ذكرنا فى المقال السابق متى وكيف بدأ التفريط فى مياه النهر من جانب العسكر؛ رغم المعاهدات التاريخية التى ضمنت حقوقنا فيها؛ إذ أدى تراجع الدور المصرى فى عهد المخلوع وضعف أدائه الخارجى إلى تغلغل النفوذ الصهيونى فى منطقة القرن الإفريقى؛ ليتم فى 14 من مايو 2010 توقيع اتفاقية (عنتيبى) من جانب دول الحوض السبع، والتى أعطتها الحق فى إنشاء سدود على النهر دون الرجوع لدولتى المصب (مصر والسودان).

وإذا كانت (لامبالاة) نظام مبارك، فضلًا عن تآمر خفى قد عقّد القضية –فإن التوقيع المشبوه للمنقلب قد أضاع حقنا فى النيل فعليًّا، ولن تفلح بعد اليوم أى نداءات رسمية لاسترداد ما فقدناه، ولا عوض له. هناك أحاديث عن مائة مليار دولار ثمن النهر قبضها المنقلب من الصهاينة، وأن الأمر يتجاوز الاعتراف بشرعيته نظير هذا التنازل، إلى قطع شريان الحياة عن المحروسة، وإماتة هذا البلد الضارب فى عمق التاريخ، رمانة ميزان المنطقة لصالح الكيان الغاصب، وإتمام نبوءتهم التوراتية «إسرائيل.. من الفرات إلى النيل).

إذًا «إسرائيل» هى كلمة السر فى القضية، وكل التطورات التى تمت كانت بتخطيطها وتحت عينيها، وثمة عمالة مؤكدة فيما وصلنا إليه، وإذا كان العملاء ينكرون عمالتهم ويلقون بالتبعية على أحداث الثورة -فإن سلوكهم المخزى يفضحهم؛ بدءًا من التوقيع بالتنازل والذى لا يستطيعون إنكاره حيث سُجل عليهم بالصوت والصورة وحفظته السجلات الدولية، وانتهاء باللجوء إلى أمريكا كوسيط لحل القضية، والحقيقة أن هذه الوساطة هدفها إكمال المؤامرة بعد إلباسها ثوبًا شرعيًا.

أين مؤسسات الأمن القومى؟ أين الأجهزة السيادية المختصة؟ أين الذين يُنفق عليهم المليارات لحفظ مقدرات الوطن؟ بالطبع لن تجد جوابًا؛ لأن هذه المؤسسات وتلك الأجهزة التى من المفترض أن تكون وطنية مستقلة صارت وحدات إدارية محنطة تأتمر بأوامر الأنظمة العسكرية الفاسدة؛ فأصابها ما يصيب هذه الوحدات من شللية وسذاجة وفساد وانحراف، ولو جرى فى دولة أخرى تنعم بهامش بسيط من الحرية ما جرى لنا لاستقال جميع أفراد هذه الأجهزة، لكننا لم نسمع إلى الآن احتجاجًا واحدًا من واحد من آلاف العاملين بها.

ذكرنا فى المقال السابق أن القضية قديمة قدم العسكر، بدأت مشاغباتها بعد أن ابتلانا الله بهم ببضع سنوات (عام 1959)؛ ورغم ذلك آلت الأمور إلى الهزيمة -كما عودونا دائمًا- بل إلى الخسران العظيم، وهل هناك خسارة أفدح من جفاف النيل؟ وهذا يستنفر جهود الوطنيين للحفاظ على ما بقى من مقدرات البلد، ولن يتم هذا إلا بالخلاص من (حاصدى الهزائم)؛ بالأمس أضاعوا السودان وسيناء وغزة، وتم التطبيع مع العدو وتدجين الجيش الوطنى، ثم باعوا الغاز وأعادوا ترسيم حدود المتوسط، وباعوا الجزر، وأخيرًا باعوا النيل؛ كل هذا لصالح إسرائيل وعبر سماسرة مختلفين، فماذا بقى لم يضيعوه؟

لا عذر لمصرى بالقعود، ولا يلومنّ إلا نفسه إن بيع هو وحريمه غدًا فى سوق الرقيق ما بقى تحت حكم هؤلاء الفاسدين وكلاء الغرب واليهود. وليدرك الوطنيون المخلصون أن الأمور ليست سهلة كما يتصورون؛ فالقول بأن لمصر ثقلاً وشعبية بحضارتها وكثافة أبنائها، فهذا فكر فات أوانه، فلو أن لمصر ثقلاً ما فُعل بها ما نراه الآن، وأما أن لها شعبًا كثيفًا فهذا لم يعتد به فى زمن التطورات الحضارية المتسارعة؛ فإثيوبيا التى كان تبعد عن الحضارة عشرات السنين، صارت وغيرها من دول الجنوب الإفريقى تشق طريقها نحو التقدم، وتمد أجنحتها إلى الدول العملاقة لاقتراض عوامل النهوض، وهى فى الوقت ذاته تتمتع بكثافة بشرية لا تقل بحال عن المحروسة التى يتفاخر أبناؤها على طريقة (كان أبى) بماض ولّى ولن يعود.

مطلوب تدشين منظمات شعبية فى الخارج لمتابعة القضية والنظر فى مآلاتها وخلق فعاليات لإلغاء ما تم على يد المنقلب، ونقول فى الخارج لتكون بعيدة عن عملاء الداخل الذين لا يبغون إحداث أى تقدم فى القضية بقدر ما يتمنون إتمام صفقتهم الحرام، وهذا الأمر-أى تدشين منظمات وطنية لصالح القضية- صار فرض عين على المصريين، والتقصير فيه يعنى التفريط ليس فى النيل فقط، بل فى مصر كلها التى ستكون أثرًا بعد عين بعد نضوب النهر، قأين لنا بالماء الذى يروى 12 مليون فدان أرضًا زراعية، ونسقى منه، ويغذى الصناعات والنقل والصيد إلخ، ولا تقلْ نعتمد على المياه الجوفية أو مياه البحر أو مياه الصرف -فإن مصر لم تكن إلا لما كان النيل، فإذا اختفى –لا سمح الله- فسوف تختفى معه.

Facebook Comments