يحذِّر الخبير الاستراتيجي السوداني، أحمد المفتي، من مواصلة التفاوض الحالي مع إثيوبيا حول سد النهضة بذات النهج المتبع، مؤكدا أنه يغفل جوانب أساسية لها تداعيات خطيرة للغاية على السودان مصر، من بينها أمان السد، وأخرى قانونية كان ينبغي أن تكون هي الأساس للتفاوض وليس اللجان الفنية.

والمفتي هو عضو من 1994 حتى 2012 في مفاوضات دول حوض النيل، واستقال من الوفد السوداني كمستشار قانوني في مفاوضات سد النهضة في عام 2011؛ لرفضه إنشاء اللجنة الفنية الخاصة بالسد دون سند قانوني. فضلا عن شمول اللجنة لبندين اعتبرهما خطيرين وهما “عدم توقف إنشاء السد أثناء عمل اللجنة، والثاني هو أن مخرجات اللجنة لن تكون ملزمة لإثيوبيا.”

ويعرب المفتي عن دهشته من أن لجنة دولية هي من أثارت مشكلة أمان السد وليس الجانب السوداني ولا المصري. موضحا أن “هذه نقطة غامضة ينبغي الوقوف عندها”، محذرا من أن انهيار السد سيكون بمثابة “تسونامي وكاسح نووي سيقضي على السودان بأكمله”.

وبحسب دراسة أعدها معمل أمن المياه والغذاء التابع لمعهدMIT ، والذي أشار إلى تحديات مخيفة تهدد سلامة سد النهضة، من بينها نوعية الأرض المشيّد عليها، ومشاكل في التصميم والبناء، ومعايير السلامة والصيانة، فضلا عن وقوع السد على حافة انحدار ضخم على الحدود السودانية.

وقال المفتي لموقع الحرة: إن التوصيات التي أدخلتها اللجنة الدولية لأمان السد، تم تضمينها في إعلان المبادئ الذي وقعته الدول الثلاث في عام 2015، لكنه أضاف: “ما يدعو إلى الدهشة أكثر هو أن الجانبين، السوداني أو المصري، لم يشيرا إذا ما كانت إثيوبيا قد أكملت إجراءات الأمان أم لا”.

الأمن المائي

وقال المفتي: إن النقطة الأخرى الغامضة في إعلان المبادئ هي كمية المياه التي سوف يمررها السد لكلا البلدين. والمفترض أن تكون هذه المعدلات متسقة مع اتفاقية 1959 التي خصصت 55.5 مليار لمصر، 18.5 منها للسودان، لكن المفتي قال: “المصيبة الكبرى أن إعلان المبادئ لم يحدد نصيب السودان ولا مصر من مياه السد”، وأضاف قائلا: “إثيوبيا لا تعترف باتفاقية 1959، لكن حتى لو اعترفت فإن نصيب السودان سينخفض على الأقل بنسبة عشرة في المئة مع الملء الأول.. ظنا أن السودانيين سيموتون إما غرقًا أو عطشًا”.

ويتهم الناشط السوداني، حاتم أبو سن، إثيوبيا بمخالفة القانون الدولي من أجل تشييد سد النهضة، وقال لموقع الحرة: “إثيوبيا قامت ببناء السد بإرادة منفردة مخالفة لأبجديات القانون الدولي والاتفاقيات التاريخية، مستغلة فرصة ضعف الدول السودانية وارتباك مصر إبان ثورة 2011”.

أربعة خيارات

ويرى الخبير في شئون المياه أحمد المفتي أن الحل يكمن في أربعة خيارات.

  1. أولها سحب التوقيع من إعلان المبادئ.
  2. إعادة التفاوض خلال شهرين على ضوء اتفاقية الـ15 مبدأ المنصوص عليها في اتفاقية عنتيبي الموقعة في عام 2004، التي وافقت عليها كل دول حوض النيل بما فيها إثيوبيا، إضافة إلى 13 جهة دولية، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية والبنك الدولي والأمم المتحدة.
  3. في حال أي رفض إثيوبي، يمكن للسودان أن يدعو الجهات الثلاثة عشر للتوسط، كما حدث من قبل في عام 2009، عندما حدث خلاف بين 6 من دول حوض النيل من ناحية، ومصر والسودان من ناحية أخرى.
  4. في حال فشل الخطوات الثلاث الماضية، نلجأ إلى رفع شكوى لمجلس الأمن الدولي باعتبار أن خلافًا بين دول حوض النيل يمكن أن يمثل تهديد كبيرا للسلم والأمن الدوليين.

