يسير مشروع العاصمة الإدارية الجديدة على قدم وساق، ومن المنتظر أن تقوم عصابة الانقلاب العسكري بنقل كافة الإدارات والمصالح الحكومية والسفارات والشركات الكبرى، فما الذي يريده السفاح السيسي من سكان العاصمة القاهرة؟ وهل يسعى إلى إفراغها من فقرائها لصالح دول وشركات دعمت الانقلاب؟

ترفع سلطة الانقلاب شعار زائف يحمل عنوان "القضاء" على المناطق العشوائية التي تضم 50% من سكان القاهرة الكبرى، والبالغ عددهم 22 مليونا ونصف المليون نسمة، وبدأت مذابح التهجير برملة بولاق، ومثلث ماسبيرو، والحطابة، والدويقة، ومنشأة ناصر، وجزيرة الوراق… وهي عدد من المناطق التي تقع ضمن خطة "التهجير"، وتعرّض عدد من سكانها للتهجير بالفعل، فيما ينتظر آخرون مصيرهم.

ويطبل اعلام الانقلاب بالقول إن "العاصمة الإدارية الجديدة جاءت لتصبح الملاذ عن عاصمة قديمة ضجت بالكثافة السكانية تردّي البنية التحتية وضغوط على الخدمات، لتكون العاصمة الإدارية قادرة على إنهاء أزمات الماضي وتمنح المواطن المساحات الخضراء وحياة بعيدًا عن الضوضاء".

وتقدّم عصابة الانقلاب العسكري وإعلامها تبريرات تنطلق من الرغبة في تنمية بعض المناطق وحماية السكان الآيلة منازلهم إلى الانهيار، ولكن يبدو أن البعد الأمني للمسألة هو أمر أساسي، ففي كلمة للسفاح السيسي قال: "إلي أنا بتكلم فيه بالمناسبة دا أمن قومي. لو سبت الناس البساط بضعفهم وغلبهم بالطريقة دي، والله والله تلات أربع سنين والبلد دي هيتم هدها".

لأجل الصهاينة

أصدر السفاح السيسي قرارا بنقل ملكية عدد من المباني والعقارات التاريخية وسط القاهرة إلى صندوق مصر السيادي، وحسب الجريدة الرسمية، قاربت المساحة الإجمالية لأراضي تلك الممتلكات 190 فدانا، أو ما يوازي 800 ألف متر مربع، وشملت 7 عَقَارات رئيسية أبرزها مبنى مجمع التحرير الواقع في ميدان التحرير، وهو أضخم مجمع حكومي في البلاد، إضافة إلى المقر القديم لوزارة الداخلية قرب المنطقة ذاتها. وشملت أيضا المقر السابق للحزب الوطني الذي تعرض لحريق أثناء ثورة 25 يناير 2011، ثم تم هدمه منذ سنوات، كما شمل النقل 4 مواقع أخرى في القاهرة وطنطا بإجمالي مساحة قاربت 177 فدانا.

وأنشأت عصابة الانقلاب صندوق مصر السيادي عام 2018، لتُنقلَ إليه ملكية اصول الدولة بزعم المساهمة في التنمية الاقتصادية، وعن مخطط تهجير سكان القاهرة الكبرى المسمى بـ" القاهرة 2050" والذي ترعاه اليونسيكو والأمم المتحدة وفرنسا، يقول الكاتب الصحفي والمحلل السياسي عامر عبد المنعم: "نحن أمام جريمة دولية للسطو على قلب القاهرة ومحاولة ماكرة لاختطاف عاصمة أكبر دولة عربية بمخططات ملتوية ظاهرها حماية التراث، وباطنها سرقة الأرض وتهجير السكان المقيمين بها واستبدالهم بآخرين من غير المصريين، وتفكيك الحكومة وأجهزتها وطردها إلى الصحراء، وإخلاء الأسواق التي تمثل عصب الاقتصاد في مصر، من أجل تأسيس مستوطنة سيحكمها ويديرها طبقة السكان الجدد، الذين يمثلون المستثمرين ورجال الأعمال الذين اشتروا معظم اسهم الشركات في البورصة، وستنتقل إليهم ملكية أصول الدولة المعروضة للبيع".

ويضيف عبد المنعم: "الملاحظة الملفتة في مخطط القاهرة 2050 هي التركيز ليس فقط على تفريغ المنطقة من المقطم إلى النيل وإنما كشفت الخرائط عن التمدد إلى غرب النيل لعمل فناء خلفي عبر شمال جزيرة الزمالك وجزيرة الوراق –التي تبذل الحكومة محاولات لطرد سكانها، ليصل “الفراغ”  إلى ميدان سفنكس في المهندسين، حيث يبدأ ما يسمى محور خوفو  “Khufu Avenue”   الذي يمتد لمسافة 12 كم بعرض 600 متر، مرورا بشارع جامعة الدول العربية ليصل إلى الأهرمات؛ أي هدم المنازل وإزالة السكان من حوالي نصف محافظة الجيزة".

