"عض قلبي ولا تعض رغيفي".. شعار يرفعه رجال الأعمال الصالحون والفسدة على حد سوءا، أمام تغول الجيش في التهام الكعكة الاقتصادية حتى أنه لم يترك لهم الفتات الذي يقع تحت الطاولة، و"التكويش" شعار العسكر في هذه المرحلة بطبيعة الحال، حتى بات الفسدة الذين أيدوا الانقلاب يشتكون من عض العسكر.

وأعاد الحديث عن تغريدة كتبها الملياردير نجيب ساويرس، على تويتر في أغسطس الجاري، انتقد خلالها طريقة الإدارة الاقتصادية للبلاد، الجدل حول طموحه السياسي، خاصة بعد غيابه عن المشهد العام لسنوات، وتأكيده على زهده السياسي وما لحقه من قرار حزب المصريين الأحرار بفصله.

المضايقات الأخيرة بحق ساويرس، دفعت البعض إلى التعاطف معه، واتهام عصابة الانقلاب بالوقوف وراءها، لكن ساويرس نفى في تصريحات صحفية، أن تكون علاقته بعصابة السيسي متوترة!

انقلاب يوليو

وتداولت مواقع التواصل تصريحات للمهندس ساويرس يقول فيها "يالجيش يشتغل زينا ياحنا نشتغل زي الجيش", لم يتسن لـ(الحرية والعدالة) الوصول إلي مصدرها, أثارت الجدل حول أنها قد تكون بداية لعواصف قادمة، وفق ما تنبأ به مراقبون وسياسيون.

وطرد ساويرس من حزبه "المصريين الأحرار" في 30 ديسمبر  2016، من قبل أعضاء بالحزب يتزعمهم لواء شرطة سابق، عضو في برلمان الدم، وأسس مهندس الميكانيكا نجيب ساويرس (67 عاماً)، حزب المصريين الأحرار الليبرالي، عقب ثورة 25 يناير عام2011، بدعم من الكنيسة، في مواجهة حزب "الحرية والعدلة" الذي أسسته جماعة الإخوان المسلمين في نفس الفترة.

ومنذ بزوغ شمس انقلاب يوليو 1952، تعاقب على مصر ديكتاتوريون عسكريون بدءًا من جمال عبد الناصر وانتهاءً بجنرال إسرائيل السفيه السيسي، غير أن "عملية العسكرة" تعاظمت عقب اتفاقية كامب ديفد مع كيان العدو الصهيوني في 1978، والتي من بنودها السرية تقليص المهام القتالية للجيش ودفعه نحو مهام السيطرة الداخلية.     

وأدى ذلك إلى تقليص ميزانية الدفاع، حيث انخفض الإنفاق الدفاعي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي من 6.5% في عام 1988 إلى 1.8% في عام 2012، وذلك وفقًا لمؤشرات البنك الدولي.

وبُعيد الاتفاقية، أصبحت القوات المسلحة مضطرة لإيجاد مصادر دخل جديدة، فاتجهت ككتلة إدارية من العمل العسكري البحت إلى السيطرة على ملفات الاقتصاد الداخلي وريادة الأعمال، وتوغلت داخل قطاعات الاقتصاد المدني عندما أصدر السادات القرار الجمهوري رقم 32 لسنة 1979 بإنشاء جهاز "مشاريع الخدمة الوطنية" الذي سمح للقوات المسلحة بإنشاء مشاريع هادفة للربح!

واعتبرت فترة ما بعد انقلاب الثالث من يوليو عام 2013 فترة ذهبية في تاريخ الشركات العاملة في حقل الإنتاج المدني التابعة للجيش المصري بشكل عام ووزارة الإنتاج الحربي بشكل خاص، وهي شركات كانت تعاني من انخفاض الإيرادات في فترات سابقة خاصة مع قوة القطاع المدني.

إلا أنه وبعد الانقلاب العسكري توسعت الوزارة بشكل غير مسبوق لتصل توقعات إيرادات تشغيل شركاتها لقرابة 15 مليار جنيه مصري في 2018، وهو ما يعد خمسة أضعاف ما كانت عليه في عام 2013 قبل انقلاب السفيه السيسي واستيلائه على الحكم.

استنزاف اقتصادي

وتبين أرقام وزارة الإنتاج الحربي، إحدى الجهات الرئيسية الثلاث المنوط بها الإشراف على مشروعات القوات المسلحة، أن إيرادات شركاتها ترتفع ارتفاعا حادا، ويقول بعض رجال الأعمال المصريين والمستثمرين الأجانب إنهم يشعرون بالانزعاج لدخول الجيش في أنشطة مدنية ويشكون من امتيازات ضريبية وغيرها ممنوحة لشركات القوات المسلحة.

غير أن المستثمرين الأجانب ما زالوا يتجنبون مصر باستثناء من يركزون على قطاع الطاقة الأكثر رسوخا، وانخفض الاستثمار الأجنبي المباشر في القطاعات غير النفطية إلى حوالي ثلاثة مليارات دولار في 2017 من 4.7 مليار دولار في 2016، بناء على إحصاءات البنك المركزي.

وقال مسئول تجاري بإحدى السفارات الغربية إن المستثمرين الأجانب يرفضون الاستثمار في القطاعات التي تتوسع فيها القوات المسلحة أو التي قد تدخلها، خشية الدخول في منافسة مع الجيش وما يتمتع به من مزايا خاصة قد تعرض استثماراتهم للخطر، وأضاف أنه إذا خاض مستثمر نزاعا تجاريا مع القوات المسلحة فلا معنى لرفع الأمر لهيئة تحكيم، وأضاف :"لا يمكنك سوى مغادرة البلاد".

إلا أن وجود العسكر في المجال الاقتصادي ليس كله شر، على الأقل للمستثمرين الفسدة، ففي العام الذي حكم فيه الرئيس الشهيد محمد مرسي، تم الاتفاق بين مصلحة الضرائب و"آل ساويرس" في القضية المعروفة إعلاميًا باسم "قضية التهرب الضريبي"، ورد أموال منهوبة للشعب عن صفقة بيع شركة "أوراسكوم بيلدنج" لشركة "لافارج" الفرنسية، وبعد الانقلاب أعفى السفيه السيسي ساويرس من دفع ذلك المبلغ.

وكانت الضرائب في عهد الرئيس مرسي قد رفعت دعوي قضائية تتهم "ساويرس" بالتهرب الضريبي وإخفاء أرباح بلغت 68 مليار جنيه في صفقة بيع أوراسكوم وبعدها عرض "آل ساويرس" سداد 4.7 مليار جنيه رفعوها بعد ذلك إلي 6 مليارات جنيه فيما أصرت الضرائب علي أن يسدد 14 مليار جنيه فرفع "آل ساويرس" عرضه إلي 7 مليارات جنيه وأخيرا تم الاتفاق علي سداد 7.2 مليار جنيه، ضاعت بعد الانقلاب على الرئيس مرسي.

ولخصت الحكومة الجزائرية، في وقت سابق على لسان مسئول رفيع مشاكلها مع عائلة ساويرس بقول:"لقد حررنا بلادنا من الاستعمار الفرنسي وهى أعادته إلينا"، وذلك تعليقًا على بيع مصنع إسمنت تملكه العائلة فى الجزائر إلى شركة لافارج الفرنسية.

يشير ذلك، إلى أن السياسة الاقتصادية التي تتبعها العائلة، تقوم على شراء الشركات الوطنية وتسليمها لشركات متعددة الجنسيات بأسعار أعلى، مما يُمكَّن رأس المال الخارجى من التأثير في حكم تلك الدول.

Facebook Comments