تعد الوسائل المباشرة للاستبداد في الأنظمة الشمولية هي الجيش وغالبًا ما يتم السيطرة عليه بشكل مباشر من قِبل الطاغية وعائلته وهو مُسخر لخدمته وخدمة هذه العائلة كما يحدث في مصر على يد الانقلابي عبد الفتاح السيسي ومن قبله نظام المخلوع حسني مبارك و(كوبا، كوريا الشمالية، العراق، ليبيا، سوريا،…).

وهناك أيضًا المنظومة البوليسية (قوى الأمن) التي تعمل ليلاً نهارًا على مراقبة المواطنين و زرع الخوف والرعب في قلوبهم؛ ففي نظام الاستبداد الشمولي كل مواطن هو عرضة للاتهام بالخيانة والتآمر على الوطن وإضعاف الشعور الوطني والقومي.

أما الوسائل الرمزية وغير المباشرة للاستبداد فهي:

1- العقيدة

ويستمد النظام الشمولي شرعيته من عقيدة (قومية، أممية، دينية…) وهي وسيلة للسيطرة على جميع الفئات العمرية في المجتمع (طلائع الاتحاد الاشتراكي زمن عبد الناصر – طلائع البعث، شبيبة الثورة، الشبيبة الهتلرية، الشبيبة الشيوعية..) وتُعتبر هذه العقيدة المصدر الشرعي للسلطة، ولكن غالبا ما يتم تفريغها من محتواها واختزالها بشخصية الطاغية فهو الوحيد القادر على فهمها بشكل صحيح وتطبيقها وحمايتها من الانحراف وتصحيح مسارها في حالة ابتعادها عن أهدافها (الحركة التصحيحية).

وتعد حالة الفصام النفسي والبارانويا التي يعيشها الطاغية تنعكس على العقيدة نفسها، فنجد الفرق الشاسع بين الأفكار التي تنادي بها هذه العقيدة وسلوك من يتحدث باسمها.

يذكر ميشيل كورناتون في كتابه (التواصل الاجتماعي) – 1998 أن ديكتاتورية البروليتارية في الدول الشيوعية تحولت إلى ديكتاتورية طبقة حاكمة مستفيدة اغتنت على حساب الفقراء التي أتت من أجل حمايتهم حسب مزاعمها، ولم يمنع البعث العربي الاشتراكي الذي ينادي بالحرية والاشتراكية وحماية الطبقة الكادحة من العمال والفلاحين عائلة وأقرباء الأسد وأتباع السيسي من نهب هذه الشعب وسحقه تحت سطوة الفقر والحرمان بينما هم يعيشون في قصور فخمة!.

وفي الأنظمة الشمولية يسعى الطاغية دومًا عبر وسائل إعلامه لأن يكون رمزًا للعقيدة من جهة وللوطن من جهة أخرى فلا يمكن الفصل بين الوطن والقائد والعقيدة وأي هجوم على شخص القائد هو انتقاص من قيمة الوطن و محاولة النيل منه، فكلما ذُكر الوطن ذُكر القائد وكلما ذُكر القائد ذُكر الوطن وهكذا على مدى سنوات حتى يصبح هناك خلط واضح بيت الاثنين في أذهان مؤيديه، فأي ثورة أو تمرد على النظام الشمولي وعلى القائد هي خيانة للوطن! .

2- الصورة

للصورة الشخصية مكانة مركزية خاصة في حياة الطاغية وحكمه، فهي تنتشر في كل مكان وزاوية من الوطن ولها وظيفتان:

– وظيفة رمزية: فوجود صورة الطاغية يُعبر عن قبول الطاعة والولاء له، لذلك يجب أن تكون موجودة في جميع الأماكن العامة والخاصة: الحارات والمؤسسات ومداخل المدن والقرى والأسواق والحدائق والشركات العامة والخاصة والجامعات والمدارس والمستشفيات والمساجد والأماكن الأثرية و الوزارات.

ولا مانع من المبالغة في ذلك، ففي الأنظمة الشمولية نرى صورة القائد البطل المغوار منقذ الأمة معلقة في أكبر الشوارع كما في أصغرها وفي البيوت وعلى السيارات الحكومية والخاصة وعلى الكتب والدفاتر المدرسية وحتى في المحفظات الشخصية. يجب أن يكون للطاغية حضور دائم، فأنى وليت وجهك تجد أمامك نصبا كبيرا له أو جدارية عالية لرمز يرتبط به أو صور وملصقات تغطي الجدران يظهر فيها بمناسبة وبدون مناسبة.

