في إطار العسكرة المتصاعدة في كل مناحي الحياة المصرية، وفي إطار محاولات تشكيل وعي مجتمعي منحازٍ للعسكر، بوصفهم النموذج الأمثل بالمجتمع المصري، على خلاف الحقيقة، بدأت وزارة التربية والتعليم، بالاتفاق مع وزارة الدفاع، في تنظيم سلسلة من الرحلات لطلاب المراحل الإعدادية والثانوية لمعسكرات وكتائب القوات المسلحة بالمحافظات المختلفة، تحت شعار “تنمية الانتماء لدى الجيل القادم”، وإطْلاعه على حقيقة الجيش وما يحدث في معسكرات التدريب.

الخطة كشفتها رحلة نظمتها إحدى المدارس بالقاهرة الجديدة، لمركز تدريب الصاعقة بطريق السويس الصحراوي بمقابل رمزي زهيد، حيث تم استقبال الطلاب بوجبات إفطار فاخرة داخل المعسكر، واصطحابهم لمشاهدة التدريبات المختلفة لأفراد الصاعقة، وانتهت الرحلة بهدايا تحمل شعار الصاعقة المصرية.

وتعد هذه المرة الأولى التي تسمح فيها القوات المسلحة بتنظيم مثل هذه الرحلات لكتائب ووحدات الجيش، كما أنها المرة الأولى التي تهتم فيها وزارة التربية والتعليم بهذه النوعية من الرحلات، بالتزامن مع الذكرى السنوية لحرب أكتوبر 1973.

وتؤكد المسئولة السابقة في وزارة تربية وتعليم الانقلاب، مجيدة إمبابي، في تصريحات صحفية، أنها المرة الأولى التي يتم فيها السماح بهذه النوعية من الرحلات لطلاب المدارس منذ انتهاء حرب أكتوبر 1973، حيث كانت الرحلات المسموح بها من وزارة الدفاع تقتصر على النصب التذكاري، وبانوراما حرب أكتوبر، والمتحف الحربي بقلعة صلاح الدين الأيوبي.

وتشير إمبابي، التي عملت لسنوات في وزارة التربية والتعليم، إلى أن الهدف من هذه الرحلات تثبيت الثقة لدى طلاب المدارس في الجيش، خاصة أنه من الواضح أن الرحلات قاصرة على طلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية، وتلاميذ هذه المراحل عادة ينبهرون بجو الحروب والقتال، موضحة أن الرحلات من هذا النوع تتطلب تنسيقا على أعلى مستوى بين وزارتي الدفاع والتربية والتعليم.

ماكياج السيسي

مراقبون وصفوا الخطوة بأنها محاولة لتجميل وجه السيسي القبيح، بعد أن اهتزّت صورته وصورة الجيش لدى ملايين المصريين، بفعل الكشف عن قضايا الفساد الأخيرة، والتوسع في القتل والقمع والاستبداد بحق المصريين.

وتعد رحلات الطلاب لمعسكرات الجيش، سلسلة ضمن خطوات وسياسات متراكمة من محاولات تغيير الوعي المجتمعي المصري، ويجري استغلال وزارة التربية والتعليم لتجميل وجه الجيش، حيث سبق أن قامت الوزارة بتعميم إذاعة أناشيد الصاعقة في طابور الصباح بدلا من النشيد الوطني، بجانب حضور بعض القيادات العسكرية طوابير الصباح المدرسية، وإذاعة أغنية “قالوا ايه علينا دولا”.. وغيرها من الأغاني التي تمجّد العسكر.

كما تقدمت النائبة فايقة فهيم، عضو تكتل “تحيا مصر” ببرلمان العسكر، بطلب لوزير التعليم بأن يُستبدل الزي المدرسي المتعارف عليه بآخر مموه يشبه الزي العسكري؛ لزرع الانتماء، وتربية النشء والشباب على المفاهيم الوطنية، وغرس حب الوطن والانتماء فيهم”.

كما استولى الجيش على مئات المدارس الثانوية الفنية وحوّلها إلى مدارس عسكرية؛ لخلق أجواء من العسكرة والانضباط الشكلي لتعميم عسكرة المجتمع المصري، بوصفهم الآلهة التي لا تخطئ، والذين يتفانون بخدمة الوطن بلا مقابل، فيما قضايا الفساد المالي تلاحق قيادات العسكر في المحافظات ومجالس المدن وفي الإدارات الحكومية التي يعتلونها، ويسابقهم في ذلك السيسي وزمرته الفسدة، في مشروعات قناة السويس أو القصور الرئاسية أو أراضي الحزام الأخضر.

الانتماء بالتنمية وليس بالسجون

وبحسب خبراء الاجتماع، فإن محاولات خلق الانتماء السياسي لدى المصريين لا تأتي بتلك الممارسات، التي تخفي جرائم عدة كالقتل والقمع والتصفية الجسدية، وسرقة أموال المصريين في مشروعات وفناكيش لا تخدم سوى زمرة السيسي فقط.

وهو ما يترافق مع بناء عشرات السجون والمعتقلات، ولم يبنِ في المقابل أي مستشفى أو جامعة أو مركز للبحث العلمي.

فكيف يحدث الانتماء لوطن يموت فيه المواطن يوميا في القطارات والطرقات، وفي المعتقلات، وفي البحر وفي المستشفيات؟

وبحسب مراقبين، فإن مثل هذه الإجراءات تشير إلى أزمة حقيقية يعيشها نظام الانقلاب العسكري، الذي فتح أبواب معسكراته واستخدم تدريبات جنوده لكي يستعيد الثقة بينه وبين الشعب، خاصة الجيل القادم الذي خرج بقوة في مظاهرات 20 سبتمبر الماضي؛ اعتراضا على فساد السيسي وقيادات جيشه.

ولذا فان مثل نلك الممارسات التجميلية لا تنطلي على الشعب المصري، الذي بات على يقين بأنه نظام فاسد، ويريد استغلال كل مقومات الدولة للنصب على الشعب، والترويج لنفسه باعتباره البطل الذي أنقذ الشعب من الضياع.

وتعبّر ممارساتُ نظام السيسي الدعائية، سواء عبر إذاعة فيلم الممر أو الأغاني الوطنية في أيام تظاهرات المصريين، عن أن فكر الخمسينيات والستينيات ما زال هو السائد، من شعارات وأناشيد وأعلام وأفلام؛ ظنًا من الجهلاء متوسطي الفكر والثقافة ومحدودي المهارات ومحرومي الخيال أنه بهذا الهزل يكون الانتماء.

الانتماء قيمة عالية تحتاج قدوات يراها الصغار والكبار، قدوات في العطاء والتضحية وليس في الفساد وإهدار المال العام، فضلا عن الكذب وإخلاف الوعود.

Facebook Comments