كارثة وراء أخرى تتكشف يوميًّا في ظل التعتيم الأمني والإعلامي عن فساد نظام السيسي، واقتصار ما يُكشف عنه في الإعلام على ما يخص تجميل وجه السيسي الكالح.

ولعلّ أبرز ما يثير الأسى هو أن فساد السيسي– الذي حاول أن يبدو شريفًا مُقسمًا بالأيمان المغلظة- طال الفقراء والغلابة بتجبر وقسوة غير مسبوقة، معلنًا أنه لن يسمح لفقيرٍ أن يقتات من دعم الدولة، محوّلًا جيشه لبلاعة تنهب أموال الشعب، سواء عبر الفساد الملياري في مشاريع الطرق والكباري والبنية التحتية التي هتكت عرضها الأمطار الأخيرة، أو بقرارات منزوعة الرحمة تحرمهم من تطوير آلاف القرى الفقيرة بمصر، والذي كان يجري العمل به منذ عام 2009.

قصة الفساد الملياري بدأت مؤخرًا بقرار بالأمر المباشر من عبد الفتاح السيسي، بوقف فوري لمشروع “تطوير القرى الأكثر احتياجا”، الذي كانت تنفذه الهيئة الهندسية للقوات المسلحة منذ 2009.

بداية الفساد

في الأول من ديسمبر من العام 2014، أصدرت الهيئة الهندسية للقوات المسلحة أمرا لوزارة التخطيط، تطالبها فيه بصرف 1.560 مليار جنيه وتضعها في حساب القوات المسلحة، لتبدأ العمل في مشاريع أطلقت عليها مشروع “القرى الأكثر احتياجا”، وخاطبت هيئة الشئون المالية للقوات المسلحة د. أشرف العربي، والذي كان يشغل منصب وزير التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري آنذاك، وأرسلت له تفاصيل التحويل، وحتى فرع البنك المفترض التحويل إليه، وهو فرع شريف “البنك الأهلي المصري”.

لكن سرعان ما عادت الهيئة الهندسية وأوقفت المشروع بعد 27 يوما فقط من صرف الأموال، إذ أصدرت الهيئة العليا للقوات المسلحة أمرا- وفق وثيقة أخرى- في 28 ديسمبر 2014، قالت إنه صادر بالأمر المباشر من عبد الفتاح السيسي للجنة الوزارية الخاصة بالمشروع، تأمرها بوقف العمل الفوري على المشروع «القرى الأكثر احتياجا»، وتسنده للجمعيات الخيرية.

قرار التحويل صدّق عليه أشرف العربي، والعربي نفسه علامة استفهام أخرى، فالرجل متخصص في مجاله، حصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة كانساس الأمريكية، وعمل في خمس وزارات، ومع ثلاثة رؤساء، لكنه وبجرة قلم حوّل 1.560 مليار جنيه للجيش، ثم اختفى المبلغ بعد 27 يوما من التحويل، واختفى الرجل أيضا بعد إقالته من وزارة التخطيط عام 2017.

وبات مصير الـ1.560 مليار جنيه التي حوّلها لصالح القوات المسلحة بطلب من رئاسة الجمهورية مجهولا، فلم يصدر عن القوات المسلحة أو الحكومة ممثلة في وزارة التخطيط ما يكشف عن مصير تلك الأموال، خاصة أن جميع المشروعات التابعة للجيش عادة ما تحاط بسرية تامة، ولا تخضع لمتابعة الأجهزة والمؤسسات الرقابية. ولعل ما يؤكد فساد السيسي هو خلو بنود الموازنات من المشروع، فلم يُذكر في أي خطة للدولة، حيث إن ميزانية أي مشروع تسير وفق الخط التالي:

يدرج المشروع في الخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية من قبل الوزارة المعنية بالمشروع. وتصدق وزارة المالية على المشروع وتوفر له الاعتماد اللازم.

يدرج المشروع ضمن الموازنة العامة للسنة المالية، ثم يوافق مجلس النواب على الخطة والموازنة لتتوفر الرقابة الشعبية على الميزانية، ومن ثم يبدأ تحويل الأموال.

بل إن ميزانية الدولة المدرجة على الموقع الرسمي لوزارة المالية في العامين الماليين 2013-2014، 2014-2015 لم يدرج ضمنها مشروع تطوير القرى الأكثر احتياجا في ميزانية عام التنفيذ، بل خصصت وزارة المالية 150 مليون جنيه لاستكمال كل الوحدات الخاصة بالمشروع القومي لإسكان محدودي الدخل، المنقسم إلى 7 بنود، من بينها القرى الأكثر فقرا، وكان اللافت في هذا البند أن مبلغ المليار ونصف المليار جنيه غير مدرج من الأساس في تلك الموازنة.

ولعل الأغرب من ذلك هو وقف السيسي المشروع من أساسه، حيث تم إيقاف المشروع بطلب من السيسي، الذي أصدر توجيهاته بوقف العمل في تطوير 78 قرية محتاجة، لصالح مشروعات الجيش، رغم أنه ووفق القانون فإن رئيس الجمهورية لا يملك أية صلاحية لوقف مشاريع تنموية، أو حتى التصديق عليها دون أن تسير في مسارها القانوني.

وهو ما أثار غضب رئيس وزراء الانقلاب آنذاك إبراهيم محلب، الذي سأل السيسي عن أسباب إيقاف المشروع، فرد الثاني بأنه أوقفه لصالح مشروعات لها أولوية على أجندة مشاريع القوات المسلحة، مضيفا- والكلام على لسان السيسي- “حين يحين الوقت المناسب لاستئناف المشروع لن ننساكم”.

ورغم أن مشروع القرى الأكثر احتياجا هو مشروع بدأته الهيئة الهندسية في العام 2009، إلا أنه لم يكتمل حتى اليوم، يضم إجمالا 1153 قرية على مستوى الجمهورية، وكان من المقرر الانتهاء منه في العام 2012، لكنه توقف وتم تقسيمه لعدة مراحل تبدأ في 2012، وتنتهي 2017، وطبقا للمرحلة الأولى كان مقررا تطوير نحو 30 قرية في محافظة المنيا، بتكلفة 750 مليون جنيه، و22 قرية في أسيوط بتكلفة 607 ملايين جنيه، وتطوير 23 قرية بتكلفة 618 مليون جنيه، وفي محافظة الشرقية سيتم تطوير 31 قرية بإجمالي تكلفة 795 مليون جنيه، وفي البحيرة 19 قرية بإجمالي تكلفة تصل إلى 446 مليون جنيه. إلا أن ميزانية المشروع تم سحبها بالكامل، وأُسند المشروع إلى الجمعيات الخيرية، لصالح العمل على مشروعات أخرى تابعة للقوات المسلحة.

وتعبِّر السرقة المليارية للسيسي، عبر الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، عن وحشية غير مسبوقة، حيث تنفق المليارات على بناء قصور واستراحات رئاسية، خاصة بأفراد في الجيش، الأمر الذي أكده السيسي نفسه، مصرحا بأنه بنى قصورا رئاسية، وأن هناك أخرى ستُبنى «من أجل مصر»، في ظل استفهامات عن جدواها مع الحالة الاقتصادية القاسية التي تمر بها البلاد، والتي دعت السيسي سابقا إلى القول: “إحنا فقرا أوي”.

Facebook Comments