تختلف الاحتجاجات الشعبية التي خرجت ضد نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي خلال النصف الأول من شهر سبتمبر 2020م؛ رفضا لحملات الإزالة التي طالت مئات المنازل بدعوى أنها مخالفة، عن المظاهرات التي سبقت هذا التاريخ منذ انقلاب 3 يوليو 2013م؛ من عدة زوايا:

أولا، الاحتجاجات التي خرجت قبل هذا التاريخ كانت تُعبِّر عن خطاب وأهداف حركات وقوى سياسية وبالتالي كانت دوافعها سياسية بامتياز تستهدف مقاومة اغتصاب السلطة عبر انقلاب عسكري كما جرى في أعقاب الانقلاب مباشرة وحتى 2016م قبل أن تتراجع في زخمها وقوتها أمام البطش الأمني والقمع المفرط من جانب أجهزة السيسي الأمنية التي استخدمت الرصاص الحي وقتلت الآلاف واعتقلت عشرات الآلاف لإخماد جذوة الرفض للانقلاب؛ ورغم ضخامة هذه الاحتجاجات على مستوى الحجم والمدة إلا أنها في النهاية كانت تعبر عن تطلعات القوى السياسية الإسلامية التي رأت في الانقلاب ليس تهديدا لوجودها بل تهديدا لمستقبل مصر كله؛ وهي التحذيرات التي لم تجد صداها لدى القوى السياسية العلمانية التي شاركت في الانقلاب وظنت أنه يخلي لها الساحة من أقوى منافس سياسي، ولا حتى من باقي مكونات الشعب الذي جرى تخديره بالإعلام والأماني الكاذبات.
كما تختلف هذه الاحتجاجات عن المظاهرات التي خرجت احتجاجا على تفريط السيسي في جزيرتي "تيران وصنافير" للسعودية في إبريل 2016م. لأنها أيضا كانت تعبر عن خطاب نخبوي معبر عن القوى السياسية، ورغم الرفض الشعبي لأي تنازل عن سيادة مصر على أي جزء من أراضيها لكن الغالبية العظمي من الشعب لم تر في مثل هذا التنازل عن قطعة من أرض مصر دافعا للتظاهر والاحتجاجا؛ ومواجهة آلة البطش والقمع الأمني التي تدور بكل عنف منذ انقلاب منتصف 2013م.

ثانيا،  السمة الغالبة على هذه الاحتجاجات سواء تلك التي جرت في  المنيب احتجاجا على مقتل الشاب "إسلام الأسترالي" بالتعذيب على يد ضباط وأمناء الشرطة بقسم المنيب، أو التي شهدتها منطقة الدويقة والمنشية بالإسكندرية والخانكة بالقليوبية أنها احتجاجات شعبية لمواطنين لا يُعرف عنهم أي ميول سياسية سابقة؛ معنى ذلك أن السيسي بقراءاته وإجراءاته الظالمة على المستوى الاقتصادي تدفع قطاعات واسعة من الشعب غير المسيس والذي كان يسمى بحزب "الكنبة" نحو الحراك لأن قرارات السيسي مستهم وألحقت بهم أضرارا واسعة بدأت بالغلاء الفاحش وصولا إلى حد هدم البيوت فوق سكانها ما لم يدفعوا الإتاوات الباهظة التي يفرضها عليهم.

ثالثا، ما تروجه الآلة الإعلامية للنظام عن تحمل المصريين لفاتورة الإصلاح المزعوم مجرد ادعاءات غير حقيقية وأمنيات القائمين على الحكم، فلا صبر ولا تضحية وإنما صمت مفروض بالإكراه بأدوات التخويف والترهيب لتمرير إجراءات الإفقار بالقوة المسلحة. وبحسب الكاتب عامر عبدالمنعم ، أثبتت حركات الاحتجاج العفوي (الخبز في مارس 2017م، والمترو  في مايو 2017م) وحركات الاحتجاج السياسي (مايو 2016 ضد التنازل عن تيران وصنافير"، ثم سبتمبر 2019م، وأخيرا سبتمبر 2020م) أن تأثير الجوع والمعاناة يقترب من تأثير التخويف، وكلما ضاقت الفجوة بين التأثيرين والوصول إلى درجة التعادل كلما اقترب المصريون من لحظة الانفجار الكبير وتصفية الحساب مع مجمل السياسات التي أوصلت مصر إلى حالة الانهيار التي يعيشها المجتمع المصري ويلمسها كل مواطن بنفسه. والذين يراهنون على أن البندقية ستظل دائما صاحبة القرار وأن القمع سيمنع الناس من التظاهر يخطئون في الحسابات؛ فالقوة الباطشة التي استخدمت ضد التيار الإسلامي ليكون أمثولة وعبرة لباقي الشعب يصعب استخدامها مع جمهور جائع يبحث عن قوت يومه وليس لديه ما يخسره.

رابعا، التعليق المؤقت من جانب نظام الانقلاب لأعمال الهدم والإزالة سببها هو الحملة الإعلامية المضادة التي فضحت النظام عبر فضائيات الثورة ومواقع التواصل الاجتماعي، والتي بثت عشرات المشاهد الصادمة التي أقنعت الشعب أن نظام الطاغية عبدالفتاح السيسي ما جاء إلا حربا على مصر وشعبها، كما أن النظام تراجع نسبيا وبشكل مؤقت بسبب مسرحية انتخابات البرلمان التي بدأت بالفعل ويحتاج إلى قدر من المشاركة الشعبية تحفظ ماء وجهه أمام المجتمع الدولي بعد فضيحة مسرحية انتخابات الشيوخ التي لم يشارك فيها أحد. والأكثر احتمالا  أن نظام السيسي سوف يشرع في عمليات الهدم والإرهاب في أعقاب مسرحية البرلمان وربما قبل ذلك إذا كان مستوى الأزمة الاقتصادية شديدا ولا يقوى النظام على الصبر عدة شهور أخرى.

معنى ذلك أن النظام في معركة  قانون الهدم  أو الإتاوة خسر في كل الأحوال؛ فإذا تراجع عن عمليات الهدم يكون الشعب بذلك قد تمكن من الانتصار في جولة مهمة سوف تتبعها جولات ستجبر النظام على مزيد من التراجع في معركة الإرادات. وإذا أصر على كبره وعناده فإن ذلك نذير  بصدام واسع بين أجهزة النظام وجميع فئات الشعب بامتداد ما يسميها النظام مخالفات البناء التي تمتد في جميع القرى والمدن بجميع محافظات الجمهورية. وهي المعركة التي ستفضي إلى فوضى كبيرة كفيلة بخلط كل الأوراق وفتح البلاد أمام كل المسارات والاحتمالات إما بثورة شعبية عارمة أو بفوضى نسبة تدفع أجنحة داخل النظام نحو الانقلاب على السيسي أو أغتياله لوضع رعاته الدوليين والإقليميين أمام سيناريو مفاجئ يكون الشعب فيها في مرحلة سيولة يمكنه عندها من فرض شروطه  ووضع عقد اجتماعي جديد لضبط العلاقة المدنية العسكرية وتحرير القرار الوطني من خاطفيه.

Facebook Comments