سر أراضي بني شنقول

وعتب المفتي على إثيوبيا إخلالها باتفاقية 1902، التي منحتها أراضي بني شنقول، التي يقام عليها سد النهضة حاليا، مقابل عدم إنجاز أي مشروع فيها دون موافقة الحكومة السودانية.

علمًا أن سكان بني شنقول يطالبون السودان وليس إثيوبيا بتعويضات حال تعرض مناطقهم إلى الغرق جراء بناء السد. وتقول إثيوبيا إنها تهدف من وراء هذا السد إلى سد حاجتها من الكهرباء والغذاء بسبب تعرضها للجفاف باستمرار.

وفيما يؤكد المفتي حق إثيوبيا في بناء السد، يستدرك قائلا: “لكن مع حفظ حقوق الآخرين في حوض النيل. ليس من العدل أن تأخذ الكهرباء والماء والأرض، على حساب دمار دولة بأكملها”.

نقل مياه النيل إلى “إسرائيل”

أما الباحثة سناء البنا فتؤكد، في مقال لها نشر أمس على صحيفة “العربي الجديد”، أن خطاب النظام المصري فيما يتعلق بالأزمة بائس ومزرٍ إلى أبعد الحدود، ففي وقتٍ تستقوي فيه مصر باليونان على جارتها بالضفة الأخرى من المتوسط، تركيا، بشأن حقول الغاز في المتوسط، فإنها لا تستطيع إلزام رديفها الإثيوبي بأوليات القانون الدولي المائي الذي يمنع دول المجرى من الإضرار بدول المصب، ويقرر لمصر حقها في 55.5 مليار متر مكعب من المياه، بموجب اتفاقية تقاسم مياه النيل عام 1959، بل الأدهى أن نظام عبد الفتاح السيسي أمضى على اتفاقية “إعلان المبادئ” مع إثيوبيا، وألقى بحقوق مصر في الغاز والنفط لإسرائيل واليونان وقبرص مجانًا في اتفاقية “ترسيم الحدود”، تماما كما باع جزيرتي تيران وصنافير، بما لهما من أهمية استراتيجية كبرى، للسعودية/ إسرائيل، وهو نفسه الذي اعتبر حل أزمة المياه والموت فقرًا في “تحليف القسم” لرئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، أمام الكاميرات بأن “لا يؤذي مصالح مصر”، وكأن ما تسعي له إثيوبيا بالدماء منذ عشرات السنين سيتخلى عنه آبي أحمد بترديد كلماتٍ عربيةٍ لا يفهمها أمام المصورين.

وتشير الباحثة إلى أن الهدف من وراء سحارات سرابيوم من غرب قناة السويس إلى شرقها، مرورًا من أسفل القناة وبطول 60 مترًا، كان مقرّرًا أن تنقل مليار متر مكعب من المياه إلى سيناء، وانتهى بناؤها في أقل من ثلاث سنوات، فإذا وُضع هذا بجانب تهجير مائة ألف مواطن من بدو سيناء، وتجاهل وجود ترعة السلام وسحارة ترعة السلام التي كان يمكنها توصيل المياه إلى سيناء، لو كان هذا هو المقصود فقط. ولو نظرنا أيضا إلى مشروع الرئيس الراحل، أنور السادات، في العام 1979، في توصيل المياه إلى إسرائيل بتفريعة من النيل إلى سيناء، فيبدو أن “البلاهة” التي يتعامل بها النظام المصري مع مشروع إثيوبيا تقف وراءها مخططات أخرى، منها مساومة المصريين على الموت عطشَا أو تمديد ملياري متر مكعب مياه إلى إسرائيل، ومع أنها تبقى أطروحات تحليلية، إلا أن مؤشراتها تكاد تتكامل في اتجاه واحد.

Facebook Comments