“هو لا يعادي الكتب فقط بل يريد نشر الجهل بين المصريين”، عبارة غاضبة نطقها أحد المثقفين ساخطا على ما قام به السفيه السيسي، عندما نقل مقر معرض القاهرة الدولي للكتاب بدورته الخمسين، من مقره الدائم بمدينة نصر شرق القاهرة وبجوار مترو أنفاق القاهرة الكبرى إلى منطقة التجمع الخامس النائية شمال شرق القاهرة.

وإلى جانب زيادة تذكرة الدخول لـ10 جنيهات، تسبب قرار منع دخول كتب سور الأزبكية الشهير للكتب رخيصة الثمن إلى المعرض، في حالة من الاستهجان والغضب بين المثقفين والشباب، الذين اعتبروه تخريبا متعمدا للمعرض، وإبعادا للشباب عن الكتاب والفكر والثقافة، معتقدين أن منع الكتب القديمة من العرض بالمعرض يخدم أصحاب دور الكتب، ويزيد من مكاسبها، ويرفع أسعار الكتاب.

مشقة المشوار

واعتادت دورة المهرجان في السابق أن تكون يوم 28 يناير؛ خوفا من تظاهرات محتملة في ذكرى ثورة 25 يناير 2011، إلا أنها هذا العام سوف تبدأ قبل الذكرى الثامنة للثورة بيومين، وبعيدا بعض الشيء عن العاصمة القاهرة، ومعرض القاهرة الدولي من أكبر معارض الكتاب بالشرق الأوسط، وواحد من أكبرها وأقدمها بالعالم، واختير في عام 2006 ثاني أكبر معرض بعد فرانكفورت الدولي للكتاب.

وعام 1969، وخلال احتفال مدينة القاهرة بعيدها الألفي، قرر وزير الثقافة آنذاك، ثروت عكاشة، تدشين المعرض برئاسة الكاتبة الراحلة سهير القلماوي، بأرض المعارض الدولية بالجزيرة، ليتم نقله للمرة الأولى بدورته السادسة عشرة عام 1984 لأرض المعارض الدولية بمدينة نصر.

وفي تعليقه، يعتقد المسئول السابق بوزارة الثقافة، سعد عبد الرحمن، أن “نقل المعرض إلى التجمع الخامس سيكون له تأثير كبير على أنشطة المعرض من بيع للكتب ومن ندوات وأمسيات وخلافها، ولن تفلح عشرات الأوتوبيسات والباصات الصغيرة في تخفيف الأزمة؛ فمن تعوّد زيارة المعرض العديد من المرات مدة نشاطه لن يستطيع فعل ذلك مع مشقة المشوار، حتى لو كانت لديه سيارة خاصة”.

مضيفا أن “عدم وجود سور الأزبكية هذا العام سيزيد الطين بلة، وسيفاقم من أزمة المعرض، فكثيرون – وأنا منهم- نشتري معظم كتبنا خلال المعرض من السور”، وتابع: “كان من المنتظر ألا ينتقل المعرض من مكانه المعتاد منذ أوائل الثمانينيات حتى العام الماضي بمدينة نصر إلا بعد مد خط مترو الأنفاق إلى التجمع الخامس”.

مملكة النحل!

وحتى نعرف عداوة الديكتاتوريين العسكر للكتب، يكفي المرور على هذه الحادثة من أروقة الزعيم الليبي معمر القذافي، أنه أمَر ذات مرة بمنع كل الكتب التي تتعلق بالمَلَكيّة ونظامها، فما كان من حاشيته أو عناصر سلطاته الذين ينفذون أوامره إلا أن منعوا كتاب “مملكة النحل”، لمجرد ورود كلمة مملكة، وكان لدى الرقابة القذافية من فوبيا المَلَكية ما يكفي لنضحك على إيديولوجيا الغباء التي تحاول اقتلاع الذاكرة من خلال حرق كتب الخصوم أو الأسلاف.

ويبدو أن السفيه السيسي مر بنفس مرحلة فوبيا الكتب، إذ ذكرت التقارير مع بداية الانقلاب في 2013 أن مديرية التربية والتعليم أحرقت في الجيزة عشرات الكتب، وُصِفَت الكُتُب بأنها “إخوانية”، وتحمل أفكاراً “متشددة”، و”تحرِّض على العنف”، ومؤلفوها “فرّوا إلى قطر”.

وقالت وكيلة مديرية التربية والتعليم، وقتها أنه “تم الحصول على الموافقة الأمنية بإعدامها”، وأضافت: “كان ممكنا إخراج هذه الكتب بعد تشميعها بالشمع الأحمر، لكن اتُخذ إجراء الحرق لحماية الأطفال”، ووُصف المشهد بأنه مثير للسخرية والحزن معا.

معلّمون ومعلمات، في يد كل واحد وواحدة علَم، يتحلقون حول مجموعة من الكتب تحترق شملت كتباً تواجه التطرف الفكري مثل كتاب شيخ الأزهر عبد الحليم محمود “منهج الإصلاح الإسلامي”، بينما لم ينجُ “أبو القانون المصري”، عبد الرزاق السنهوري، وهو قامة قانونية وفكرية وصاحب الفضل الأكبر في صياغة قانوننا المدني القائم وإنشاء مجلس الدولة وأول رئيس لهذا المجلس.

هذه كلها كتب تدل إلى فوبيا السفيه السيسي، ويزداد وقع الفوبيا والغباء والجهل حين نعلم أن مجموعة الكتب التي طاولها حكم الإعدام حرقاً، تضم اسم الكاتب رجب البنا، وهو لا علاقة له إطلاقاً بتيار الإسلام السياسي، لكن لأن “اللجنة” وجدت اسم البنا فاختلط عليها الأمر بين رجب، وبين الإمام حسن البنا مؤسس الإخوان، وأخذت “الحيطة” وأحرقت الكتاب!

Facebook Comments