لماذا؟

صمت إيران كان مستغربا وغير متوقع، فكل المراقبين كانوا يتوقعون أن تنتهز إيران الفرصة وأن تُظهر على الصعيد الداخلي أن غريمتها انهزمت دوليا وأن المنطقة باتت ساحة مفتوحة لها، وتظهر للخارج بأن عدوها دولة اغتيالات وقمع للآراء والنشطاء فكيف لهذه الدولة أن تكون رائدة في تغير إيران إلى الأحسن، لكن إيران لم تفعل ذلك! فلماذا؟

يقول الخبير الإيراني صادق ملكي في مقابلة مع صحيفة “إيران” الإصلاحية التابعة للحكومة :”لا تغيب أخبار خاشقجي عن نشرات الأخبار في التلفزيون الإيراني، مما يؤكد أن المشاكل الراهنة في العلاقات الإيرانية السعودية تحتل موقعا مهما في التغطية الإعلامية”.

وبشأن تداعيات القضية على الصراع الإيراني السعودي إقليميا، كتب “نادي المراسلين الشباب” في تقرير معنون بـ”كيف يؤثر اغتيال جمال خاشقجي على المعادلات الإقليمية؟” أن “هذه القضية ستترك بصماتها على الأجواء التنافسية بين إيران والسعودية في المنطقة، ستوفر لإيران أداة سياسية وأخلاقية للدفاع عن نفسها في مواجهة ترامب الذي يتهمها بزرع بذور الموت والدمار في المنطقة”.

صمتت إيران على مقتل خاشقجي أولا، لأنها باتت تحت ضغط شديد اقتصاديا، خاصة وأن أمريكا فرضت عقوبات اقتصادية صارمة عليها، وستفرض عليها عقوبات أشد في الشهر المقبل، لا سيما في مجال النفط، فانهارت عملتها تماما، حيث بات التجوال بأنحاء إيران، وشراء ما طاب ولذ والإقامة في أرقى الفنادق، ببضع مئات من الدولار الأمريكي؛ فهي الآن محاصرة من كل الجهات، فلكي تخفف من وطأة الضغوطات بدأت بسلك سبل دبلوماسية أقل عدائية في المنطقة، آملة بذلك فتح أبواب مغلقة أمامها.

نسف الجسور

ربما استشعرت إيران بأنه ستحدث تغيرات في سدة الحكم في السعودية بعد مقتل خاشقجي، أو على الأقل في السياسات السعودية؛ فأرادت بصمتها أن ترسل رسالة للسلطات السعودية بأنها تريد تحسين العلاقات فيما بينهما، وأنها لن تنسف كل الجسور بينها وبين السعودية، بل تأمل في أن تكون التغيرات القادمة في السعودية متجهة نحو التقليل من العدائيات التي أحدثتها الإدارة الجديدة للبلاد في ظل حكم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

إذ أصبحت السعودية دولة عدائية في سياساتها، فليست للدبلوماسية أي دور في رسم السياسات أو إنشاء العلاقات السعودية، بل إما أن تتخذ العداوة، أو شراء الذمة بالأموال، ولا تبيع كل الدول مواقفها كما تفعل أمريكا المتمثلة في إدارة ترمب، لذلك ترى إيران أن السعودية وصلت إلى مفترق الطرق، وأن التغيير في السعودية أتٍ لا محالة، سواء أكان التغيير في السياسات أو في السياسيين، بدأً من أعلى الهرم ولي العهد.

تأمل إيران أن تكون هي ضمن تلك التغيرات التي ستحصل في السعودية وبـِصَمتها حول مقتل خاشقجي ستُبقي لشعر معاوية بينها وبين السعودية، وإن كانت فرصة تغير سياسات السعودية أمام إيران ضئيلة لكون الخلافات بينهما إستراتيجية غير مرحلية أو تكتيكية، عميقة وليست سطحية، ولأن أمريكا عازمة لفرض أقصى العقوبات على إيران، والسعودية لا تستطيع أن تخرج من السياسة الأمريكية، لكن الغريق يتشبث بقشة، فإيران اقتصاديا غريق وستتشبث بأية فرصة تأتيها لتقليل الضغوطات عليها.

Facebook Comments