يذكر أحمد ناصر في مقاله عن (سيكولوجيا الطغاة و المستبدين) أن المصور الشخصي لهتلر “إينريش هوفمان” ألتقط له حوالي 2.5 مليون صورة!.

– وظيفة نفسية: فالمستبد يعشق ذاته ونرجسيته هذه تصل حد الهوس فكلما كانت الصورة كبيرة وضخمة كلما شعر بوجوده وقوته و بالرضى الذاتي عن الأنا المتضخمة ، هذه الأنا المتضخمة حد التوّرم تنعكس على تماثيله التي تتوسط تقريبا جميع المدن و البلدات ، فالطاغية يسعى لتخليد شخصه من خلال الانتشار الهائل لصوره وتماثيله وهي تمنحه الثقة بالنفس و الشعور بالعظمة لذلك لا يتردد بأمر أتباعه بأن يقوموا بتنظيم مهرجانات أو نشاطات خاصة للاحتفال بالصورة ، ففي الصين الشعبية كانت تنظم سنويا مسابقات لرسم صور ماوتسي تونغ ، أما في العراق فكان هناك معرض سنوي لصور صدام حسين يُنظم في بغداد ويستمر لمدة أسبوع و يقوم صدام نفسه بافتتاحه !! ، وهو ما يحدث في الوقت الحاضر ع نظام السيسي من محاولات تعظيمهه وتأليهه .

وتختلف صورة الطاغية من فترة لأخرى بحسب المراد منها ، فتارة يكون الطاغية رجل علم مثقف حاملا معه كتاب و تارة رجل محارب حاملا سلاح أو لابساً الكاكي ، ولابد أن يكون هناك صورة حيث يظهر فيها باللباس الفلكلوري فهو رجل قادم من اغوار التراث الشعبي ( السيسي بالبدلة العسكرية وصور صدام حسين و حافظ الأسد باللباس العربي…)، ليقول للناس انه رجل ينتمي لأعمق الطبقات الشعبية وأكثرها تعبيرًا عن الاصالة والانتماء والالتصاق بالأرض.

هذه النرجسية المتضخمة يختبئ خلفها إحساسًا بالضآلة والخوف، يحاول الطاغية دائمًا كبتهما وكلما اشتد ضغط المكبوت يأمر أعوانه بتنظيم الفعاليات التي تمجده.

يقول فرويد في كتابه “قلق في الحضارة” بأنه كلما زاد الخوف عند الطغاة من فنائه كلما ازدادت دوافعه التدميرية ظهورًا وزاد معها التدابير والاجراءات الوقائية للحيلولة دونها.

3- البروباجندا واللغة

بشكل عام في الأنظمة الشمولية لا يوجد شيء إسمه “إعلام” وإنما نوع من الدعاية الاعلامية الموجهة “بروباغندا”، فجميع وسائل التواصل الجماهيري من صحف وراديو وتلفزيون تخضع بشكل مباشر ومُحكم للطاغية أو أحد أفراد عائلته وتُعتبر البروباجندا الحامل اللغوي للعقيدة.

صحيح أن لكل نظام شمولي منظومة لغوية خاصة به،و لكن مهما اختلفت هذه المنظومة من نظام لآخر حسب الزمان و المكان، فإنه يمكننا أن نلاحظ ثلاثة قواسم مشتركة:

– مصدر إلهام الشعب: في زمن السلم والاستقرار تتركز الدعاية الاعلامية على تمجيد الطاغية والتغنّي بمنجزاته العظيمة في مجال بناء الوطن والاقتصاد وغالبا ما يحاول الطغاة ربط أسمائهم بالحداثة والتحديث للتأكيد على أن الوطن قبل وصولهم المبارك للسلطة كانت في عهد الظلمات!!.

فنجد هناك (باني سوريا الحديثة) و(باني العراق العظيم) و(باني ليبيا المستقبل)… وتكون المهمة الأساسية لوسائل الإعلام هي صناعة صورة استثنائية للطاغية ولنظامه لوضعه فوق مواقع الآخرين من حيث القدرات الفكرية وتميّز الأداء، وابتكار أو توظيف قصص بطولات خرافية عن بعض الخوارق التي ترتبط ببعض سلوكيات القائد؛ إلى درجة اعتباره مصدر إلهام الشعب في العلوم والآداب والفنون!!! فالطاغية هو الراعي الأول للعلم والعلماء وهو (المعلم الأول) لأن “المعلمون هم بناة الأجيال” وهو الطبيب الأول و المهندس الأول والفنان الأول والجندي الأول والفدائي الأول والفلاح الأول.

Facebook Comments