ذات مرة أعلن مذيع طبّال من فرقة الإعلاميين أصحاب الخلفية المخابراتية، عن أن جنرال إسرائيل السفيه عبد الفتاح السيسي قد اختطف قائد الأسطول السادس الأمريكي من غواصته واحتجزه في مكان سري، وهدد الرئيس الأمريكي آنذاك “باراك أوباما” بالمزيد إن لم تتراجع القطع البحرية للأسطول السادس خارج حدود المياه الإقليمية المصرية!.

لم يكن الطبّال سوى الإعلامي محمد الغيطي، الذي عاد بعدها وتراجع عن ذلك بالقول: إن الآسر لم يكن السفيه السيسي وإنما الفريق مميش، ويبدو أن الخارجية الأمريكية ولو أنها تدعم الانقلاب العسكري في مصر، إلا أنها لا تريد أن يقال إن الجنرال “أوزعة” الذي يلقب ببلحة، أَسَرَ قائد الجيش الأمريكي، حتى ولو كان الأمر على سبيل الدعاية بالكذب.

سفالة السيسي

ومنذ 30 يونيو 2013 والعالم بات لا يثق بإعلام السفيه السيسي، الأمر الذي لا تجده في أي دولة أخرى محترمة، وعلى سبيل المثال في تركيا ولأن النظام القائم منتخب، فلا حاجة لديه للدعاية لنفسه بالكذب، لأنه من المفترض في الخطابات السياسية لمن يتولون مسئولية عامة أن يتحسّبوا ويتحسّسوا في استخدام ألفاظهم، وأن يتخيروا الأوصاف التي تعبر عن مواقفهم، ذلك أن الخطاب العام، ويقع في قمته الخطاب السياسي، من المفترض أن يكون خطابًا مسئولا يتسم بالأدب والتعبير عن معاني المسئولية فيه.

من جهته يقول المفكر الدكتور سيف الدين عبد الفتاح، الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية:” لقد اعتدنا من السيسي في خطاباته المتعددة والمتكررة بعض الكلمات التي تكون محلا لسخرية الناس أو تعقيباتهم، أو تكون مادة على وسائل التواصل الاجتماعي لتثبت أن هذا الرجل إنما يستخدم خطاب الاستخفاف وفائض الكلام ومفردات الكلام العاطفي في مواقف لا تحتمل ذلك”.

ويضيف: “نظن أن هذا الخطاب رغم كم السخرية الذي يصاحبه، فإنه يمكن أن يمر، وقد لا نقف عنده كثيرا، إلا أن استخدام لغة منحدرة ومتدهورة بل ومنحطة، في الألفاظ والتعبير عن المعاني، إنما يشكل حالة لا يمكن قبولها أو التسامح معها، حينما يستغل الطاغية حال غشمه لقول ما لا يمكن قبوله، ولا نجد ردا أبلغ لوصف كلام ساقط إلا أنه للأسف الشديد أنه من كلام العصبجية والبلطجية”.

يقول الدكتور حاكم المطيري، الأمين العام لمؤتمر الأمة، وأستاذ التفسير والحديث في جامعة الكويت: “لا يمكن التعويل في العالم العربي على الدول الوطنية الوظيفية تحت النفوذ الغربي في تحقيق الأمن والاستقرار بعد انهيارها في العراق وسوريا واليمن، بل يجب العمل من أجل استعادة مشروع الأمة الواحدة والدولة الراشدة التي تحمي شعوب المنطقة وتحقق سيادتها وحريتها وتعبر عن دينها وهويتها”.

عقيدة الجيش

وللإجابة عن سؤال: لماذا انتصر أردوغان رغم أنه لم يأسر قائد الأسطول الأمريكي؟، يجب العلم بأن عقيدة الجيش التركي تتلخص في عبارة واحدة، إما النصر أو الشهادة، وتلك كانت عقيدة الجيش المصري في حرب أكتوبر المجيدة، حتى استبدلها السفيه السيسي بعقيدة الجمبري والسمك والفلفل الأحمر والأخضر!.

كما أنَّ الجيش التركي يقاتل بأسلحة وذخائر من صناعته، ويجتهد الأتراك بقوة لتطوير صناعتهم الحربية لمواجهة التحديات الدولية، وحتى يمكن لتركيا أن تتموضع في عالم تحكمه القوة فقط، أما في مصر فقد أغلقت بعض المصانع الحربية، وبعضها اتجه لصناعة ملاعق السفرة والأجهزة المنزلية، حتى إن خطوط إنتاج كانت تنتج الرصاص والبارود باتت تنتج كعك العيد والبسكويت.

