تباهى قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي في تصريحاته الأحد 27 سبتمبر 2020م خلال افتتاح مجمع التكسير الهيدروجيني بمنقطة مسطرد بمحافظة القليوبية، ببناء ما تسمى بالعاصمة الإدارية الجديدة وأنها تكلفت حتى اليوم نحو 380 مليار جنيه خلال سبع سنوات. وبحسب تصريحات السيسي فإن الأموال المصروفة على مشروعات في العاصمة الحالية "القاهرة" كان من الأولى وضعها في العاصمة الإدارية الجديدة، حيث إنها تحتاج أموالاً ضخمة للانتهاء من المشروعات داخلها"! في تأكيد على أن الأولوية عنده هي لأمنه وأمن نظامه حتى لو على حساب الشعب الذي لا يرى أي جدوى اقتصادية من هذه العاصمة الجديدة.

الملاحظة الأهم أن السيسي لديه فراغ كبير ولا يجد ما يعمله؛ لذلك نراه يفتتح أشياء غريبة ومشروعات ربما جرى افتتاحها قبل سنوات، مثل مجمع تكرير مسطرد الذي جرى افتتاحه في عهد الرئيس الشهيد محمد مرسي وافتتحه السيسي قبل سنة ويفتتحه السيسي مرة ثانية اليوم؛ لكن ما جرى مجرد تطوير شكلي ينتهزه السيسي لإعلان افتتاح المشروع القديم لإيهام الشعب أنه يقدم للشعب إنجازات حقيقية ومشروعات قومية كبرى!

الأكثر خطورة أن السيسي الذي يتباهى بإهدار 380 مليارا على عاصمته الإدارية كلها من القروض التي تضخمت في عهده حتى ارتفعت من 1.7 تريليون جنيه إلى نحو 6 تريليونات ومن 43 مليار دولار إلى نحو 125 مليارا بنهاية يونيو 2020م، يحدث ذلك في وقت تضاعف فيه عدد الفقراء حيث هوى عشرات الملايين من المصريين إلى ما دون خط الفقر، حتى بات نحو 60 مليونا إما فقراء أو ما دون خط الفقر بحسب تقديرات البنك الدولي الذي يقدم قروضا ومساعدات لنظام السيسي باستمرار حتى لا يسقط بفغل الفشل الاقتصادي.

فما الذي استفاده المصريون من هذه العاصمة الجديدة؟ ألم يكن من الأولى استثمار هذه الأموال الضخمة في بناء مصانع ومشروعات إنتاجية لتوفير ملايين من فرص العمل في ظل تزايد معدلات البطالة ومستويات الفقر في البلاد؟ وما الجدوى الاقتصادية لهذه العاصمة الجديدة؟ وما الهدف منها؟

الغريب في الأمر أن السيسي لا يزال مستمرا في غيه وضلاله ويرى أنه يمضي على طريق الرشاد، مدعيا أن معالجة المشكلات تكلف وقتًا وجهدًا ضخمًا جدًا، وأن الأفضل توفير الجهد والأموال لبناء مدن جديدة وتنفيذ خطط التنمية!. ألا يعلم السيسي أن المدن الجديدة تنشأ بالأساس حول مشروعات استثمارية؟ وأن المواطنين لن يسكنوا أبدا في مدينة جديدة دون أن تكون لهم في ذلك مصلحة وأهمها ارتباط ذلك بأعمالهم ومكاسب عيشهم؟ وبذلك تنمو وتنشأ المدن بشكل طبيعي وليس قسرا وبأوامر فوقية من الحكومة دون دراسات وافية من جميع الجوانب والأبعاد.

حتى الأسعار التي قدرتها وزارة الإسكان بحكومة الانقلاب في يوليو 2018 لـ2000 وحدة سكنية في المرحلة الأولى من شقق العاصمة الإدارية الجديدة، والتي تصل إلى ما بين 11 إلى 13 ألف جنيه للمتر الواحد، وتصل مساحة الوحدة ما بين 110 إلى 180 مترا كاملة التشطيب، لتؤكد أنها ليست مدينة الشعب، بل مدينة الصفوة من الجنرالات ورجال الأعمال والأثرياء. فسعر أقل شقة أكثر من مليون جنيه وتصل إلى مليوني جنيه بحسب مساحتها؛ فمن من المصريين سيشتري مثل هذه الوحدات السكنية سوى اللصوص والمرتشين ومافيا نهب المال العام؟

حرصُ وزارة الإسكان بحكومة الانقلاب على بيع هذه الشقق التي طرحتها في العاصمة الإدارية الجديدة بهذا السعر المرتفع الذي يفوق سعر المتر في كثير من مناطق مصر الآهلة بالسكان والراقية، يُظهر شيئين: الأول أنها تهدف للربح، والثاني هو أنها تريدها مدينة نخبوية أو بمعنى أدق هي حصن للسيسي وحكومته من غضب الشعب واحتمال اندلاع ثورة قادمة.
وزاد الشعور بنخبوية المدينة إن لم يكن انعزالها، عندما تداول نشطاء على موقع التواصل الاجتماعي صورا لأعمال بناء سور بارتفاع 7 أمتار حولها، معتبرين أنه يشبه الجدار العازل الذي تشيده إسرائيل، مؤكدين أن الحكومة ترغب في تأمين العاصمة الجديدة وتحصينها بشكل غير مسبوق.

ووفقا لمراقبين فإن الجنرال السيسي وأركان العصابة من الجنرالات والنافذين في نظام 30 يونيو يعتبرون العاصمة الجديدة حصن النظام من غضبة الشعب المرتقبة، فالسيسي كان يريد أن ينتقل إلى حصنه الجديد منتصف 2019م، لكن عدم توافر الموارد المالية حال دون إتمامها في الموعد المقرر. ولعل انتفاضة 20 سبتبمر الحالية تجبر النظام على الإسراع نحو الانتقال إلى الحصن الجديد خوفا من تطورات الغضب الشعبي الذي لا يتوقف.

ويطرح تزايد الإنفاق الباهظ من جنرالات الانقلاب على ما يسمى العاصمة الإدارية في قلب الصحراء، وضخ المليارات لبناء مقر ضخم لوزارة الدفاع بـ2.2 مليار جنيه، يضاهى مبنى البنتاجون وإطلاق اسم "الأوكتاجون" عليه لأنه ثماني الأضلاع، ودار للأوبرا ومسرحين بقرابة 4 مليارات جنيه، بخلاف القصور والمنتجعات، تساؤلات حول الهدف من ذلك، وهل هو بناء "ثمود" للطاغية وأعوانه؟، ويذكر أن تكلفة إنشاء العاصمة الإدارية تقدر بـ45 مليار دولار، وتتولى المؤسسة العسكرية معظم الإنشاءات بها، ما يمثل أكبر بيزنس في تاريخ المؤسسة العسكرية على الإطلاق، رغم أن البلاد وصلت إلى القاع بحجم ديون وصل إلى 6 تريليونات جنيه؛ فمن يوقف السفيه عن إهدار هذه الأموال الضخمة التي لا يستفيد منها الشعب شيئا سوى تحمل أعباء سدادها على مر أجيال قادمة؟.

Facebook Comments