الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مقر الأمم المتحدة بنيويورك يوم 24 سبتمبر أيلول 2018. تصوير: كارلوس باريا - رويترز

في التعريف القديم للفشل، كان يُعبَّر عن الإخفاق بوصفه نتيجةً للعجز أو الإهمال، وعدم القدرة على الوصول إلى الأهداف، إضافةً إلى كونه خطأً يستوجب العقاب والتأنيب، هذا إذا كان الفشل من شخص عادي تجاه نفسه أو تجاه كشك البقالة الذي يديره، أما الفشل المقصود هو فشل عصابة استولت على الوطن ودمرت مقدراته وثرواته وأفقدته وزنه وهيبته عمدا، تلك العصابة التي سرقت مصر في 30 يونيو 2013، في الحقيقة لم تفشل وإنما نجحت في عملية التدمير.

ولكل فترة أو مرحلة زمنية للعسكر شماعة يعلق المجرمون فشلهم عليها، وبعد مرور ستة سنوات على الانقلاب الدموي والغدر بالرئيس الشهيد محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب للبلاد، بات المصريون حتى من المحسوبين على الانقلاب، على قناعة تامة بأن جنرال إسرائيل السفيه السيسي يتعمد الفشل، أو بمعني آخر هو الشخص المناسب الذي اختارته أطراف دولية وخليجية ليقوم بعملية تدمير مصر.

ودوما ما تحتاج النظم الاستبدادية إلى “شماعة” لتعلق عليها فشلها، وقد اختار كل من “السيسي” وأذرعه الإعلامية شماعة “الإخوان” في كل الملفات التي بدءوا فيها، وأيضا فشلوا فيها جميعا بلا استثناء. لكن الأمر فاق حدود كونها مجرد شماعة ليصبح الموضوع أشبه بـ“النكتة البايخة”، حيث قام المجلس القومي للسكان مؤخرا بتأكيد أن “الإخـوان” هم سبب الزيادة السكانية!.

أسعار الليمون

ويؤكد وكيل لجنة حقوق الإنسان بمجلس الشورى السابق، عز الدين الكومي، أن سلطات الانقلاب أدمنت استخدام شماعة الإخوان كلما حدثت كارثة؛ لتبرير الفشل المزمن لها منذ انقلاب يوليو2013، ويضيف: “قبل أسابيع، حمَّل إعلام السيسي الإخوان مسئولية ارتفاع أسعار الليمون والخضراوات، والآن زيادة التعداد السكاني، ظنا منهم أن الشعب المصري يمكن أن يصدق ذلك، ولا يلتفت لفشل النظام ومشروعاته وإنجازاته الوهمية”.

وبحسب الكومي، فإن التهم جاهزة لمن ينتقد سياسة النظام بأنه من الإخوان، حتى لو كان من أشد مخالفيهم ومعارضيهم، مثل خلية الأمل التي تم اعتقالها منذ أسابيع، وأخيرا أدمن صفحة “إحنا اسفين يا ريس”، الذي تم حبسه بتهمة نشر أخبار كاذبة، وانتمائه للإخوان المسلمين، رغم أنه أحد أنصار مبارك المعروفين.

ووفق وكيل لجنة حقوق الإنسان السابق، فإن اختزال الأزمة الاقتصادية بمصر في الزيادة السكانية يعد تسطيحا للمشكلة، ولأنه يجب النظر إليها من كافة جوانبها، سواء من حيث التعليم والصحة، والمشاركة في العمل، ومتوسط دخل الفرد، وسوء توزيع السكان وتركزهم في مساحة ضيقة لا تتجاوز 5.3% من إجمالي المساحة، ووجود فجوات كبيرة بين المناطق المختلفة.

ويشير الكومي إلى غياب التوازن بين النمو السكاني والنمو الاقتصادي في مصر، وكذلك الفشل في مواجهة ثلاثية الفقر والجهل والمرض، مؤكدا أن الزيادة السكانية هي في الأساس أحد مقومات التنمية البشرية التي يجب أن تتفوق فيها مصر على غيرها من دول المنطقة، وهي الزيادة التي يمكن أن يتم استخدامها كسلاح فاعل وحقيقي في التنمية الاقتصادية، مثل التجارب المبهرة في العالم، سواء في الصين أو الهند، أو في الدول المشابهة لمصر في الظروف ذاتها مثل تركيا والجزائر.

سلاح الإعلام

من جهته يؤكد الخبير بالرأي العام، يحيى عبد الهادي، أن الانقلاب استخدم خلال السنوات التي تلت 30 يونيو 2013 سلاح الإعلام بشكل موسع لتشويه جماعة الإخوان المسلمين، أو من يدافع عنها، أو يتعاطف معها، وهو لم يقم بذلك لتشويه الإخوان فقط، وإنما لكي يصنع بُعبعًا وهميًّا يمكن أن يستخرجه في أي وقت يحتاج إليه، بما يخدم مصالحه وسياساته.

ويضيف عبد الهادي: “السيسي منذ البداية، رسم طريقه في الهروب من الفشل بشماعة الإخوان، وهو الطريق السهل لأي مسئول آخر، سواء كان سياسيًّا أو حكوميًّا أو خدميًّا، ليبرر عدم نجاحه في تحقيق الأهداف الموضوعة له، وهو ما يمثل على المستوى البعيد أزمة ثقة كبيرة لنظام السيسي، الذي بدأت دوائر غياب الثقة تتسع حوله حتى وصلت لأنصاره”.

ويشير عبد الهادي إلى أن فكرة البحث عن شماعة لتبرير الفشل إحدى الركائز الأساسية في طبيعة النظم الاستبدادية الفاشلة التي لا تعترف بالخطأ، وليس لديها استعداد للمساءلة والمحاكمة أو حتى الاعتذار، وتحمل الآثار المترتبة على سياساتها تجاه الجماهير، وهي سياسية يمكن أن تحقق نتائج إيجابية في فترة من الفترات، لكنها مع استمرار الفشل، وتنوع الأخطاء، فإن المجتمع لا يستجيب لها، وتزداد قناعته بأنه تعرض للخداع والنصب.

وبحسب المختص بصناعة الرأي العام، فإن “إعلام البروبجندا لم يعد بقوة التأثير ذاتها التي كان عليها قبل عشرين عاما، في ظل تطور وسائل التواصل الإعلامي، وتحول معظم أفراد المجتمع لمواطنين صحفيين، لديهم القدرة على فهم المعلومة، وتحليلها، والتوصل لما وراء الخبر”.

Facebook Comments