد روسيا والولايات المتحدة في عدد الإصابات. ومع ذلك يرفض الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو سياسة الإغلاق التام.

وحقيقة الأمر أننا أمام ثلاثة مشاهد، الأول: مشهد الدول الغنية المتقدمة، والتي تمتلك منظومة صحية قوية ومتطورة ونشطة، وقد نجحت هذه الدول بصورة كبيرة في محاصرة الوباء، وباتت قاب قوسين بالفعل من إعلانها خالية من الفيروس، أو على الأقل لم يعد كورونا يمثل خطرًا يصعب التكهن بمآلاته؛ بل أصبحت خطورته محاصرة في حدود ضيقة للغاية.

المشهد الثاني: الدول الفقيرة، والتي تمتلك منظومات صحية ضعيفة ومهترئة، هذه الدول عاجزة من جهة عن محاصرة الوباء، وفرض الحظر الشامل بشكل يقلص من قدرته على الانتشار؛ بسبب ضعف قدرتها على دفع الكلفة الاقتصادية لهذا الحظر. وفي هذه الدول قد تشهد خلال الفترة القادمة موجات جديدة من انتشار الفيروس بين مواطنيها. ولدينا اليمن على سبيل المثال ، فهناك ضحايا بالآلاف للفيروس في اليمن .

وهو ما يقودنا للمشهد الثالث: هو ضغط القوى الرأسمالية الكبرى على الدول الفقيرة للعودة إلى الحياة الطبيعية، واستئناف الأنشطة الاقتصادية المتوقفة لتعويض خسائرهم، مع اتخاذ الإجراءات اللازمة لتظل العدوى متفشية في هذه الدول فقط، ولا تعاود التفشي في الدول الغنية المتعافية من الفيروس.

والأخطر في الأمر أن هذه الدعوة ستجد آذانًا مصغية من كثير من قادة هذه الدول الفقيرة لوقف النزيف الاقتصادي؛ ولإرضاء الأباطرة الكبار، مهما كان أثر ذلك سلبيًّا على مجتمعاتهم. لكن في الوقت ذاته سيقع عدد من الدول الفقيرة تحت الحصار الاقتصادي العالمي “إن أمكن القول”؛ بسبب تفشي الفيروس بين مواطنيها، وبسبب ضعف مشاركتها في الاقتصاد العالمي.

عجز منظومة الصحة

ولعل تفاقم الإصابات بمصر وتدني مستويات الخدمة الصحية، دفع آلاف المواطنين إلى توجيه النداءات والاستغاثات لإنقاذهم من كورونا، وهو سيناريو سيتزايد سوءا بالأيام المقبلة.

فبعد التعنت في استقباله، أطلق مواطن مصري صرخات ألم بعدما تُوفّي والده على أبواب مستشفى بشبرا الخيمة التابعة لمحافظة القليوبية. وظهر المواطن واقفا أمام باب المستشفى بينما كان أبوه مستلقيًا على كرسي، ثم صرخ الرجل مناديًا في حسرة والده الذي سكت صوته للأبد.

وبكل نداءات الوجع، شق الرجل جلبابه وهو يصرخ “أبويا مات” مستنجدًا بالأطباء والمارة، وظل يكررها وهو ينتحب “أبويا مات يا ناس.. أبويا مات.. قوم يا با.. يا با قوم والنبي”، بينما يحاول أحد الموجودين تهدئته.

وفي شبرا الخيمة أيضًا، ومن أمام وداخل مستشفى معهد ناصر، علا صراخ وبكاء أحد المواطنين مهددًا بحرق نفسه، بعد رفض أكثر من مستشفى استقبال شقيقته المصابة بكورونا لعدم توافر أماكن.

وصرخ الرجل “يا ناس اقعدوا في بيوتكم أحسن، كل المستشفيات مش راضية تستقبل حد، والله العظيم الموضوع فلت، الموضوع فلت يا شعب مصر”.

مفيش دكاترة 

وتابع: “مفيش دكاترة مفيش علاج، شبرا كلها متصابة، قولوا عليا إخوان بقى، يا ناس ارحمونا، حد ينقذنا”.

ومن مستشفيات “حميات إمبابة” إلى “النيل” فمعهد ناصر ثم “شبرا العام”، بكت مواطنة مصرية مستغيثة بعدما لم تجد من يسعف والدها المشتبه في إصابته بكورونا، ولو بإجراء مسحة أو توفير عزل، شاكية من عدم استجابة وزارة الصحة، حتى تدهورت حالته.

وتتوالى استغاثات المصريين بشكل يومي مع تصاعد خطير لمنحنى إصابات كورونا في البلاد، لتأخذ الشكاوى أشكالا وأبعادا مقلقة، فقد هدد في وقت سابق، أحد المواطنين بحرق نفسه لرفض مستشفيات استقبال أمه المريضة.

ورغم احتمالية إصابة بعضهم بكورونا، أظهر مقطع فيديو زحاما بين المرضى بمستشفى حميات إمبابة لاستلام نتيجة المسحات دون مراعاة لإجراءات الوقاية.

ووثقت منصات التواصل الاجتماعي العديد من الشكاوى وصرخات الاستغاثة بعد رفض مستشفيات عدة، استقبال مرضى كورونا، كما شكوا عدم رد وزارة الصحة على اتصالاتهم.

يأتي ذلك بينما حذر الطبيب بمستشفى الحسين الجامعي أحمد شرابي، من التهاون مع كورونا في ظل تفاقم الأزمة، مؤكدًا أن “القادم مرعب”.

انهيار المنظومة الطبية 

ومع استمرار تفشي الوباء وارتفاع أعداد الإصابات والوفيات، أصبح هناك عجز كبير في جميع مستشفيات العزل الصحي وأعداد الطواقم الطبية، بحسب شكاوى الكثير من المصريين.

وفرضت قوات الأمن والطب الوقائي، اليوم، عزلًا كاملًا على قرية “شنتنا الحجر” ببركة السبع في محافظة المنوفية، بعد وفاة 5 حالات من مصابي كورونا بالقرية.

وفي ظل هذه الأوضاع المتردية للمستشفيات الحكومية والعجز الكبير في أعداد الأطقم الطبية، ووفاة عدد كبير منهم، يتساءل الكثير من المواطنين والمتابعين للشأن المصري: أين مستشفيات القوات المسلحة المصرية؟ وأين المئة مليار جنيه التي أعلن عبد الفتاح السيسي عن رصدها في بداية تفشي وباء كورونا في مصر؟

ووفق آخر إحصائية لوزارة الصحة، فإن إجمالي العدد الذي تم تسجيله في مصر بفيروس كورونا المستجد حتى، الأربعاء، هو 19666 حالة من ضمنهم 5205 حالة تم شفاؤها وخرجت من مستشفيات العزل والحجر الصحي، و816 حالة وفاة.

وهكذا يدفع المصريون ثمن توحش السيسي الرأسمالي لفتح المصانع والمصالح، في وقت يقلص ميزانيات الصحة، وتنهار منظومة الطب بالبلاد.

"أبويا مات".. صرحات مواطن توفي والده أمام المستشفى

تحذير: مشهد مؤلمبعد التعنت في استقباله.. صرخات موجعة لمواطن تُوفّي والده على أبواب مستشفى ناصر العام بشبرا الخيمة

Posted by ‎الجزيرة – مصر‎ on Thursday, May 28, 2020

Facebook Comments