لم يستطع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تقديم أدلة مقنعة للكونجرس لتصنيف الإخوان كجماعة إرهابية، فشرع في استخدام عضلاته لإصدار القرار من وزارة الخارجية (ولتذهب المؤسسات الأخرى إلى الجحيم). فهكذا يتعامل “فتوة العالم” بعدم احترام مع المؤسسات العريقة في دولته، ويتخذ قراراته في كثير من الأحيان دون تشاور معها، أو ضد مشورتها، إرضاء لنزواته أو إرضاء لمكفوليه عبر العالم، ومن بينهم ساكن قصر الاتحادية عبد الفتاح السيسي.

لم يصدر القرار بعد، ولكن المتحدثة باسم البيت الأبيض سارة ساندرز؛ قالت إن الرئيس يستعد لإصداره بعد تشاور مع حلفائه الإقليميين، والمقصود هنا السيسي وابن سلمان وابن زايد ونتنياهو. وهللت الأذرع الإعلامية في القاهرة والرياض وأبو ظبي، وحتى تل أبيب، بهذه الخطوة المرتقبة، والتي يرون فيها نصرا كبيرا لهم، وتخلصا من “عدو قوي” فشلوا في مواجهته بالطرق الديمقراطية، وفشلوا في مواجهته بأموالهم المليارية، فاستعانوا بصديق ذي عضلات مفتولة، ليخلصهم من هذا الخطر. ولأن الصديق البلطجي يتقاسم معهم الرغبة في التخلص من الإخوان؛ انطلاقا من أوهام دينية “تعشعش” في رأسه، لا تقتصر على الإخوان، بل تطال الإسلام ذاته باعتباره “دينا شريرا”، يناقض المسيحية التي يؤمن بها، ويستهدف الحلول محلها، فإنه أظهر حماسا مبكرا لفكرة التخلص من الإخوان، ووضعها كأحد التعهدات الانتخابية له قبل أن يصل إلى البيت الأبيض.

الأفراح التي تظهرها أذرع السيسي وابن زايد وابن سلمان هي أفراح بانتصار وهمي محتمل، كعادتها في الاحتفال بالكثير من الأوهام طيلة السنوات القليلة الماضية، ذلك أن القرار حال صدوره لن يحقق ما يتمنونه، لكن لا يمكننا التهوين من أثر القرار المحتمل (حال صدوره)، خاصة الأثر النفسي، وليس مقبولا التهويل منه أيضا. فالقرار سيكون قابلا للإلغاء في أول اختبار لتطبيقه على الأرض، ولنتذكر أن المحاكم الأمريكية ألغت العديد من قرارات ترامب من قبل. وبما أن هذا القرار لا يقوم على حجج مقنعة، فمن المرجح إلغاؤه أيضا. وحتى إذا لم يلغ القرار، فإنه لن ينهي وجود جماعة الإخوان، بل على العكس، قد يكون سببا في تقويتها، وسببا في توحيد صفها الذي عجزت عن تحقيقه خلال العامين الماضيين، عندما يشعر الجميع بخطر داهم.

ولا ننسى أن الجماعة عاشت غالبية عمرها، منذ انقلاب 23 تموز/ يوليو 1952 ( وحتى من قبل ذلك)، في حالة حظر قانوني وتوصيف بالإرهاب والتطرف، ومطاردة، ومع ذلك كان للجماعة الحضور القوى كلما سنحت لها الفرصة في انتخابات البرلمانات والنقابات والجامعات، وصولا إلى قدرتها على إيصال أول وآخر رئيس مدني حتى الآن، وهو ما عجزت عنه كل الأحزاب والكيانات التي تمتعت طيلة الوقت بحرية الحركة والتنظيم، والتي ينتظر بعضها هذا القرار الآن بفارغ الصبر، ظنا منها أن الساحة ستخلو لها (والحقيقة أنه لا توجد ساحة للمنافسة أصلا، بعدما حوّلها النظام لثكنة عسكرية).

