عندما تدخل دولة في حلف مع دول أخرى فإنها تتحرك وفق ثوابت معروفة، على أسس عقائدية وجغرافية وتاريخية، لحماية مصالحها، لكن ما هي مبررات دخول مصر في عداوات مع دول مسلمة لصالح خصومها وأعدائها في شرق المتوسط، ولماذا هذا الحماس ودق طبول الحرب في معارك ليس لنا فيها ناقة ولا جمل، بل إن مصلحتنا مع الطرف الذي نعاديه!

لقد صدر هذا الأسبوع بيان خماسي لوزراء خارجية قبرص واليونان ومصر وفرنسا والإمارات، ضد تركيا، واعتبروها تهدد السلام والاستقرار بالمنطقة، وعبروا عن “بالغ قلقهم إزاء التصعيد الحالي والتحركات الاستفزازية المستمرة في شرق المتوسط” وأعلن البيان أن وزراء خارجية الدول الخمس اتفقوا على مواصلة مشاوراتهم بوتيرة منتظمة وكأنهم في حالة حرب!

مجمل البيان يدور حول تثبيت اتفاق ترسيم الحدود المعيب الذي وقعته مصر مع قبرص واليونان وإسرائيل، والذي يحرم تركيا وليبيا من حقهما في المياه الاقتصادية، وحشد الرأي العام الدولي ضد اتفاقية التعاون بين الأتراك وحكومة الوفاق المعترف بها دوليا.

 قلق قبرص واليونان

من الواضح أن اليونان وقبرص الرومية تعيشان حالة من القلق من بروز القوة العسكرية التركية التي ظهرت مؤخرا في سوريا وليبيا، فاليونانيون وحلفاؤهم الروم الذين يحكمون الجزء الجنوبي من الجزيرة يشعرون بالصدمة من التطورات في ليبيا، وانكسار مشروع حفتر لصالح حكومة الوفاق، بعد الدعم التركي، والذي يفسد لعبة القرصنة والسطو المسيحي الصهيوني على شرق المتوسط.

لقد ندد وزراء الدول الخمس بما اعتبروه تحركات تركية وعمليات تنقيب “غير قانونية في المنطقة الاقتصادية الخالصة لجمهورية قبرص ومياهها الإقليمية” وأدانوا ما وصفوه بأنه “انتهاك المجال الجوي لليونان”

ولأن محور الصراع حول المياه فقد زعم البيان أن كلاً من مذكرة التفاهم بشأن تعيين الحدود البحرية في البحر المتوسط، ومذكرة التفاهم بشأن التعاون الأمني والعسكري، الموقعتيّن في نوفمبر ٢٠١٩ بين تركيا والسيد فايز السراج، تتعارضان مع القانون الدولي وحظر السلاح الذي تفرضه الأمم المتحدة على ليبيا، كما تُقوضان الاستقرار الإقليمي!

لا مصلحة لمصر في هذا الصراع

من الواضح أن مصر ليس لها مصلحة في هذا الصراع، ويصب البيان في مجمله لصالح قبرص واليونان، وكما هو معروف فإن قبرص منقسمة إلى قسمين الجزء الشمالي مسلم، والجنوبي مسيحي والانقسام تم بالمخالفة لقرارات الأمم المتحدة حيث انفردت الطائفة اليونانية بحكم الجزيرة وارتكبت المذابح ضد المسلمين ولولا التدخل التركي لانتهى الوجود المسلم في قبرص.

ليس لليونان حق في شرق المتوسط فهي دولة بعيدة جدا، ووجود بعض الجزر المرتبطة بها والتابعة لها لا يعطيها حقا، مثل الدول المطلة على الحوض، والاستيلاء على كل البحر وحرمان تركيا وليبيا من شواطئهما.