علاوة على أنَّ الجيش التركي يؤمن بأنه جيش مهني لا علاقة له بالسياسة، في حين بات الجيش في مصر يستحوذ على كل شيء، بداية من الإعلام، والاقتصاد بفروعه واختصاصاته حتى وصل الحال إلى تصنيع حليب الأطفال، وبات اسم الهيئة الهندسية للقوات المسلحة ووزارة الانتاج الحربي يتردد بقوة في كل ما يخص عالم المال والأعمال.

وأخيرا فإن الرئيس التركي أردوغان لديه عقيدة وطنية، ولا يقبل إملاءات من أحد، عكس السفيه السيسي الذي لم يحظ “عميل عربي” بالإطراء والمديح من ساكن البيت الأبيض مثله، منذ توقيع السادات اتفاقات كامب ديفيد عام 1978.

ديكتاتوري المفضل!

ويتعمد ترامب بشكل واضح أن يظهر السفيه السيسي خادما لسياسات واشنطن في المنطقة، فيقول: “نقف بقوة خلف السيسي.. لقد أدى عملا رائعا في موقف صعب للغاية.. نحن نقف وراء مصر وشعب مصر بقوة”، وأضاف “أقول للسيسي إن لديك صديقًا وحليفًا قويًّا في الولايات المتحدة.. وأنا أيضا”.

هذا المديح والإطراء يعني عدة أمور، أبرزها أن ترامب يريد أن يتوّج السفيه السيسي خادمًا للأمريكان والصهاينة في الشرق الأوسط، وتكون مصر الكبيرة العظيمة محور ارتكاز السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة، في موازاة المحاولات الروسية رسم خريطة جديدة للمنطقة محورها إيران.

وترى تل أبيب في السفيه السيسي حليفا؛ خاصةً بسبب سياسته الصارمة تجاه حركة المقاومة “حماس”، والحرب التي يشنها ضد المدنيين وتهجير أهالي سيناء، لصالح اتفاق القرن.

كما بدأ الجيش المصري مهاجمة جميع الأنفاق، ومن ثم منع توصيل الغذاء والمؤن لفلسطين عبر الأنفاق، وأغلق معبر رفح بشكل شبه كلي، ثم أخلى الشريط الحدودي بين مصر و”فلسطين المحتلة”، وحوله لمنطقة عازلة بعد تهجير السكان بناءً على طلب الاحتلال الصهيوني.

إلى جانب محاربته لحماس وتهجير أهالي سيناء، تنازل عن جزيرتى تيران وصنافير للسعودية، في أبريل 2016، ولعل هذا التنازل أو البيع يعد كنزا استراتيجيا حصلت عليه “إسرائيل” دون مقابل؛ فملكية السعودية للجزيرتين تجعل خليج تيران ممرًا بحريًّا دوليًّا يحق لسفن “إسرائيل” المرور منه دون أي عوائق.

وجاهدت حكومة الانقلاب ومعها برلمان الدم والإعلام المخابراتي جديًّا من أجل التنازل عن الجزيرتين بدلا من الدفاع عنهما بأي ثمن، حتى إنهم استخدموا كل الأساليب القانونية وغير القانوينة كي تنجح في بيع الجزيرتين.

نمر من ورق

وأطلق الجيش التركي قبل أسبوع عملية نبع السلام العسكرية، بالتعاون والتنسيق مع الجيش السوري الوطني، لتطهير مناطق شرق الفرات في شمال سوريا من عناصر وحدات حماية الشعب الكردي، وإقامة منطقة آمنة لعودة ما بين مليون ومليوني لاجئ إلى بلادهم، وحققت العملية في أسبوع واحد نجاحا كبيرا من خلال تحرير عدد من المدن والقرى، لتصل القوات المشاركة فيها إلى الطريق الدولي.

وانهارت وحدات حماية الشعب أمام قوات الجيش التركي والجيش السوري الوطني بهذا الشكل السريع، ما يدل على أن تلك المليشيات لم تكن غير نمر من ورق استأسد لوهلة على سكان شمال سوريا بدعم الولايات المتحدة، ولما رفعت واشنطن عنها مظلتها انكشفت أمام الجميع بكل ضعفها وعجزها، لتبحث لنفسها عن مظلة أخرى تحميها، ولم تجد غير حضن النظام السوري.

ونجحت عملية نبع السلام العسكرية خلال أسبوع في تدمير حلم تقسيم سوريا وإقامة دولة كردية في شمالها تسيطر عليها المنظمة الإرهابية، وكانت قيادة وحدات حماية الشعب الكردي، التابعة لحزب العمال الكردستاني، ظنت أنها قاب قوسين أو أدنى من تحقيق ذاك الحلم، بدعم أمريكي وأوروبي وعربي، إلا أن التدخل التركي العسكري أيقظها لترتمي إلى الحضن الذي خرجت منه من أجل محاربة ثورة الشعب السوري في الشمال

Facebook Comments