إذا ما صادفتك جريمة ورأيت بعينك رجلًا يقتل آخر في الشارع، هل يسعك حينها الصمت؟ ربما هرعت إلى أحد أقسام الشرطة تبلغهم عن الجاني قبل أن يفر من مكان الجريمة، أو قبل أن تطمس تضاريس الشرّ، ولكن كيف تتصرف إذا كانت الجريمة ترتكب أمامك في أحد أقسام الشرطة، أو في قبو من أقبية سلخانات الأمن الوطني المنتشرة في كل شبر من مصر؟.

ليس ما مرّ ضربًا من خيال أو فصاحة نستهل بها التحليل، بل هو ما يجري بالفعل عندما أصدرت المحكمة العسكرية للجنايات حيثيات الحكم الصادر، في مايو الماضي، بالسجن 10 سنوات لكل من الصحفي والباحث في شئون سيناء إسماعيل الإسكندراني، والمراسل الصحفي وليد محمد محارب سليمان، في القضية التي عرفت إعلاميا بـ”لجان الإخوان الإلكترونية”.

قاضي الفرعون

وأدانت المحكمة “الإسكندراني”، بزعم الحصول على أسرار عسكرية وإذاعتها ونشرها بطرق مختلفة، سعيا لمساعدة العناصر الإرهابية في شمال سيناء، بالإضافة إلى نشر أخبار كاذبة عن القوات المسلحة، وادعاء أنها تقتل المدنيين العزل في العريش ورفح والشيخ زويد.

ووفقا لحيثيات الحكم، نشر الإسكندراني تقريرًا في صحيفة الأخبار، استعرض فيه وقائع نَسَبَ ارتكابها إلى القوات المسلحة، وصَوَّرَها كمعتدية على أهالي شمال سيناء، بادعاء ارتكابها جرائم ضدهم كالاستيلاء على ممتلكات وأموال، ووصفها بعبارة “استباحة القوات النظامية لبيوت السكان وأموالهم”، وهو ما رأته المحكمة مخالفا للحقيقة ويستحق عليه الإسكندراني السجن كما استحقه نبي الله يوسف من قبل على يد قاضٍ في محكمة فرعونية!.

التُّهم ربما لا تختلف من عصر سيدنا يوسف عليه السلام، إلى عصر السفيه عبد الفتاح السيسي، عليه من الله ما يستحق، وجاء ضمن لائحة اتهام الإسكندراني، الانضمام إلى جماعة الإخوان المسلمين، والاشتراك في اتفاق جنائي الغرض منه ارتكاب جنايات تخريب الممتلكات العامة، وتأليف عصابة قاومت بالسلاح رجال السلطة العامة في تنفيذ القوانين، وكلها أكاذيب يعلم كاتبها والموقع عليها أنها كذلك، كما كان يعلم العزيز أن يوسف عليه السلام بريء من كل تهمة نسبها إليه قاضي الفرعون.

وورد في حيثيات الحكم أن تحريات جهاز الأمن الوطني، سيئ السمعة، أثبتت مشاركة الإسكندراني في “اللجان الإلكترونية لتنظيم الإخوان في غضون يناير 2012 على موقع فيسبوك؛ لترويج بعض المزاعم والأخبار المغلوطة التي تشير إلى قيام القوات المسلحة بعمليات عسكرية في سيناء بغرض استهداف أهاليها، ونشر صور بعض المنازل الخاصة بالعناصر الجهادية بعد تدميرها والادعاء أنها منازل أهالي سيناء الرافضين والمناهضين لسياسات القوات المسلحة”.

وقالت محكمة الفرعون السيسي، إنه “عُثر في هاتف الإسكندراني على رسائل نصية متبادلة بينه وبين عاملين في قناة الجزيرة، تدور حول إجرائه مقابلات تلفزيونية مقابل مبالغ مالية، كما حوى جهاز اللابتوب الخاص به خرائط تفصيلية لشبه جزيرة سيناء، ومقطعا مصورا لندوة ألقاها بعنوان “الجهاد بين خطاب الجيش وأيديولوجية تنظيم الدولة”، قالت إنه ثَبت فيها استعراض المتهم كيفية استخدام القوات المسلحة الخطاب الديني المتطرف”.

