إعلان إثيوبيا مؤخرا أنها لن تتأثر بالضغوط الأمريكية بشأن سد النهضة تحت أي ظرف من الظروف ولن تسلم مصلحتها الوطنية لأطراف أخرى؛ هو انعكاس لموقف قوى، فكيف وصلت أديس أبابا إلى هذا  الوضع القوي بعد 7 سنوات من انقلاب 3 يوليو الذي قاده عبدالفتاح السيسي وزير الدفاع الذي عينه الرئيس الشهيد محمد مرسي لكنه غدر به وبالمسار الديمقراطي وبالثورة كلها طمعا في الحكم وترجمة لمؤامرة إقليمية كبرى تستهدف وأد أي توجهت ديمقراطية في مصر باعتبارها تمثل تهديدا للكيان الصهيوني.

وبعد سنوات من المفاوضات العبثية باتت حكومة الانقلاب على يقين تام بأن مسار التفاوض لم يعد مجديا رغم التحذيرات التي أطلقها معظم الخبراء والمتخصصين بهذا الشأن وأن إثيوبيا تستدرج القاهرة نحو مفاوضات عبثية على غرار المفاوضات الصهيونية الفلسطينية التي انتهت بعد عقدين من الزمان إلى لا لشيء. ولعل هذا هو سبب انسحاب القاهرة والخرطوم في 5 أغسطس من جولة المباحثات الثلاثة برعاية الاتحاد الإفريقي.

وقد أسهمت سياسات قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي في تعزيز الموقف الإثيوبي على حساب الموقف المصري الذي بات هشا وضعيفا ويجد نفسه في ورطة كبرى وعاجزا عن إيجاد حل لأكبر أزمة تهدد الأمن القومي المصري منذ قرون.

أولا،  توقيع السيسي على اتفاق المبادي بالعاصمة السودانية الخرطوم في مارس 2015م، مثَّل شرعنة للسد الذي يخالف القانون الدولي الذي ينص على ضرورة موافقة دول المصب على مثل هذا السد العملاق، وقبل توقيع السيسي كان السد مخالفا للقانون الدولي لكن السيسي أكسب السد شرعية مفقودة من أجل الحصول  على شرعية لنظامه الذي اغتصب الحكم بانقلاب عسكري.

ثانيا، موافقة السيسي على السد وإكسابه شرعية كانت مفقودة أتاح لأديس أبابا أن تحصل على تمويلات دولية كانت غير قادرة على الحصول عليها قبل توقيع اتفاق المبادئ بالخرطوم، فجهات التمويل الدولية كانت تمتنع عن المشاركة والإسهام في تمويل السد قبل اتفاق المبادئ باعتباره إجراء يخالف القانون الدولي، وهو المانع الذي زال بتوقيع السيسي.

ثالثا، انخراط السيسي في مسار التفاوض العبثي ضيّع على مصر الوقت وجعل إثيوبيا تفرض السد كأمر واقع رغم جميع المؤشرات التي كانت تؤكد أنه مسار عبثي بلا جدوى. وينصح كبير خبراء المياه بالأمم المتحدة سابقا، وأستاذ الموارد المائية بمركز بحوث الصحراء، أحمد فوزي دياب، بالانسحاب من المفاوضات باعتبار "أن المحادثات لا جدوى منها، وهدفها الوحيد هو تضييع الوقت"، داعيا إلى "التوجه إلى مجلس الأمن الدولي، وإظهار الوجه الخشن للحكومة الإثيوبية، وعدم الاكتراث بمزاعمها التي لا تنتهي سواء عن مصر أو السد أو المفاوضات".

رابعا، عزز السيسي مواقف إثيوبيا بعقد صفقات سلاح مليارية دون الحصول على سلاح واحد قادر على توجيه ضربة عسكرية للسد والحيلولة دون اكتمال إنشائه، فبعد المسافة من جهة وعدم وجود سواحل بحرية لأثيوبيا جعل توجيه ضربة عسكرية مباشرة للسد أمرا بالغ الصعوبة وجميع أنواع الطائرات التي يملكها الجيش المصري حاليا غير قادرة على الطيران لهذه المسافات الطويلة.

خامسا، يتجه نظام السيسي نحو اقتناء طائرات سو 35 روسية الصنع وهي طائرات قادرة على توجيه ضربة للسد، في ظل معارضة أمريكية لهذه الصفقة باعتباره تهدد التفوق الصهيوني على جميع دول المنطقة. لكن موافقة السيسي على إنشاء السد في اتفاق المبادئ بالخرطوم سنة 2015م جعل السد معترفا به دوليا والقوانين الدولية تمنع ضرب مثل هذه المنشآت حتى في أوقات الحرب، لأن السد بدأ فعليا في حجز المياه وهناك حوالي 5 مليارات م مكعب أمامه وإذا جرى ضرب السد فإن هذه الكمية من المياه كفيلة بتدمير عدة سدود سودانية صغيرة وقرى بأكملها.

سادسا، أضعف السيسي الموقف المصري بانقلابه في منتصف 2013م حيث أسهم هذا الانقلاب في تمزيق النسيج المجتمعي المصري وأدخل مصر في نفق مظلم لما تخرج منه بعد وتحولت مصر إلى دولة دكتاتورية تحكمها فاشية عسكرية طاغية، وسمعة النظام في مصر بالغة السوء حتى من أقرب حلفائه، فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب طالما نقل عنه سبه للسيسي بأقذع الألفاظ فهو دكتاتوره المفضل وهو السفاح الذي لا يكفّ عن التسول وطلب المساعدة.

سابعا، هناك أيضا الفيتو الصيني، فهناك استثمارات صينية كبيرة في السد، من ثم تدرك إثيوبيا أن مجلس الأمن لن يستطيع إصدار قرار ضدها لوجود الفيتو الصيني الداعم لها، كذلك تعلم جيدا أنّ واشنطن تعتمد عليها بشكل كامل في حماية منطقة القرن الإفريقي، فهي من دعمت جنوب السودان حتى انفصل عن السودان، وهي التي أوقفت شباب المحاكم الصومالية، لذلك هي تعرف جيدا أن تحالفها مع واشنطن لن يتأثر بموضوع السد". وبالتالي يرى المحلل السياسي ممدوج المنير أن انسحاب مصر والسودان من المفاوضات هو والعدم سواء و"سواء انسحب الوفد المصري أم لا، كل هذا زوبعة في فنجان، السيسي وقّع على الاتفاقية في 2015 وانتهت القصة، وتحالف أديس أبابا مع واشنطن وبكين يضمنان لها موقفا قويا في الملف"، وفق تقديره.

Facebook Comments