مؤكدًا: "أهم ما يهدف إليه مخطط القاهرة 2050 بناء مستوطنة حديثة ومنطقة عمرانية معاصرة شرق النيل، ليس لها صلة بالقاهرة التاريخية التي يبررون بها عمليات الإخلاء والبيع لأصول الدولة، ولم يتوقف فيها البناء متعدد الطوابق رغم توقف البناء في القاهرة وكل المحافظات، بل ورغم موجة الهدم للمباني التي تزيد عن 4 أو 5 طوابق بمزاعم أنها مخالفة لقانون البناء!". وتابع: "العقول الغربية التي تقف خلف السيطرة على قلب القاهرة هي التي تنتقي الشركات الخليجية وخاصة الإماراتية التي تتولي البناء في المنطقة الاستراتيجية وتشيد الأبراج ، ولا دور للحكومة المصرية غير طرد السكان وتفكيك الحكومة وبيع أصولها عبر ما يسمى الصندوق السيادي الذي أنشيء لتصفية ممتلكات الدولة حتى لا يكون للسلطة المصرية وجود في المركز الجديد وتمتلك الحكومة المصرية 10% فقط من أرض مثلث ماسبيرو بينما تمتلك شركات خليجية 65 %".

طابور خامس

في نفس السياق، ترى أمنية خليل، الباحثة في إنثروبولوجيا العمران، وأحد مؤسسي مركز 10 طوبة، أن هذه المشاريع تستهدف "الإحلال الطبقي العمراني".

تقول أمنية إن "الدولة تسخر أجهزتها المختلفة وفقاً لحالة كل منطقة للتعامل مع سكانها، مع عدم وجود شفافية، إضافة إلى انتزاع الأراضي بالقوة من المواطنين". وتدلل على ذلك بإفراغ منطقة مثلث ماسبيرو المطلة على النيل من سكانها لصالح مشاريع أخرى. وبدأت خطة "تطوير مثلث ماسبيرو" بترحيل السكان وهدم المنطقة، ومن المفترض أن تقرر أربع شركات سعودية وكويتية نوع الاستثمار المخطط تنفيذه في المنطقة، دون تدخل من الدولة في ذلك.

من جهة أخرى، لا ينكر المراقبون الزاوية السياسية للقضية، ويرون أن الأمر يستهدف استئصال سكان هذه المناطق من خريطة الاحتجاجات الاجتماعية المحتملة، لا سيما أنه كانت لهم مشاركة فعالة في ثورة 25 يناير. ففي عام 2008 ظهرت شركة اسمها شركة الإسماعيلية للاستثمار العقاري كواجهة لشركة بريطانية اسمها "سماي هيلز" وانضمت لهم شركة أخرى اسمها تطوير، وبدأ هذا الكيان بشراء العقارات القديمة في القاهرة بحجة تطوير المنطقة وتحويلها لمنطقة ثقافية!

وكان يساعدهم بعض رجال الأعمال في مقدمتهم الملياردير نجيب ساويرس، واستطاع هذا الكيان الاستحواذ على عشرات العقارات في المنطقة تحت مغريات الأموال الطائلة التي كانوا يعرضونها على سكان العقارات مقابل البيع، وكان اتجاه الشراء يتجه دائما تجاه مباني القاهرة الخديوية القديمة، وتم ترميم بعض المباني لتأكيد حجة التطوير ولكن الملكية أصبحت لشركات أجنبية، كل هذا والحكومة المصرية تلتزم الصمت، حتى توقف المشروع مؤقتا أثناء ثورة 2011، وعاد مرة أخرى مع بدء استيلاء السفاح السيسي على السلطة.

وظهرت فكرة العاصمة الإدارية الجديدة وسط عدم وضوح من الهدف من إقامتها، ولكن الهدف كان امتداد لمشروع تفريغ القاهرة القديمة من السكان وبالتالي من المصالح الحكومية والانتقال إلى عاصمة إدارية بعيدة عن مجرى النيل ثم خلق مجتمع هامشي حولها يتم حشر بقية السكان فيه بعد تهجيرهم من بيوتهم. وهذا التفسير يدعمه تصريح اللجنة القومية لتطوير وحماية القاهرة التراثية برئاسة المهندس إبراهيم محلب عام 2010 وجاء فيه "أنه لا يمكن تطوير العاصمة التراثية، من دون تفريغ المباني التي تشغلها الوزارات والهيئات الحكومية، ونقل هذه الوزارات والهيئات إلى العاصمة الإدارية الجديدة".

وإذا أضيف مشاهد تهجير السكان في جزيرة الذهب في الجيزة وحي الترجمان في وسط القاهرة وغيرها من الأماكن بالإضافة إلى القرار الأخير بنقل حديقة الحيوان من الجيزة للعاصمة الإدارية، وكل هذا بحجة التطوير ليس من قبل حكومة الانقلاب وإنما تحت إشراف ورعاية شركات متعددة الجنسيات ودول أجنبية وثيقة الصلة بالكيان الصهيوني.

كل هذا يؤكد أن المصريين ينهددهم خطر جسيم، وانهم إزاء مخطط صهيوني مدعوم بطابور عسكري خامس يملك حق اتخاذ القرار يستهدف تفريغ القاهرة الكبرى من سكانها وتسليمها خالية لمالك جديد تتواكب مصلحته مع مصلحة الصهاينة.

Facebook Comments