التحرك الأمريكي الجديد ضد الجماعة يحمل درجة أعلى من الجدية للتنفيذ هذه المرة، عبر إصدار قرار إداري من وزارة الخارجية مباشرة، دون الحاجة إلى انتظار موافقة الكونجرس على أي من المشروعات المعروضة عليه، وأبرزها مشروع النائب الجمهوري المتطرف توم كروز. يدعم هذا الرأي إدخال ترامب تغييرات كبيرة على مفاصل إدارته مؤخرا، قرّب بموجبها العناصر الأكثر تطرفا، مثل وزير الخارجية الحالي جورج بومبيو، ومستشار الأمن القومي جون بولتون، إضافة إلى صهره ومستشاره الخاص جاريد كوشنر. ومن المؤكد أن المسارعة الأمريكية الحالية ترتبط بشكل اساسي بصفقة القرن؛ التي أعلنت واشنطن أنها ستطلقها عقب عيد الفطر المبارك. وفي زيارته الأخيرة لواشنطن، لم يفوّت السيسي الفرصة ليجدد مطالبته لكفيله ترامب بتنفيذ تعهده الخاص بتصنيف الإخوان، حتى يساعد ذلك في تقليل المقاومة المحتملة لتلك الصفقة، والتي يدرك الجميع أن الإخوان عبر العالم سيكونون في طليعتها، نظرا لما تمثله القضية الفلسطينية لهم.

الغريب أن إدارة ترامب التي تسعى لتصنيف الإخوان كجماعة إرهابية؛ تشتبك حاليا في حوار مع حركة طالبان الأفغانية التي صنفتها كذلك من قبل، وتتواصل اللقاءات بين مندوبي الطرفين في العاصمة القطرية الدوحة، و الاتصالات الأمريكية غير المباشرة لم تنقطع مع حركة حماس المصنفة أيضا “إرهابية”. كما أن الإمارات والسعودية، اللتين صنفتا الإخوان جماعة إرهابية، تحتضنان زعماء حزب الإصلاح اليمني، وقد التقى ابن سلمان وابن زايد بهم بشكل علني، من جهة أخرى نجحت الجماعة الإسلامية المصرية في إخراج نفسها من القائمة الأوروبية للكيانات الإرهابية مؤخرا بجهد قانوني حثيث، وهو ما يؤكد أن مثل هذه التصنيفات ليست شيئا صلبا وثابتا، بل يمكن إلغاؤها قانونيا أو عمليا وفق مقتضيات الحال.

نظريا، تحتاج إدارة ترامب أن تقدم مبررات لقرارها بتصنيف الإخوان كجماعة إرهابية، وفقا لمعايير ثلاث، أولها أن يكون الكيان المستهدف بالتصنيف أجنبيا، وثانيا أن يكون مشاركا بالفعل في أعمال إرهابية، وثالثا أن يمثل تهديدا للمواطنين الأمريكان والأمن القومي الأمريكي، وهو ما لا تنطبق على جماعة الإخوان التي لم تتمكن أجهزة الأمن الأمريكية من توجيه أي اتهام لها بممارسة الإرهاب أو تشكيل خطر على الأمن القومي الأمريكي. ومع ذلك، قد لا يهتم ترامب كثيرا بهذه المعايير، كما فعل في أمور أخرى، وأن يمضي قدما في تنفيذ قراره إرضاء لحلفائه في مصر والسعودية والإمارات وإسرائيل، ولكن الأمر يقتضي استعدادا جديا من الإخوان أيضا لمجابهة هذا القرار، سواء فور صدوره أو حتى قبل صدوره، عبر تجهيز طاقم قانوني لخوض المعركة القضائية سريعاـ حيث لا تزال المنظومة القضائية الأمريكية متمتعة بالنزاهة، وقد سبق أن ألغت قرارات كبرى لترامب نفسه. كما يتعين على الجماعة تجهيز مبادرات أخرى للرد على هذا القرار لإجهاض أثره النفسي والمعنوي، سواء على أبناء الجماعة وأنصارها أو حتى خصومها.

وفقا لأحدث التقديرات، فإن القرار قد يقتصر على جماعة الإخوان في مصر، وفي هذه الحالة فإن تداعياته المادية ستكون نفسية فقط، إذ إن نظام السيسي لم يترك للأمريكان شيئا بعد تصنيفه لجماعة الإخوان كجماعة إرهابية ومصادرة مقارها، وممتلكات المنتمين لها، ومنعهم من السفر والتنقل، وحرمانهم من الوظائف العمومية. باختصار، لن تكون هناك تأثيرات عملية أخرى؛ باستثناء من له حسابات مصرفية أو أعمال تجارية أو خيرية في الولايات المتحدة، وعلى الأرجح سيتمكن هؤلاء من مواجهة هذا القرار عبر المحاكم الأمريكية.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments