لا توجد سياسة عشوائية في المنطقة مثل السياسة السعودية الخارجية التي تُبدي تشددًا  ظاهريًّا تجاه إيران، في الوقت الذي تُفضي فيه كل تحركاتها وسياساتها إلى تعزيز نفوذ إيران في المنطقة، والمساعدة في نشر التشيع رغم إبداء العداوة له.

فالنظام السعودي هو من قضى أو أضعف مراكز المناعة السنية في مقابل احتضان إيران ودعمها لجميع الحركات الشيعية في المنطقة؛ فقد أسهمت سياسات السعودية في القضاء على نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين وتمويل الحرب عليه بالمليارات، وقد كان العدو اللدود للفرس في المنطقة. كما خذلت الحركات السنية في سوريا لحساب الطاغية بشار الأسد.

كما أسهمت في إضعاف جماعة الإخوان المسلمين في مصر، والتي تمثل أكبر حركة سنية في العالم يمكن أن تواجه المد الشيعي بالفكر والحركة والتنظيم. وهي من حاصرت قطر ودفعتها دفعًا نحو فتح علاقات أوسع مع إيران؛ ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تحارب السعودية حاليا تركيا وهي أكبر دولة سنية في العالم، في الوقت الذي تتزلف فيه إلى إيران بعد أن قصفت صواريخ الحوثيين مصافي شركة أرامكو وألحقت بالسعوديين خسائر باهظة تقدر بعشرات المليارات من الدولارات.

وتناول الإعلامي فيصل القاسم- في مقاله المنشور اليوم بـ”القدس العربي” تحت عنوان “لماذا تتقرب السعودية من إيران الشيعية بينما تعادي تركيا السنية؟”- هذه السياسة السعودية الخرقاء في المنطقة، مؤكدا أنها تُسهم في تعزيز نفوذ إيران وتعمل على القضاء على مفاصل المناعة السنية في المنطقة، مبديًا اندهاشه من الحرب السعودية الشعواء على تركيا السنية.

يقول القاسم: «منذ عقود والإعلام السعودي يحذر من الخطر الإيراني وترفع المملكة شعار التصدي للمد الشيعي، لكن على الأرض، فإن إيران هي المستفيد الأكبر من السياسات السعودية الخرقاء أو المقصودة. لا أنسى ما سمعته من دبلوماسي إيراني مخضرم قبل أعوام عندما قال لي: «إن السعودية أكبر نعمة أرسلها الله للجمهورية الإسلامية الإيرانية». ظننت وقتها أن الرجل يهذي أو يبالغ، لكن عندما بدأ يشرح لي الفوائد الجمة التي حصلت عليها إيران من وراء السياسات السعودية، وجدت في كلامه الكثير من المنطق. قال الدبلوماسي وقتها: «السعودية تزرع لنا ونحن نحصد».

دمرت العراق

لقد دفعت نفقات الغزو الأمريكي للعراق، ووفرت كل ما يحتاجه الغزو، وحشدت كل حلفائها العرب للقضاء على النظام العراقي أقوى خصم للفرس في تاريخ المنطقة. وقد نجح الأمريكان بدعم هائل من السعودية باحتلال العراق وإسقاط نظام صدام. وبعد أن أدت السعودية مهمتها على أكمل وجه في العراق، خرجت منه خالية الوفاض، وتركت الساحة للإيرانيين ليتقاسموها مع الأمريكان.

أضف إلى ذلك أن الجمهورية الإسلامية لم تخسر جنديا ولا دولارا واحدا في العراق، بل حصدت الثمار على البارد المستريح، فسيطرت على الأرض والثروات، وراحت تتحكم بالقيادات العراقية الجديدة، بالتعاون مع الأمريكان المفترض أنهم حلفاء المملكة السعودية، بينما فقدت السعودية تأثيرها في بلاد الرافدين تماما، لا بل إنها خذلت سُنة العراق وتركتهم فريسة للنفوذ الإيراني ليصبحوا كالأيتام على مائدة اللئام.

وخذلت سنة لبنان

وبحسب القاسم، تظاهرت السعودية بمنافسة إيران في لبنان، وأنفقت هناك المليارات على أمل أن تكون الآمر الناهي في جمهورية الأرز. ولا ننسى أنها كانت وراء الاتفاق التاريخي الذي أنهى الحرب الأهلية التي استمرت ستة عشر عاما في لبنان، وأعني اتفاق الطائف. لكن ماذا بقي للسعودية في لبنان الآن منذ الطائف؟ لقد تلاشى نفوذها إلى حد كبير، لا بل إنها فقدت سيطرتها على سُنة لبنان، وفي الآونة الأخيرة راحت تدق الأسافين بين القادة السنة هناك، وتضربهم بعضهم ببعض، فألبت أشرف ريفي على سعد الحريري، وبدل أن تعمل على رص صفوف السنة وجعلهم جبهة واحدة ضد النفوذ الإيراني في لبنان، فرقتهم وجعلتهم يخسرون الكثير من المقاعد في مجلس النواب الجديد، بينما راحت غالبية المقاعد لأنصار إيران وسوريا. وقد تحول سعد الحريري، حليف السعودية الأول في لبنان إلى زعيم سُني بلا حول ولا قوة، لا بل صار تحت رحمة حزب الله ومؤيدي الجمهورية الإسلامية في لبنان.

أين جيش الإسلام السوري؟

ويضيف القاسم أنه رغم أن السعودية كانت تدير العديد من الفصائل والجيوش في سوريا، إلا أنها تخلت عنها لصالح الإيرانيين، وكان آخرها جيش الإسلام الذي كان يحاصر العاصمة دمشق لسنوات. وبينما تلاشى النفوذ العسكري السعودي في سوريا، باتت الفصائل الإيرانية تصول وتجول في كل أنحاء البلاد، حتى إن بعضها ما زال قريبًا من الحدود الإسرائيلية. وبدلَ أن تعثر المملكة على مربط فرس في دمشق، صارت عاصمة الأمويين كعاصمة العباسيين مجال نفوذ حيوي للإمارات، وخرجت السعودية كالعادة من عاصمة عربية أخرى من المولد بلا حمص، بعد إن سلمتها لإيران.

اليمن إلى أين؟

ويتابع القاسم: “لا ندري كيف سيكون حال السعودية في اليمن على حدودها، بعد أن صارت صواريخ الحوثيين المدعومين إيرانيا تبلغ القرى والمدن السعودية بسهولة. لم تستطع المملكة حتى الآن أن تكسب المعركة في محيطها الاستراتيجي، حيث بات الحوثيون أعوان الإيرانيين يسيطرون على العاصمة صنعاء، ولا ندري أين يصلون. أليس من حقنا أن نسأل أيضا: من دعم الحوثيين ومولهم على مدى السنين ثم سلمهم لإيران في اليمن؟”.

تقارب مع إيران وحرب على تركيا!

وبحسب القاسم «اليوم لاحظوا أن السعودية بعد أن تعرضت منشآتها النفطية ومطاراتها لضربات وحشية من قبل إيران وأذرعها الإرهابية، هرعت للتفاوض مع إيران والتقرب منها، بدل معاداتها والتحشيد ضدها، مع أنها عدوتها المذهبية الأولى في المنطقة، بينما نرى النظام السعودي لا يترك فرصة إلا ويحاول ضرب تركيا السنية. لاحظوا كيف دعت الرياض إلى اجتماع عاجل للجامعة العربية لمواجهة التدخل التركي في سوريا، بينما تحتل إيران ومليشياتها الطائفية سوريا منذ سنوات. هل سمعتم يومًا المملكة تدعو إلى اجتماع عاجل لمواجهة الخطر الإيراني في سوريا؟ من العجيب جدا أن السعودي يكشر عن أنيابه في وجه أي قوة سنية بينما يصبح كالقط أمام إيران الشيعية التي تعاديه مذهبيًّا.

ويختم القاسم مقاله متسائلا«هل سنكتشف في يوم من الأيام أن الصراع السعودي الإيراني المزعوم عبر التاريخ الحديث كان كذبة كبيرة، بدليل أن السعودية دعمت القضاء على كل خصوم إيران الحقيقيين في المنطقة كنظام صدام حسين، بينما راحت الآن تدعم النظام السوري وتمد معه الجسور رغم أنه الحليف الأول لإيران في المنطقة؟ هل سنكتشف يوما أن السعودية وإيران يشكلان جناحي الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، وأن الرياض ذراع إيران من وراء الستار؟».

Facebook Comments