كتب رانيا قناوي:

 

أثارت القرارات التي اتخذتها الجمعية العمومية لمجلس الدولة للرد على تغول السيفيه على السلطة القضائية من خلال مشروع قانون الهيئات القضائية الذي مرره برلمان العسكر الأسبوع الماضي، ردود أفعال واسعة، خاصة بعد أن احتكم مجلس الدولة في قراراته أمس الاثنين، إلى قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي، الذي يسعى للهيمنة على القضاء، وتأديب المتمردين منهم، وخاصة بعد حكم المحكمة الإدارية العليا الخاص بمصرية تيران وصنافير.

 

وفي ظل الجدل الدائر حول الهدف الحقيقي من مشروع القانون الذي تم تمريره في برلمان العسكر، لم يستبعد الكاتب الصحفي فهمي هويدي أن يكون الهدف هو حلقة فى مسلسل ترتيب الأوراق قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة (عام ٢٠١٨)؟، وليست قضية تيران وصنافير فقط.

 

ماذا يخطط السيسي؟

وقال هويدي خلال مقاله بصحيفة "الشروق" اليوم الثلاثاء، إن الاقتراح المقدم دعا إلى تعديل العملية بحيث يتولى رئيس الجمهورية القرار، إذ يختار واحدا من ثلاثة ترشحهم الهيئة القضائية، ثم فوجئنا بأن الاقتراح عرض على اللجنة التشريعية، التى وافقت عليه قبل الاسترشاد برأى القضاة، وخلال أربع وعشرين ساعة عرض الأمر فجأة على مجلس النواب دون أن يكون مدرجا على جدول الأعمال، قائلا: "ولأن رئيس المجلس متخصص فى تمرير رغبات السلطة التنفيذية، منذ قام بتمرير ٣٤٠ قانونا أصدرها رئيس الجمهورية خلال ١٥ يوما بمتوسط ٢٠ قانونا فى اليوم الواحد، فلم يكن مستغربا أن تتم إجازة المشروع فى نفس الجلسة".

 

يأتي ذلك في الوقت الذي فوجئ القضاة خلال مناقشتهم للمشروع المقدم بتعيين رؤساء الهيئات القضائية، بإشهار العين الحمراء لهم من خلال تقديم مشروع قانون أخر في البرلمان يدعو إلى خفض سن إحالة القضاة إلى المعاش بحيث ينزل من ٧٠ عاما إلى ستين عاما على مرحلتين، كعقاب للقضاة ولى لأذرعهم، بما يؤثر على ألفي قاض تقريبا، فضلا عن إحالة اثنين من كبار القضاة إلى لجنة التأديب والصلاحية يوم ٢٤ إبريل الحالى، هما المستشار عاصم عبدالجبار نائب رئيس محكمة النقض والمستشار هشام رءوف الرئيس بمحكمة استئناف القاهرة، بتهمة اشتراكهما مع الحقوقى نجاد البرعى فى إعداد مشروع قانون لمكافحة التعذيب.

 

وقال هويدي إن القصة تبدأ من القاون الذي خول للسيسي عزل رؤساء الهيئات «المستقلة»، وسمى آنذاك قانون جنينة، باعتبار أنه استهدف إقصاء المستشار هشام جنينة الذى رأس جهاز المحاسبات ولم يكن مرضيا عنه آنذاك (عام ٢٠١٦)، فضلا عن أن السلطة التنفيذية أزعجتها الأحكام التى صدرت بخصوص جزيرتى تيران وصنافير التى قررت مصريتهما، فأرادت أن تقطع الطريق على اثنين من القضاة المشكوك فى انصياعهما للهوى السياسى، بعدما حل عليهما الدور فى رئاسة بعض الهيئات القضائية، وهما المستشار يحيى دكرورى الذى أصدر حكم الإدارية بخصوص الجزيرتين وهو مرشح لرئاسة مجلس الدولة. والثانى المستشار أنس عمارة المرشح لرئاسة محكمة النقض. وهو من دعاة استقلال القضاء، وقد حسب عليه أنه تلميذ للمستشار حسام الغريانى "رئيس الهيئة التأسيسية لدستور 2012".

 

وأضاف هويدي أن النظام يخشى من وصول أنس عمارة لمحكمة النقض، خوفا من أن تقوم المحكمة بإبطال أغلب أحكام القضايا السياسية التى صدرت خلال السنوات الثلاث السابقة وهى التى تمت الإدانة فيها بناء على تحريات الشرطة، باعتبار أن للنقض حكما صريحا لا يعترف بالتحريات كدليل للإدانة ما لم تؤيدها شهادات أو أدلة أخرى. وهناك سبب آخر لإبطال الأحكام التى صدرت فى قضايا نظرت فى مقر أكاديمية الشرطة باعتباره مكانا غير محايد، وكان رئيس النقض الحالى قد وجه خطابا بهذا المعنى إلى وزير العدل.

 

وقال هويدي إن تغول السلطة التنفيذية على القضاء المستقل سبقه تغول آخر على مجالس الإعلام الذى يفترض أن يكون مستقلا، بعد العبث فى إعداد قانون الإعلام الموحد، باختيار السيسي ثلاثة أعضاء فى مجلس إدارة كل كيان، موضحا أن تدخلات السلطة وهيمنتها ليست مقصورة على القضاء والإعلام، ولكن أهم الأنشطة المجتمعية من قانون الجمعيات الأهلية إلى قانون الجامعات، مرورا بالمجالس الشعبية والإدارة المحلية، فضلا عن البرلمان الذي أصبح ذراعا للحكومة وليس رقيبا عليها كما ينص الدستور، والقانون الذى أعطى السيسي حق عزل رؤساء المجالس المستقلة، فذلك يعنى أنه لم تعد فى مصر مؤسسة تتمتع باستقلال حقيقى، كما يعنى أن المجتمع فقد مقومات عافيته ودخل فى عصر تأميم المجال العام.

 

 

 

تيران أم الانتخابات؟

وأضاف أن السلطة إذا أرادت أن تحكم قبضتها على المجتمع فإنها تحقق مرادها من خلال أربعة عناصر هى الجيش والشرطة والقضاء والإعلام. الجيش والشرطة يمثلان القوة المادية، والقضاء يوفر الغطاء القانونى. أما الإعلام فقد ظل سلاح التعبئة والتبرير والتسويق، لنعود لعصر عبد الناصر حينما أحاط بالقضاء وأبعده عن التأثير فيما ترى الدولة أنه يمس سياستها، موضحا أن عسكرة السلطة، وتذويب الفوارق بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ثم الدخول على السلطة القضائية، هو من مخطط النظام لترتيب الأوراق وتأمين الفضاء الداخلى قبل الانتخابات الرئاسية القادمة. 

 

فيما قال الكاتب الصحفي جمال سلطان، إن تشكيل محاكم الإرهاب بعد أحداث 3 يوليو بتوقيع "الفنان المحترف" المستشار عدلي منصور، والمحاكم الت قضت بإعدام 500 مواطن في جلسة واحدة، يؤكد أن هناك مشاكل في القضاء، ولكن  تفصيل تعديلات قانونية لوجه السلطة التنفيذية لمنح عبد الفتاح السيسي الحق في الهيمنة على أخطر منصب في مؤسسة العدالة، منصب رؤساء الهيئات القضائية كافة، بحيث يصبح بيده، هو عقاب للقضاة الذين لا يركعون.

 

وأكد أن القانون المقدم بتوجيه مباشر من السيسي، موضحا أن تعجل سلطة الانقلاب في تقديم مشروع قانون مثل هذا لمنع قضاة بعينهم من تولي رئاسة مجلس الدولة ، بعد الأزمة الأخيرة في قضية تيران وصنافير، يكشف المهانة ومحدودية الأفق في إدارة شئون الدولة.

 

Facebook Comments