كتب سيد توكل:

 

“من انقلب يُنقلب عليه ولو بعد حين”.. عبارة أو نصيحة وان شئت فقل نبوءة جاءت على لسان المشير محمد عبد الحليم أبوغزالة، في نهاية الحدث المعروف إعلاميًا بـ "انتفاضة الأمن المركزي" عام 1984، رداً على سؤال: «لماذا لم يستثمر أبوغزالة نزول الجيش إلى الشارع وسيطرته على المشهد تماما، وينقلب على مبارك؟»، وهو ما قام عبد الفتاح السيسي بعكسه وقام بتدبير أحداث 30 يونيو 2013 واستغلالها وانقض على السلطة في انقلاب دموي لم تشهد البلاد مثله منذ انقلاب عبد الناصر.

 

وفوّت رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي فرصة الاستفادة من نصيحة "ابوغزالة"، رغم أن النصيحة أتت من فم شاهد من أهلها داخل جمهورية العسكر، ودار هذا السؤال همسًا طوال سنوات حكم مبارك التالية بعد إخماد انتفاضة الأمن المركزي، وتجدد همسًا أيضا حين فاجأ مبارك الجميع بالإطاحة بـ«أبوغزالة» من منصبه كوزير للدفاع فى إبريل عام 1989، ثم أصبحت الإجابة عنه مطروحة بعد انقلاب 30 يونيو 2013.

 

وذكر كمال الجنزورى في مذكراته وكان وزيرا للتخطيط وقت وقوع الانتفاضة، قائلا إنه في يوم 27 فبراير عام 1986، قال أحد العسكريين القريب جدا من المشير: "كفاية كده يا سيادة المشير خلصنا منه (يقصد مبارك) حتى يستقر البلد، فرد المشير عليه فورا وبكل حزم وبالحرف الواحد: لا يمكن أن أفعل ذلك، وإن أخطأت وفعلت فسيُفعل معى فيما بعد"!

 

من رد النصيحة ندم!

وفي الآونة الأخيرة تعددت أحاديث رئيس الانقلاب وإشاراته العصبية موجهة لرجال المخلوع مبارك والقيادات العسكرية بالجيش وربما الشرطة العسكرية، التي قد تخطط للانقلاب ضده ومساعدة جمال مبارك في الوصول إلى الحكم، وأرسل السيسى في مناسبات عدة رسائل تهديد واضحة وأخرى مشفرة لتلك القيادات والعناصر الموالية لمبارك داخل الجيش، ورغم أنها مجموعات قليلة للغاية وانتهى وجودها وتأثيرها بالإطاحة بمبارك إلا أنها قد تشكل خطر كبير على نظام الانقلاب، وتعلن ولاءها لجنرال آخر، لكن السيسى يخشى من إقدام تلك العناصر على اغتياله والتخلص منه بالفعل.

 

وهدد عبد الفتاح السيسي في خطاب سابق أثناء افتتاحه تطوير منطقة غيط العنب بالإسكندرية، بنزول الجيش الى الشوارع خلال 6 ساعات، إذا لزم الأمر، ومع تزايد حالة السخط الشعبي، بدأ التساؤل حول موقف الجيش حال خروج الشعب بحثًا عن لقمة العيش، وهل يتصدى الجيش لثورة الجياع؟، أم سيضحي بالسيسي ليأتي بسيسي آخر، في ثياب مدنية؟

 

وأثارت هذه التصريحات علامات استفهام لدى الكثيرين، الذين تساءلوا إلى أي مدى سيساند الجيش السيسي إذا ثار عليه الشعب، وهل سيصمد معه للنهاية، أم يتخلى عنه أمام الجماهير الغاضبة؟

 

فعلها مع مبارك

وكان الجيش فعلها من قبل في  فبراير 2011، حينما تخلى عن مبارك، وأعلن انحيازه لثورة يناير، التي طالبت برحيله، ولم يواجه الحشود التي تظاهرت في الشوارع والميادين بالقوة.

 

لكن هذه المرة مختلفة، فقد عمد السيسي منذ اليوم الأول لانقلابه إلى توريط الجيش معه توريطا كاملا؛ بحيث يصبح مصيره مرتبطا بمصير قائد الانقلاب، حينما تعمد الظهور في بيان الانقلاب بالزى العسكري، وخلفه قيادات ورايات الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة.