أبشع جنرال قاتل

في سياق متصل، وفضحا للظلم الذي بات يجري في مصر أسرع من جريان الماء في نهر النيل، نشرت مجلة “فورين بوليسي” مقالا للباحث في مجلس العلاقات الأمريكية والمعلق ستيفن كوك، تحت عنوان “السيسي ليس مبارك بل هو أسوأ بكثير”. يقول كوك: إن “السيسي حقق في الأسابيع الماضية أمرا مثيرا للإعجاب، وهو تعليقاته التي استطاعت بجنونها التفوق على الرئيس دونالد ترامب وتصريحاته في حملاته الانتخابية، فقال في خطاب متلفز: (الوضع كان كده واحنا كده، ورغم إنه كده احنا مشينا كده ودي المعجزة)، وبعد أيام وأثناء دعوته للمصريين لتخفيف أوزانهم والإقبال على التمارين، قال: (حتى في الإعلام علينا اختيار الضيوف الذين يعتنون بأجسادهم)”.

ويعلق الباحث في مقاله، الذي اطلعت على ترجمته “الحرية والعدالة”، قائلا: “قد يتساءل الشخص عما إذا كان السيسي ينهار تحت ضغط حكم بلد من الصعب حكمه، ورغم أنه وبلا شك حقق نوعا من السيطرة السياسية منذ وصوله إلى السلطة، لكن من الصعب الحديث عن رئيس مصري اسمه السيسي يحكم في الحقيقة”.

ويشير كوك إلى أن “المصريين عانوا في الستة أشهر الماضية من نقص البطاطس وشح المياه، وبدلا من معالجة هذه القضايا التي تحدثت عنها منسقة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في تقريرها، فإن الحكومة هاجمتها ومن قابلتهم أثناء إعدادها التقرير”.

ويرى الكاتب أن “السيسي يواجه في الحس الأساسي أزمة في السلطة، وهو غير قادر على استخدام السلطة التي يتمتع بها، ويحل أنصاره المشكلة من خلال منحه سلطة أوسع، ويريدون تعديل دستور عام 2014 لتمديد فترة الرئاسة، أو إلغاء القيود على فترة حكم الرئيس، وكان المسئولون المصريون وأنصار السيسي قد تعهدوا في السابق بعدم السماح بحدوث هذا الأمر، وزعموا أن مصر قد تغيرت، ولم يصدقهم أحد، والشك فيهم كان مبررا”.

ويعلق كوك قائلا: إن “تعبيد المصريين الطريق أمام السيسي للبقاء في السلطة بعد فترة أربع سنوات ليس تطورا مفاجئا في الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، وقد يندفع الشخص للقول إن التاريخ يعيد نفسه، إلا أن هذا ليس ما يحدث في الحقيقة، فمصر وخلال الثماني سنوات الماضية لم تتحول عن الخط الديكتاتوري”.

ويلفت الباحث إلى أن “أنصار السيسي يزعمون أن تمديد فترة الرئاسة ضروري من أجل توطيد التغيرات الإيجابية التي قام بها منذ وصوله إلى السلطة في يوليو 2103، ويزعمون أن الاقتصاد يتعافى، فيما تتطور البنى التحتية، وعاد الاستقرار والموقع الدولي للبلد”.

ويعلق كوك قائلا: “في عالم هؤلاء فإن كل شيء في الحملة الانتخابية لعام 2014 (مصر الجديدة)، التي وعدت بـ(السلام والازدهار والنمو) قد أنجز أو في طريقه للإنجاز طالما ظل السيسي في الحكم، ويوافق معارضو السيسي في الداخل والخارج على فكرة أن البلد تغير، لكنهم يرون أن التغير كان إلى الجانب المظلم، فالاستقرار الحاصل قام على القمع والخوف، فيما أدى قطع الدعم إلى زيادة كلفة الحياة اليومية، بالإضافة إلى أن المؤشرات عن الاقتصاد الكلي، التي تحاول الحكومة الترويج لها، تخفي وراءها الديون غير المستدامة التي اقترضتها الحكومة لتقدم أرقاما جميلة عن النمو”.

تركيع بالقمع

ويرى الكاتب أن “نقاد السيسي محقون بالطبع، فمصر قمعية، والكلام الجميل من أنصاره يزيد من سذاجة الكلام، ومع هذا، فإن كلا الفريقين على خطأ في موقفهما؛ لأن مصر لم تتغير كما يعتقد الكثيرون، ويمكن للشخص القول إن في مصر السيسي أصبح الجيش مستقلا أكثر، وتمدد بعمق في الحياة السياسية والاقتصادية للبلد، وهذا الكلام صحيح لو كان أساس المقارنة مع رئاستي كل من أنور السادات وحسني مبارك، لكن هناك سوابق لدور الجيش السياسي والاقتصادي، وذلك في الفترة ما بين 1954- 1967”.

ويبين كوك أن “الفرق التحليلي بين عهد السيسي والفترات التي سبقته هو مستوى القمع الذي استخدمته الدولة ضد الشعب، ولم يحصل السيسي على ولاء المصريين؛ نظرا لعدم تقديمه رؤية إيجابية، وعدم الوفاء بما وعد، ولهذا السبب أجبر ومن معه للاعتماد على الاعتقالات والعنف، وحتى القتل، لتركيع المصريين أمام إرادتهم”.

وينوه الباحث إلى أن “جمال عبد الناصر كانت لديه رؤية، وحاز على إعجاب واسع، بل إنه كان محبوبا، أما السادات فقد كافح لإقناع المصريين برؤيته لمؤسسات الدولة، والسبب أنه لم يكن يؤمن بها، والتحول إلى الانفتاح أو الاقتصاد الاستهلاكي، لكنه كان (بطل العبور) لقناة السويس عام 1973، وحصل على الشرعية على الأقل لفترة قليلة، فيما لم تكن لدى مبارك رؤية، إلا أنه مع مرور الوقت تعلم كيف يدير مصر”.

ويؤكد كوك أنه “كان هناك قمع رهيب في ظل ناصر والسادات ومبارك، لكنه لم يكن مثل القمع المستدام الذي يميز فترة السيسي، ويدافع أنصار الحكومة عن الرئيس والحكومة، بالزعم من أنه يقوم بحماية البلاد من الإخوان المسلمين والمتطرفين، إلا أن الرئيس وقواته الأمنية استهدفوا غيرهم، ولهذا فمصر السيسي في قمعها للطلاب والصحفيين والناشطين والأجانب، بالإضافة إلى الإخوان المسلمين، لا تختلف عن مصر في العهود السابقة، والفرق في المستوى، وكما لاحظ أحد المعارضين ساخرا، فإن (السيسي هو مبارك لكنه يأخذ المنشطات)”.

ويستدرك الكاتب بأن “المقارنة تمتد أبعد من هذه الفترة، حتى لو اعتقد بعض المراقبين أن تاريخ مصر بدأ في 25 يناير 2005، أي يوم الغضب، فالسيسي هو الامتداد الطبيعي للنظام الذي وجد في أثناء فترة الضباط الأحرار في عام 1953، حيث ألغيت الملكية وأنشئت الجمهورية”.

انهيار صنم الجيش

ويفيد كوك بأن “النظام استطاع إحياء نفسه بعد التحديات التي فرضتها هزيمة يونيو 1967، ووفاة عبد الناصر، واغتيال السادات، والثورة على مبارك، وبعد كل لحظة من هذه اللحظات عادت مصر إلى الديكتاتورية، وهذا لا يعني أن قادة مصر كانت لديهم نظرية جيدة للسياسة، فلو كان الأمر كذلك لما طالب عبد الناصر الأمم المتحدة بمغادرة شبه جزيرة سيناء في مايو 1967، ولما قرر السادات تقليل الدعم في عام 1977، ولما منح مبارك الفرصة لابنه جمال لحكم مصر”.

ويبين الباحث أن “ما حدث هو أن ملامح مصر أدت إلى تأكيد مجموعة من المؤسسات السياسية التي تعكس النظام الاجتماعي، صحيح أن القادة قد تغيروا، وتقلب مستوى القمع من فترة إلى أخرى، إلا أن الأشكال السياسية المصرية ظلت كما هي خلال الـ 65 عاما الماضية، وهذا لا يعني أن السيسي ليس عرضة للخطر، فالاستطلاعات الأخيرة التي أجراها جيمس زغبي، تكشف عن أن المصريين ليسوا سعيدين بوضعهم وبدرجة كبيرة، وحتى الجيش، الذي يعد (قدس الأقداس)، فلم يعد محل الثقة كما كان في الماضي”.

ويرى كوك أن “هذا لا يعني أن التغيير قادم، ولو حدث فإنه يجب أن يكون مثل ذلك الذي يؤدي إلى الإطاحة بالنظامين السياسي والاجتماعي، الثورة التي تعد ظاهرة نادرة، بالطبع يحدث التغيير بطرق أخرى وأقل دينامية، لكن النظام المصري يحرف الجهود ويعرقلها ويقوضها”.

ويختم الكاتب مقاله بالقول: “بعد عدة أسابيع ستبدأ المقالات السنوية التي تستعيد انتفاضة 25 يناير، وقد تأتي بلا شك من خلال نوعين: التحسر لما كان يمكن أن يحدث، أو احتفال لما تم إنجازه، وكانت الأضداد دائما ضد (خبز وحرية وعدالة اجتماعية)، والإعلانات عن التقدم كثيرة، مثل حمى السيسي التي أصابت مصر عام 2013، التي بنيت على لا شيء؛ لأن السياسة في مصر بقيت ولا تزال ديكتاتورية”.

Facebook Comments