الملاحظة الأكثر أهمية هي استبعاد توقيع الكيان الصهيوني من البيان لعدم إحراج الموقف المصري؛ فمجمل التسوية التي تمت وتقسيم المياه الاقتصادية كان لصالح “إسرائيل” فهي الطرف الفائز بالنصيب الأكبر، والتخطيط قائم على مد أنبوب لتصدير الغاز من إسرائيل إلى أوربا عبر قبرص وحتى اليونان ولهذا تعمدوا حرمان تركيا بالبلطجة من مياهها الاقتصادية.

وإذا كانت “إسرائيل” أكبر الرابحين من اتفاقيات الترسيم التي تمت فإن مصر أكبر الخاسرين، حيث تنازلت عن حقوقها بل وعقدت اتفاقيات لشراء الغاز الذي تنازلت عنه من الإسرائيليين، ولهذا لم يعد مقبولا التمسك بالترسيم الفاسد لمياه شرق المتوسط، وعدم اقتناص الفرصة والتقاط الاتفاق التركي الليبي كمخرج للتصحيح وإعادة الترسيم، واستعادة حقوقنا المهدرة، لكن الأعجب أن السياسة المصرية رغم ضياع حقوقها تظهر استعدادها للقتال دفاعا عن مصالح إسرائيل وقبرص واليونان!

الإمارات وفرنسا

الإمارات لا حق لها في شرق المتوسط فليس لها شواطيء وليس لها حدود، وهي تبعد عن المنطقة آلاف الكيلومترات، لذلك وجود اسمها في البيان مستغربا، فدورها التخريبي في ليبيا ومساندة ميليشيات حفتر بالمال والسلاح لا يعطيها حق المشاركة في شأن متعلق بدول مطلة على البحر.

أيضا مشاركة فرنسا في البيان كان شاذا، فهي تقع في غرب المتوسط وليس لها أي علاقة بشرق المتوسط، ولكن يبدو أن فرنسا لا تريد التخلي عن دورها الاستعماري وتطمع في فرض هيمنتها على منطقة لا صلة لها بها، ولا يريد الفرنسيون أن يتعلموا من الإنجليز الذين لم يتدخلوا في هذا الصراع رغم أن لبريطانيا قواعد عسكرية منتشرة في شرق المتوسط.

تطورات ليبيا والرهان على المستقبل

حدثت تطورات في ليبيا كفيلة بتصحيح الموقف المصري وفتح قنوات مع حكومة الوفاق، والتخلي عن حفتر الذي فشل مشروعه، بعد الهزائم التي تلقاها في الشهرين الأخيرين وخسارته مدن الساحل الغربي، وحصار ما تبقى من مليشياته في ترهونة والوطية، وتفكك الكتلة السياسية التي تسانده في الشرق.

لا مصلحة لمصر في السير خلف مشروع فرنسا الاستعماري وخسارة الشعب الليبي، ففرنسا تخاف على مصالحها في مستعمراتها بدول الساحل وغرب أفريقيا، وتظن أن تشكيل حكومة مستقرة في ليبيا يهدد مصالحها، وهذا المكر الاستعماري لا مصلحة لأي دولة عربية في دعمه والتضحية من أجله.

وليس من مصلحة مصر الاستمرار في معاداة تركيا، فهذه الخصومة تخدم أعداء الدولتين، وعلينا أن نتعظ بالتاريخ فعندما اتحدت مصر وتركيا كان العالم الاسلامي قويا ممتدا، منذ دولة المماليك التي كانت تتبعها شعوب الأناضول وشرق تركيا، والعثمانيين ثم دولة محمد علي، وعندما افترقتا احتل الأوربيون  مصر وسقطت السلطنة العثمانية.

الاستراتيجيات المعادية تعمل على عزل مصر وجعلها في حالة عداء مع جوارها العربي والمسلم، كي تظل ضعيفة، لأنهم يعلمون أن مصر القوية بأشقائها تستطيع استعادة قوة الأمة وتغيير خارطة العالم.

بعد كورونا وانشغال القوى الاستعمارية بنفسها، فإن الفرصة مواتية للاستقلال، والتخلص من الهيمنة، والعودة إلى الثوابت، والتفكير بعقل جديد.

Facebook Comments