وحتى عندما قرر السيسي الاستقالة من منصب وزير الدفاع والترشح لانتخابات رئاسة الجمهورية، أعلن وهو يرتدي الزي العسكر أنه مرشح الجيش، وأنه أقدم على هذه الخطوة بعد الحصول على موافقة وتأييد القوات المسلحة.

 

وخلال في المدة التي قضاها السيسي في الرئاسة، توسع في منح الجيش العديد من الامتيازات، وسمح له بتوسيع إمبراطوريته الاقتصادية بشكل هائل، حتى أصبح يبتلع ما يقارب 40 % من الاقتصاد الوطني، بحسب مراقبين.

 

فاتورة الانقلاب

عقب قرار السيسي الانقلاب على الرئيس محمد مرسي وما تلاه من تدخلات للجيش في الواقع السياسي اليومي في مصر بعكس العهد المباركي الذي احتفظ للجيش بدور الظل، حدث بالتأكيد خلاف –ولو اعتبر طفيفًا- على هذه الإجراءات بين الرفض والتأييد وازدادت حدة هذه الخلافات بعد ارتفاع وتيرة العنف ضد التيارات السياسية الإسلامية خاصةً بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة المؤيدين لشرعية الرئيس محمد مرسي.

 

لكن لا يمكن اعتبار هذه الخلافات انشقاقات في الجيش تؤثر على طبيعة القرار المتخذ في رأس المؤسسة، لكن في نفس الوقت لا يمكن تجاهلها بعد اعتراف السيسي بنفسه بتعرضه لمحاولتي اغتيال منذ انقلابه دون أن يعطي تفاصيل أكثر حولهما ودون أن يُعلم مصدر هذه المحاولات هل كانت من الجيش أم من خارجه.

 

كما تناثر الحديث حول نشاط للمخابرات الحربية بعد انقلاب الثالث من يوليو في متابعة  كافة الضابط وضباط الصف والجنود سواء في الجيش أوالشرطة المعروفة ميولهم نحو الاتجاهات الإسلامية أو الرافضة لعمليات قتل المتظاهرين في فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة أو من كان لهم تلميح قبل ذلك بتأييد الرئيس محمد مرسى.

 

وبهذا قد انتهج نظام السيسي في الجيش منذ أول يوم سياسة السجن أو التسريح لغالبية الأفراد المعروف عنهم داخل المؤسسة العسكرية بانتمائهم أو تعاطفهم مع تيارات الإسلام السياسي أو من ثبتت عليهم لاحقًا هذه التهمة بعد تحريات الأمن الحربي، وقد تدوالت أنباء عن التصفية الجسدية لم يتسن التأكد من صحتها.

 

السيسي يفقد الأمل!

وفي الشهور الأخيرة، تزايدت حالة الغضب الشعبي تجاه السيسي؛ بسبب ارتفاع الأسعار وتدهور الحالة الاقتصادية، وسط دعوات متزايدة للخروج في مظاهرات احتجاجية؛ للتعبير عن الغضب تجاه سياسة الانقلاب.

 

ولم يعد خافيا على أحد حجم السخط والغضب في الشارع المصري، حتى إن مجرد ذكر اسم "السيسي" في أي جلسة يتبعها إما شتيمة وسب فاحش، وإما كلمات ساخرة، خاصة بعد فشله في السيطرة على الأسعار.

 

وفي حالة اندلاع تظاهرات عارمة ضد السيسي، فإن قمعها بالقوة المفرطة سيكون مقامرة كبرى، فهي إما أن تسفر عن مصرع آلاف المصريين، وإما أن تؤدي إلى انزلاق البلاد في حالة من الفوضى والصراع الداخلي على الطريقة السورية، بينما يفضل الجيش أن يحتفظ بورقة أخيرة رابحة، حينما يعلن عند اشتعال الثورات انحيازه للشعب، فيكسب تعاطفه، ويحافظ على الأموال والثروات والمليارات التي نهبها، عندئذ يعض السيسي أصابع الندم على نصيحة "أبوغزالة"!

 

 

Facebook Comments